بقلم: مايكل فيرانتينو/فيكي شيموتاي/ألين مولابديك/بريكليس سرجيوتس

هل يكفي السلام لاستعادة الازدهار في بلد أثقلت كاهله الهشاشة والصراع والعنف؟ فقد عانى العراق قرابة أربعين عاماً من الاضطرابات المستمرة، وبعد هزيمة داعش في عام 2017 أدرك العديد من العراقيين بأن الوضع الأمني يتحسن إلى الحد الذي قد يسمح بإستناف الحياة الطبيعية. ولكن ما أن حل تشرين الاول (اكتوبر) 2019، حتى جاءت الاحتجاجات الواسعة النطاق ضد الحكومة لتعكس استمرار معدلات البطالة العالية وضعف توفير الخدمات الحكومية الأساسية.

يؤكد التقرير الذي صدر مؤخراً عن البنك الدولي "النهوض من واقع الهشاشة: مذكرة اقتصادية حول النمو والتنويع في العراق" أهمية تنمية وتنويع التجارة لدعم النمو والازدهار الوطنيين. ومع ذلك، فإن عقود من الصراع تركت العراق في حالة فريدة فيما يتعلق بالتجارة والسياسة التجارية.

أولاً، يعتبر العراق من أقل الدول تنويعاً في الصادرات في العالم. في عام 2018، لم يكن سوى 4.1% فقط من صادرات العراق يشتمل على أي شيء آخر غير النفط الخام - وحيث انخفضت هذه النسبة عما كانت عليه عام 2004 عندما بلغت 8.5%. وأدى التخلي عن المزارع والمصانع خلال سنوات الصراع إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للعراق بشكل كبير. ونتيجة لذلك، فإن الحصة المشتركة للزراعة والتصنيع في الناتج المحلي الإجمالي للعراق انخفضت بنحو ثلاثة أرباع منذ أواخر الثمانينات. فما لايتم تصنيعه يتعذر تصديره.

ثانياً، يفرض العراق الكثير من اللوائح التنظيمية على الواردات. يتطلب استحصال ترخيص خاص لما يقدّر بثلاثة أرباع واردات العراق، فضلاً عن ترخيص أخر للحصول على العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد. وزارة التجارة العراقية هي الوحيدة في العالم المسؤولة عن توزيع الحصص التموينية على عامة السكان، وهذه ميراث يعود الى فترة العقوبات الدولية التي فرضت على العراق خلال التسعينيات وبرنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء الذي انتهى في عام 2003. وهناك عدد كبير من الشركات المملوكة للدولة تضطلع بتنظيم جوانب مختلفة من الاستيراد. ولكن النظام عرضة للفساد وسوء الاستخدام - إذ يمكن استخدام الطلبات المزيفة للاستيراد لتهريب النقد الأجنبي إلى خارج البلاد، مما يحد من المبالغ المتاحة للشركات المشروعة للحصول على المعدات المستوردة والسلع الوسيطة.

ثالثًا، في بعض المواقع تبدو حدود العراق صعبة التنقل والعبور ولكنها في مواقع أخرى مليئة بالثغرات. رغم إعادة فتح نقاط التفتيش الحدودية، فان التجار مازالوا يواجهون تأخيرات طويلة، ورسوم امتثال عالية، فضلاً عن عبء تقديم المستندات الورقية. الإجراءات غير متسقة وهناك نقص في التنسيق بين دوائر الامتثال الحدودي مما يسهم في زيادة التأخير.

وهناك انطباع أيضاً بأن الجمارك وغيرها من دوائر الامتثال الحدودية فاسدة وتفتقر إلى التدريب المهني. ويؤدي تدهور حالة الطرق العامة والسريعة إلى زيادة تكاليف النقل. في الوقت نفسه، هناك بضائع تعبر الحدود بشكل غير رسمي في بعض المواقع، لا سيما على الحدود الطويلة مع إيران، حيث يكون الحافز عالياً للتجارة غير الشفافة لتجنب العقوبات.

ومما يزيد الوضع تعقيداً على الحدود، أن يحتفظ العراق بحكم الواقع بنظامين جمركيين، أحدهما في اقليم كردستان والآخر يغطي بقية البلاد. وتختلف جداول التعريفة والإجراءات الحدودية بين المنطقتين. وقد بلغ الأمر أن تكون هناك نقاط تفتيش داخلية على الطرق السريعة مما أدى إلى تثبيط حركة الشاحنات بين المنطقتين.

ومع ذلك، هنالك العديد من التدابير التي يمكن اتخاذها لخفض تكاليف التجارة ودعم تنويع الصادرات:

أولاً، يمكن للحفاظ على السلام والاستقرار أن يسهم بشكل كبير في تحقيق تنويع الصادرات. لدى العراق قائمة طويلة من الصادرات القديمة التي مازال الاقتصاد يحتفظ بالخبرة اللازمة لتصنيعها. وتشتمل المنتجات التي دأب العراق على تصديرها في الماضي على الرز، والفواكه المجففة، والمصابيح الكهربائية، ونواتج قطران الفحم، والحجر المسحوق، والصوف، والجلود وجلود الحيوانات، والمنتجات النحاسية، والمواد الكيميائية المبلمرة، والشاحنات، وأجزاء السيارات، من بين أصناف أخرى.

ومن المرجح أن يظهر البعض من هذه المنتجات مرة أخرى كنتيجة لتحسن الوضع الأمني وشفافية الحكومة. وكما أشار الاقتصادي الفرنسي فريديريك باستيا في القرن التاسع عشر "عندما لا تعبر البضائع الحدود، فإن الجيوش ستفعل ذلك". ولذلك فإن من الطبيعي أن يؤدي انخفاض الصراعات إلى زيادة الإنتاجية للتصدير. وعلاوة على ذلك، من المرجح أيضاً أن يؤدي خفض تكاليف التجارة على الحدود إلى دعم تنويع الصادرات.

ثانياً، يجب تحديث الجمارك العراقية لتعزيز نزاهة الخدمة والمهنية. يجب تبني الممارسات المثلى في سياسات تيسير التجارة من خلال اتباع نهج الحكومة الواحدة وتنسيق ومواءمة السياسات بين جميع دوائر التفتيش على الحدود. وبالإضافة إلى الحاجة الواضحة لتحسين مرافق إدارة الحدود، يجب تبسيط ورقمنة عمليات الإجراءات التجارية من خلال الاستخدام المناسب لتكنولوجيا التجارة. ويمكن للتقنيات الحديثة لإدارة المخاطر أن تجعل عمليات تفتيش البضائع أكثر انتقائية وتسرّع التجارة على الحدود. وتمثل الجهود الأخيرة التي بذلتها الحكومة لإعادة بسط سيطرة الدولة على المعابر الحدودية، وتقليص دور المجموعات المسلحة علامة واعدة.

ثالثًا، يجب أن يواصل العراق محاولته التي عاود الاقدام عليها مؤخراً للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO). تتطلب عملية الانضمام مشاركة مستدامة من جميع الجهات الفاعلة المحلية، ومنصة تعاون حقيقية بين الوزارات والقطاع الخاص. ويشتمل ذلك على إعادة توحيد المنطقة الجمركية والمشاركة العادلة في الإيرادات، فضلاً عن زيادة الشفافية في إجراءات إدارة الاستيراد. ويمكن أن يسهم التعاون مع مجموعة العمل التابعة لمنظمة التجارة العالمية في الاطلاع على وجهات نظر شركاء العراق التجاريين لأنهم هم الذين يواجهون هذه المشاكل.

وعلاوة على ذلك، فإن استخدام مبادئ اتفاقية تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية كنموذج يمكن أن يسهم في اجتذاب الموارد والدعم الفني لمسعى العراق نحو تحديث إجراءاته الحدودية، وذلك حتى قبل الحصول على العضوية الرسمية في منظمة التجارة العالمية.

* مايكل فيرانتينو، خبير اقتصادي اقدم لسياسة التجارة في ممارسات الاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار العالمية بالبنك الدولي
فيكي شيموتاي، مستشارة مع وحدة التجارة والتكامل الإقليمي، MTI
ألين مولابديك، خبير اقتصادي في الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار بالبنك الدولي
بريكليس سرجيوتس، أخصائي اقدم في القطاع الخاص يعمل في وحدة التجارة العالمية والتكامل الإقليمي التابعة لمجموعة البنك الدولي

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2