تحتل المالية العامة دوراً ما في الاقتصاد، وهذا الدور يرتبط ارتباطا وثيقا بدور الدولة في الاقتصاد وذلك لوجود العلاقة الطردية بينهما.

فيكون دور المالية العامة حيادياً في ظل حياد الدولة عن الاقتصاد واقتصارها على الوظائف التقليدية، وتدخليّاً حينما تتدخل الدولة لعلاج الأزمات، وانتاجيّاً حينما يكون دور الدولة في الاقتصاد إنتاجي.

إضافةً إلى ذلك، إن دور الدولة والمالية العامة يختلف من بلد لآخر حسب طبيعة البنيان الاقتصادي، فإذا ما كان البلد ذو بنيان اقتصادي متقدم سيكون دور الدولة والمالية العامة أقل، والعكس صحيح، إذ ما كان البلد ذو بنيان اقتصادي متخلف.

سؤالان

كيف تصف المالية العامة في بلد كالعراق كانت الدولة هي المحرك الرئيس في الاقتصاد ثم انسحبت منه -وبالخصوص من مجال الإنتاج- لكن المالية العامة استمرت في التوسع في الوقت الذي يُفترض أن تنخفض انسجاماً مع انسحاب الدولة من الاقتصاد؟

وكيف تنظر أيضاً لتوسع لمالية العامة بالتزامن مع انسحاب الدولة من الاقتصاد في ظل تخلف البنيان الاقتصادي في العراق في الوقت الذي يُفترض أن تسير المالية العامة بشكل طردي مع الدولة؟ مع العلم إن البنيان الاقتصادي في العراق أصبح أكثر تخلفاً بعد انسحاب الدولة من الاقتصاد واستمرار المالية العامة في التوسع ايضاً.

تعثر الانتقال الاقتصادي

يمكن القول، إن المالية العامة في ظل هذين السؤالين أصبحت أكبر حجماً وأقل متانةً في العراق بحكم تغيّر الأولويات من الأولويات الاقتصادية إلى الأولويات الاجتماعية وذلك لأسباب تتعلق بتعثر الانتقال الاقتصادي من التخطيط إلى السوق.

إن تعثر الانتقال الاقتصادي يعني إن العراق يسير حالياً في طريق الانتقال، وسيستمر في هذا السير لمدة طويلة، نظراً لعشوائية هذا الانتقال وعدم إجراء دراسة ذاتية وموضوعية لما سيتمخض عنه من آثار ليتم التعامل معها بشكل سليم! فكانت النتيجة، التعثر والتحول البطيء.

توقف الإنتاج وزيادة الطلب

هذا التعثر والتحول البطيء، من التخطيط إلى السوق؛ يعني قصور بل أشبه بتوقف الجهاز الإنتاجي عن الإنتاج بشكل كامل وعدم الإيفاء بمتطلبات الطلب الكلي لولا فتح باب التجارة الخارجية، وكما أسهم فتح باب التجارة الخارجية في تلافي التضخم أسهم في ولادة البطالة.

إلى جانب هذا التعثر والتحول البطيء، ظلت حاجات المجتمع العراقي بلا إشباع من قبل الاقتصاد المحلي خصوصاً وهي في طور التنامي بالتزامن مع النمو السكاني من جانب وتحول ثقافة المجتمع العراقي من الإنتاج إلى الاستهلاك بفعل سيادة نمط الاستهلاك العالمي وإطّلاع المجتمع العراقي على هذا النمط من خلال السفر ووسائل التواصل الاجتماعي.

النتيجة: وضع الدولة الأولويات الاجتماعية في المقدمة

إن قصور وتوقف جهاز الإنتاج من جانب واستمرار زيادة الطلب من جانب ثانٍ، كلا الجانبين دفعا لتدخل الدولة اجتماعياً، أي وضع الدولة الأولويات الاجتماعية في المقدمة دون الاهتمام بالأولويات الاقتصادية، وذلك من خلال نقطتين:

الأولى، استمرار التوظيف السياسي في وزارات الدولة وقطاعها العام من جانب ومن خلال تقديم النفقات النقدية والعينية لفئات عديدة من جانب آخر، كل ذلك مقابل إنتاجية محدودة أو بلا إنتاجية.

الثانية، إهمال الاهتمام بالقطاع الخاص الذي يُعد المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي في اقتصاد السوق، وذلك من خلال انتشار الفساد وتعقيد بيئة الأعمال لتصبح بيئة طاردة لا جاذبة للاستثمار.

بمعنى أصبحت نسبة كبيرة من المجتمع تعتمد على موازنة الدولة المالية في تسيير شؤونها لكنها تعيش في مستوى القاع، إذ لا يقل عدد المستفيدين من الدولة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وبشكل تقديري عن 20 مليون فرد، هذا ما يكشف عن الأولويات الاجتماعية للموازنة.

النفط والأولويات الاجتماعية وتعثر التحول الاقتصادي

ما شجّع الدولة على الاهتمام بالأولويات الاجتماعية وتعثر التحول الاقتصادي هو الإيرادات النفطية، حيث أسهمت الأخيرة في إزاحة الدولة عن دائرة المسؤولية، لأنه لو لم تتوفر الإيرادات النفطية ستلجأ الدولة إلى الضرائب وهذا ما يضعها في دائرة المراقبة والمحاسبة من قبل المجتمع.

وبحكم امتلاك العراق احتياطي نفطي كبير وطاقة إنتاجية تتصاعد بوتيرة بطيئة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط خصوصاً في بداية الألفية الجديدة، دفعت لزيادة الإيرادات النفطية وأصبحت هي الممول والمنهج الرئيس لبناء الموازنة العامة.

ونظراً لتذبذب أسعار النفط العالمية فيما بعد بسبب الأزمات الدولية واستمرار البحث عن البدائل واكتشاف النفط الصخري أدى لانخفاض أهمية النفط ومن ثم أسعاره التي تنعكس بشكل تلقائي وسلبي على الإيرادات النفطية والموازنة والنفقات وبالخصوص النفقات الاستثمارية التي دائماً ما يُضحى بها مع كل انخفاض في أسعار النفط وإيراداته.

إن اعتماد الدولة على النفط يعني استمرار سير العراق في طريق الانتقال وسيستمر طويلاً، مما يترتب عليه استمرار دور المالية العامة في تقديم الأولويات الاجتماعية ولكن بشكل متناقص بحكم انخفاض الإيرادات النفطية وتذبذبها من جانب وتنامي متطلبات المجتمع وتنوعها من جانب آخر.

ردم الفجوة

وفي حال استمرار تفاقم الفجوة ما بين هذين الجانبين ستصل المالية العامة وخلال مدة زمنية ليست ببعيدة إلى طريق مسدود ما لم يتم العمل من الآن فصاعداً على ردم الفجوة بين هذين الجانبين وذلك من خلال الآتي:

أولاً: محاربة الفساد وبناء بيئة أعمال جاذبة للاستثمار لا طاردة له، وذلك من خلال تبسيط الإجراءات اللازمة لقيام المشروع الاستثماري.

ثانياً: بناء قطاع خاص قوي وذلك من خلال مشاركة الدولة له في بداية الأمر حتى يستطيع أن يمارس نشاطه بشكل مستقل فتبدأ الدولة بالانسحاب وتبقى على مهمة الإشراف.

ثالثاً: تنويع الإيرادات المالية وزيادة حصيلتها، إذ إن تنويع الإيرادات المالية يضفي عنصر المتانة على المالية العامة لأنه إذا ما تم انخفاض أحد المصادر ستعوضه المصادر الأخرى.

رابعاً: زيادة ثقافة المجتمع باقتصاد السوق وأهميته وكيف يلعب الفرد دوراً كبيراً فيه وكيف ينعكس إيجابياً عليه حتى يستقبله ويتفاعل معه بشكل إيجابي، وذلك من خلال الإعلام والمدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والمنبر الديني وغيرها.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق