يُحدد طبيعة النظام الاقتصادي الذي تتبناه دولة ما لتسيير اقتصاد بلادها هو دور الدولة في الاقتصاد هل هو دور مباشر أم غير مباشر؟ بمعنى إن دور الدولة في الاقتصاد هو الكاشف عن طبيعة الاقتصاد إن كان اشتراكياً أم رأسمالياً.

فإذا ما كان دور الدولة مباشر هذا يعني إن الدولة هي من يدير دفة الاقتصاد بالكامل عبر التخطيط المركزي، بعيداً عن الأفراد وحريتهم في تسيير شؤونهم الاقتصادية بشكل حر وذاتي وفقاً لقوى السوق، مما يعني إن هذا الاقتصاد ذو طبيعة اشتراكية.

لكن إذا ما كان دور الدولة غير مباشر في الاقتصاد، فهذا يعني إن الدولة تفسح المجال أمام الأفراد لإدارة شؤونهم الاقتصادية بشكل ذاتي وحر عبر قوى السوق بعيداً عن تدخل الدولة إلا في المجالات التي تجعل شؤونهم الاقتصادية تسير بانسيابية، مما يعني إن هذا الاقتصاد ذو طبيعة رأسمالية.

بمعنى أخرى، إذا كانت الدولة هي من يملك وسائل الإنتاج وتقوم بالنشاط الاقتصادي والعمليات الاقتصادية الأخرى هذا يعني إن دور الدولة مباشر والاقتصاد ذو طبيعة اشتراكية لكن إذا ما كان الأفراد يمتلكون وسائل الإنتاج ويقوم بالنشاط الاقتصادي وبقية العمليات الاقتصادية الأخرى واقتصار الدولة على مجالات محدودة فهذا يعني دور الدولة غير مباشر وطبيعة الاقتصاد رأسمالية.

السؤال المطروح هو كيف تسهم الدولة في تحقيق التحول الاقتصادي؟

يعنى بالتحول الاقتصادي، التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية، أي قيام الأفراد بإدارة دفة الاقتصاد عبر قوى السوق بعد إن كانت الدولة هي من تديره عبر التخطيط المركزي، أي تخلي الدولة عن الاقتصاد لصالح الأفراد، ولا بد أن يكون هذا التحول وتخلي الدولة عن الاقتصاد بشكل مدروس لا عشوائي كما حصل في العراق لتجنب الافرازات السلبية.

يمكن أن تسهم الدولة في تحقيق التحول الاقتصادي عبر ثلاثة اتجاهات تكون مترابطة فيما بينها هي قيام الدولة بالوظائف التقليدية وأخرى، تحسين مناخ الأعمال، خصخصة الشركات العامة.

الاتجاه الأول: قيام الدولة بالوظائف التقليدية وأخرى

أي أن تعمل الدولة بشكل رئيس على تحقيق الأمن الداخلي والدفاع الخارجي وترسيخ العدالة، إذ إن تحقيق هذه العناصر يُعد حجر الأساس لأي صرح اقتصادي يراد تشييده. وإذا ما تعرضت أحد هذه العناصر للعطب سيكون حجر الأساس ضعيف لا يمكن تشييد الاقتصاد فوقه وإذا ما تم تشييده سينهار في أبسط اهتزاز يصيبه.

كما يمكن أن تقوم الدولة بوظائف أخرى كأن تقوم بالوساطة ما بين القطاع الخاص (أفراد ومؤسسات) والجهاز المصرفي، لتسهيل حركة نقل الأموال من المدخرين الذين لا يرغبون بإنشاء المشاريع إلى المستثمرين الذي يرغبون بإنشاء المشاريع ولكنهم يفتقدون للتمويل.

ولذا يمكن القول، إن إسهام الدولة في تحقيق الوظائف التقليدية والأخرى، سيسهم في قطع شوط كبير في تحقيق التحول الاقتصادي خصوصاً في ظل عدم إمكانية القطاع الخاص من أفراد وشركات القيام بهذه الوظائف لأسباب عديدة قد تكون فنية أو أخلاقية أو غيرها، فتكون من مهام الدولة حصراً.

الاتجاه الثاني: تحسين مناخ الأعمال

هناك علاقة وثيقة وطردية بين بيئة الأعمال والتحول الاقتصادي، فإذا ما كانت بيئة الأعمال جاذبة سيزداد إقبال الأفراد على تنفيذ مشاريعهم وكلما يزادا حجم الأفراد كلما يعني تحقيق التحول الاقتصادي بشكل أفضل والعكس صحيح، أي إذا ما كانت بيئة الأعمال طاردة سيحُجم الأفراد عن تنفيذ مشاريعهم وتقوم الدولة بتسيير المشاريع فيكون التحول الاقتصادي متعثراً.

ما السر وراء تأثير بيئة الأعمال في تحقيق التحول الاقتصادي؟ السر هو التكاليف والأرباح، إذ إن سهولة بيئة الأعمال تعني انخفاض تكاليف الإنتاج وزيادة الأرباح وهذا ما يشجع الأفراد على الاستثمار فيتحقق التحول الاقتصادي بشكل أسرع والعكس صحيح، أي أن تعقيد بيئة الأعمال يعني زيادة تكاليف الإنتاج وانخفاض الأرباح فيحجم الأفراد عن الاستثمار وهذا ما يعني تعثر التحول الاقتصادي.

الاتجاه الثالث: خصخصة الشركات العامة

في الغالب لا تسير الشركات العامة وفق المنطق الاقتصادي كما تسير الشركات الخاصة، ففي الوقت الذي تفكر الشركات الخاصة في تدنية التكاليف ورفع جودة منتجاتها لتكون أكثر تنافسية مع مثيلاتها المحلية والإقليمية والعالمية وتحقيق الأرباح أخيراً، تفكر الشركات العامة في توفير الوظائف وإذا ما أصبح لديها عجز في تمويل نفقاتها التشغيلية تعود لخزينة الدولة لتمويل ذلك العجز، مما يعني غياب أو ضعف الحافز الذاتي لتطويرها كما هو الحال في الشركات الخاصة.

من مساوئ الشركات العامة في البلدان النامية وخصوصاً في البلدان النفطية، هي البطالة المقنعة، حيث تقوم الدولة استجابة لضغط الجماهير بتوفير الوظائف في هذه الشركات دون أن تكون هناك حاجة ماسة لها، وزيادة أعباء المالية العامة، فبدل أن تقوم الشركات العامة برفد المالية العامة للدولة بالأموال تقوم المالية العامة بسداد عجز النفقات التشغيلية، وهذا ما يعني هدر الموارد بسبب الابتعاد عن المنطق الاقتصادي.

فقيام الدولة بخصخصة الشركات العامة يعني التخلص من البطالة المقنعة من جانب وتخفيف الأعباء المالية لمالية الدولة من جانب ثانٍ وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار وخلق فرص العمل وامتصاص البطالة من جانب ثالث.

وتجب الإشارة إلى إن الخصخصة لا يمكن تبنيها بشكل عشوائي ولابُد من الإعداد المسبق والمدروس لها لضمان تقليص الافرازات السلبية الناجمة عنها إلى أدنى حد وزيادة الفوائد المرجوة منها إلى أكبر قد ممكن.

وبعد إعداد ملف الخصخصة بشكل جيد وقبل تنفيذه لا بُد أن تسبقه حملة واسعة من شأنها تهيئة الرأي العام، عبر الإعلام وعقد المؤتمرات والندوات وغيرها؛ لاستقبال الخصخصة والتفاعل معها وكيفية التعامل معها واكتساب آثارها الايجابية وتجنب آثارها السلبية.

الخلاصة

إن قيام الدولة برسم خطة دقيقة ووفق مديات زمنية مختلفة لتطبيق هذه الاتجاهات الثلاثة ستكون النتيجة هي تحقيق التحول الاقتصادي والتخلص من المشاكل المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها الدولة والمجتمع معاً بسبب تعثر التحول الاقتصادي.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق