ان التغيرات التكنلوجية هزت حياة الناس بالصميم مع حلول الثورة الصناعية الرابعة التي حوّلت الاقتصاديات بشكل لم يسبق له مثيل. السرعة غير المسبوقة للتغيير، بالاضافة الى اتساع وعمق العديد من التغيرات الراديكالية التي اُطلق لها العنان بفعل الرقمية الجديدة، والروبوت، والتكنلوجيا الثلاثية الأبعاد، كان لها تأثيرات هائلة على ما ننتج ونعمل، وعلى كيفية وأين نعمل وحتى على الطريقة التي نحصل بها على رزقنا. وبينما يجري التحول بشكل مختلف في الدول المتقدمة والنامية، لكن لا بلد او سوق سينجو من موجة التغيير.

لكي نثمن التغييرات الحاصلة أمامنا، هناك مظهران توضيحيان مترابطان للاقتصاد هما النمو والانتاجية من جهة، والعمالة او الاستخدام من جهة اخرى. وكما يشير منتدى الاقتصاد العالمي في تقريره السنوي، ان الانتاجية هي العامل المقرر الأهم للنمو الطويل الأجل. مع ذلك، لاحظنا ان نمو الانتاجية في العالم أصابه الركود، خاصة منذ الكساد الكبير، وهو ما أثار السؤال عن قدرتنا على توفير مستويات معيشة مرتفعة لمواطني العالم. وبينما يكثر الجدل حول ما الذي يدفع الانتاجية نحو الركود، يبرز سؤال هام هو كيف ستقود الثورة الصناعية الرابعة الانتاجية في السنوات القادمة.

نظريا، تطبيق تكنلوجيات جديدة على المشاكل القائمة يجب ان يحسّن الفاعلية ومن ثم الانتاجية. الابتكارات التكنلوجية تميل لرفع انتاجية العمل عبر السماح لقوة العمل القائمة بعمل الكثير بموارد أقل، وذلك عبر استبدال العمال الموجودين بتكنلوجيا (مع سلبيات واضحة سنشير اليها لاحقا)، الامر الذي يبشّر ايضا بمنتجات جديدة وعمليات تفتح مصادر جديدة للنمو.

تكنلوجيا الألعاب ام تكنلوجيا طوباوية؟

لازال هناك المزيد من النقاش حول الحجم المحتمل للتأثير. فمن جهة، الخبراء مثل روبرت غوردن من جامعة الشمال الغربي يعتقد ان المساهمات الأكثر اهمية للثورة الرقمية قد حصلت سلفا، وان تأثير الثورة التكنلوجية الحالية على الانتاجية قد انتهى تقريبا. وهذا سيكون مزعجا حقا، خاصة في ضوء التباطؤ الاقتصادي الحالي. ومن جهة اخرى، "متفائلو التكنلوجيا" مثل ايرك شميدت، رئيس مجلس ادارة غوغل، يعتقد ان العالم وصل نقطة الانحراف وسوف يشهد فورا نموا أسرع وصعودا هائلا في الانتاجية.

هذه الرؤى المختلفة تحصل لأن تأثير التكنلوجيا يصعب قياسه. ورجوعا الى عام 1987، ذكر الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت سلو : "انت تستطيع رؤية عصر الكومبيوتر في كل مكان الاّ في احصائيات الانتاجية".

المشكلة مع موقع Airbnb والناتج المحلي الاجمالي

بصرف النظر عن التأثير الدقيق للقياسات التقليدية للانتاجية والنمو، فان عدم كفاية القياس هو مشكلة بحد ذاته. موقع Airbnb الخاص بتأجير المساكن والشقق السكنية يوفر بوضوح فاعلية ومكاسب انتاجية كبيرة. مع ذلك، العديد من منافع هذه الفعاليات الجديدة لم تُحتسب ضمن حسابات الناتج المحلي الاجمالي، بنفس الطريقة التي يتم تجاهل بها العمل المنزلي الخاص ورعاية الاطفال. بكلمة اخرى، نحن باستمرار ننتج ونستهلك قيمة اكثر مما تقيسه مؤشراتنا الاقتصادية. هذا يشير الى اننا نحتاج الى طريقة جديدة لقياس مخرجات الانتاجية، طالما لا نحسب بدقة القيمة التي اُنتجت للاقتصاد.

هذا يمكن رؤيته كجزء و كحزمة من نقاش لـ "ما وراء الناتج المحلي الاجمالي"، الذي يرى ان الناتج المحلي الاجمالي هو ببساطة ليس قياسا كافيا للتقدم الاجتماعي. سيكون مهما بالذات مراجعة النمو التقليدي لأرقام الانتاجية، لأن معظم هذه الانتاجية الجديدة سوف تُنجز بطريقة تجعل عالمنا اكثر قابلية للديمومة البيئية. في الحقيقة اننا في ظل ما يُرمز اليه بـ "الاقتصاد التشاركي" الجديد يكون فيه العمل من أجل افضل استعمال للمنتجات الموجودة بدلا من مجرد انتاج "مواد" اكثر، والتي مع انها جيدة لإحصائيات الناتج المحلي الاجمالي لكنها ليست جيدة للكوكب.

ماذا يحدث عندما تتحول الروبوتات الى ذوي ياقات بيضاء؟

مع ان النقاش حول الانتاجية والقياس يبقى نظريا نوعا ما، لكن الشيء الاكثر اهمية هو التأثير المحتمل على مكاسب العمالة والاستخدام. طوال العصور، استبدلت التكنلوجيا الجهد الانساني والذي مع انه جيد لنمو الانتاجية (كما ذكر اعلاه) والنمو الكلي، لكنه مدمر للعمال الذين يفقدون وظائفهم. هذا لم يعد يتعلق فقط بوظائف المصنع النمطية المتكررة، لأن الحوسبة الجديدة وتكنلوجيا الروبوت حاليا تهدد العديد من المهن التي بدت كأنها "منطقة آمنة" مثل المحاسبين وسائقي التاكسي والمساعدين القانونيين. ومع سرعة واتساع التغيرات التي انطلقت الآن، فمن الواضح ان التكنلوجيات الجديدة سوف تغير دراماتيكيا طبيعة العمل في جميع الصناعات والمهن. وعندما تحل الأتمتة محل قوة العمل في انتاج البضائع والخدمات الحالية، فان السؤال الاساسي هو كم من الوقت سيأخذ هذا والى أي مدى سيذهب. دراسة حديثة قدرت ان 47% من العمالة الكلية في الولايات المتحدة هي في خطر خلال العقد او العقدين القادمين.

كان من المألوف دائما ان الابتكارات التكنلوجية تحطم بعض الوظائف وتستبدلها بوظائف اخرى، في فعاليات مختلفة وربما في اماكن مختلفة. ومع تصاعد سرعة الابتكارات التكنلوجية، يمكن للمرء توقّع ان الفعاليات القليلة المهارة ستُستبدل بشكل تصاعدي بمهام تتطلب ابداعية وذكاء اجتماعي. ومع الفصل المتصاعد لوظائف السوق الى "وظائف قليلة المهارة وقليلة الأجر" و"عالية المهارة وعالية الأجر"، فان التوترات الاجتماعية ستزداد حتما.

نحن لاحظنا سلفا زيادة في اللامساواة ضمن مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وفي مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي وهو مؤشر للمدى الذي تكبح فيه هذه اللامساواة النمو والتنمية.

المدرسة، العمل، التقاعد، برنامج حوافز التقاعد RIP

بما ان الاضطراب سيكون كبيرا والتحول بين الوظائف الجديدة والقديمة سيأخذ وقتا، يبقى السؤال الرئيسي هو ماذا نعمل لتسريع المزيد من المحصلات الايجابية وانجاز أحسن ادارة لتلك الوظائف التي علقت في مرحلة التحول. في البيئة العاملة التي تتطور بسرعة، تصبح دائما المقدرة على توقّع متطلبات المستقبل من حيث المعرفة والمهارات الضرورية للتكيّف حاسمة. جميع أصحاب المصلحة في الشركات والحكومة والمجتمع والافراد يجب ان يعملوا مع بعضهم لتغيير التعليم وأنظمة التدريب التي يمكنها باستمرار إعادة المهارات وتعليم مهارات جديدة للعمال. النموذج التقليدي للمدرسة –العمل– التقاعد سوف لن يعمل كما ينبغي، خاصة عندما ندخل في عصر يكون فيه التخلي عن الوظائف أسرع من خلق وظائف جديدة.

هل الدول النامية تقفز الى الامام ام تُترك الى الخلف؟

من المهم التفكير في مايعنيه هذا للدول النامية. في ضوء العديد من المراحل السابقة للثورة الصناعية التي لم تصل بعد للعديد من مواطني العالم (الذين لازالوا ليس لديهم كهرباء او تراكتورات وغيرها)، فان الثورة الصناعية الرابعة تحدد اساسا طبيعة المتحول في الاقتصاديات المتقدمة (والى حد ما الدخل المتوسط).

في العقود الاخيرة، رغم ان هناك زيادة في اللامساواة ضمن الدول، لكن هذه اللامساواة عبر الدول انخفضت بشكل كبير عندما بدأت الدول النامية اللحاق. هل تخاطر هذه الدول في السير عكس مسيرة اللحاق مع تأثير ذلك بالنسبة للدخل والمهارات والبنية التحتية والتمويل؟ ام ان هذه التكنلوجيات والتغيرات السريعة ممكن إتقانها لغرض التنمية وتحقيق لحاق أسرع من خلال القفز السريع او حرق المراحل؟

الانسان الاقتصادي The homo economicus

من الصعب الاجابة على هذه الاسئلة لكنها سوف تتطلب تفكيرا هاما لأن الاقتصاديات المتقدمة تتعامل مع تحدياتها الخاصة. انها ليست فقط مهمة اخلاقيا لضمان ان مساحات من العالم لم تُترك في الخلف، بل انها تشكل مخاطرة للاستقرار العالمي من خلال سيناريوهات مثل اللامساواة العالمية، تدفق المهاجرين، وحتى علاقات جيوسياسية وأمن.

في النهاية، الدول النامية لديها أعظم فجوة للاغلاق، ولكن يمكنها ايضا الاستفادة من التعلّم من أخطاء الاقتصاديات المتقدمة، والقفز الى مزيد من المستقبل المزدهر المعزز تكنلوجيا. ان نجاح الانسان الاقتصادي في الغد بالتأكيد سوف يكون مختلفا عن اليوم، هو سوف يكون ذو ابداعية عالية ومتكيفة، سوف يمتلك عدة وظائف اثناء حياته، وسوف يكون غير منزعج ليمتلك او يسوق السيارة الى العمل ان كان لديه مكتب يذهب اليه. سوف يعيش في عالم يكون قد تغير بعمق بأربع ثورات صناعية.

اضف تعليق