بقلم: ماريانا مازوكاتو (Mariana Mazzucato)
الناشر: دوريةForeign Affairs / واشنطن.
ترجمة: د. حسين احمد السرحان/مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

بعد الازمة المالية في عام 2008، ضخت الحكومات حول العالم أكثر من 3 تريليونات دولار في النظام المالي. وكان الهدف هو عدم تجمد اسواق الائتمان واعادة الاقتصاد العالمي للعمل مرة اخرى. ولكن بدلا من دعم الاقتصاد الحقيقي – الجزء المرتبط بإنتاج السلع والخدمات الفعلية – انتهى اغلب الدعم في القطاع المالي. أنقذت الحكومات البنوك الاستثمارية الكبرى التي ساهمت بشكل مباشر في الأزمة، وعندما عاد الاقتصاد إلى العمل مرة أخرى، حصدت تلك البنوك والشركات ثمار الانتعاش. اما دافعوا الضرائب، فقد تُركوا مع اقتصاد عالمي محطم وغير متكافئ وكثيف الكربون كما كان من قبل. "لا تدع أزمة جيدة تذهب سدى"، هذا ما تقوله مقولة شائعة في صنع السياسات. لكن ذلك ما حدث بالضبط.

الآن، نظرًا لأن البلدان تعاني من جائحة COVID-19 وعمليات الاغلاق الناتجة عنها، يجب عليها تجنب ارتكاب نفس الخطأ. في الأشهر التي تلت ظهور الفيروس لأول مرة، تدخلت الحكومات لمعالجة الأزمات الاقتصادية والصحية المصاحبة لها، وطرحت حُزم تحفيز لحماية الوظائف، وإصدار قواعد للحد من انتشار المرض، والاستثمار في البحث وتطوير العلاجات واللقاحات. وجهود الإنقاذ هذه ضرورية، لكن لا يكفي أن تتدخل الحكومات ببساطة باعتبارها الملاذ الأخير عندما تفشل الأسواق أو تحدث الأزمات.

يجب على الحكومات ايضا تشكيل الأسواق بنشاط بحيث تقدم تلك الاسواق نوعًا من النتائج طويلة الأجل التي تفيد الجميع. أضاع العالم فرصة القيام بذلك في عام 2008، لكن القدر منحهُ فرصة أخرى. ومع خروج البلدان من الأزمة الحالية، يمكنها أن تفعل أكثر من تحفيز النمو الاقتصادي؛ اذ يمكن للبلدان توجيه هذا النمو نحو بناء اقتصاد أفضل. وبدلاً من تقديم المساعدة بدون شروط الى الشركات، يمكن للحكومات ربط عمليات الإنقاذ الخاصة بالشركات بسياسات تحمي المصلحة العامة وتعالج المشكلات المجتمعية. اذ يمكنهم أن يطلبوا ان تكون لقاحات COVID-19 التي تتلقى دعمًا عامًا، لتكون في متناول الجميع. على سبيل المثال، يمكن للحكومات رفض إنقاذ الشركات التي لن تحد من انبعاثات الكربون أو لن تتوقف عن إخفاء أرباحها في الملاذات الضريبية.

لمدة طويلة جدًا، كان لدى الحكومات مخاطر اجتماعية بسبب الازمات الاقتصادية ولكنها لها مكافآت لتجاوز تلك الازمات (حزم انقاذ) ولكن فوائد عمليات الانقاذ هذه قد تراكمت الى حد كبير لدى الشركات ومستثمريها. في أوقات الحاجة (الازمات)، تسارع العديد من الشركات الى طلب المساعدة الحكومية، ولكن في الأوقات الجيدة، تطالب الحكومة بالتنحي. تقدم أزمة COVID-19 فرصة لتصحيح هذا الخلل من خلال أسلوب جديد لعقد الصفقات يجبر الشركات التي تم إنقاذها على العمل بشكل أكبر في المصلحة العامة ويسمح لدافعي الضرائب بالمشاركة في فوائد النجاحات التي تُنسب تقليديًا الى القطاع الخاص وحده. ولكن إذا ركزت الحكومات بدلاً من ذلك فقط على إنهاء الألم الفوري، دون إعادة كتابة قواعد اللعبة، فلن يكون النمو الاقتصادي الذي يلي الأزمة شاملاً ولا مستدامًا. كما أنها لن تخدم الشركات المهتمة بفرص النمو على المدى الطويل. سيكون التدخل ضياعًا، والفرصة الضائعة لن تؤدي إلا الى تأجيج أزمة جديدة.

التعفن في النظام

كانت الاقتصادات المتقدمة تعاني من عيوب هيكلية كبيرة قبل وقت طويل من إصابة COVID-19. لسبب واحد وهو ان التمويل هو تمويل نفسه، وبالتالي تآكل أساس النمو طويل الأجل. ويُعاد استثمار معظم أرباح القطاع المالي في التمويل -البنوك وشركات التأمين والعقارات- بدلاً من توجيهها نحو الاستخدامات الإنتاجية مثل البنية التحتية أو الابتكار. فمثلا 10% من القروض البنكية البريطانية تذهب للشركات غير المالية، بينما تذهب النسبة المتبقية الى العقارات والاصول المالية. في الاقتصادات المتقدمة، شكل الإقراض العقاري حوالي 35 في المائة من إجمالي الإقراض المصرفي في عام 1970؛ وبحلول عام 2007، ارتفعت الى حوالي 60 في المائة. وبالتالي، فإن الهيكل المالي الحالي يغذي نظامًا تحركه الديون وفقاعات مضاربة، والتي عندما تنفجر، تدفع البنوك وغيرها إلى التوسل بالحكومة لإنقاذها.

المشكلة الاخرى، هي أن العديد من الشركات الكبيرة تهمل الاستثمارات طويلة الأجل للحصول على مكاسب قصيرة الأجل. وبسبب هوس او التخوف من العوائد الفصلية وأسعار الأسهم، قام الرؤساء التنفيذيون ومجالس إدارة الشركات بمكافأة المساهمين من خلال إعادة شراء الأسهم، وزيادة قيمة الأسهم المتبقية، وبالتالي زيادة خيارات الأسهم التي تشكل جزءًا من معظم حزم مدفوعات الموظفين التنفيذيين. في العقد الماضي، اعادت 500 شركة مقتدرة ماليا شراء ما قيمته أكثر من 3 تريليونات دولار من أسهمها. وتأتي عمليات إعادة الشراء هذه على حساب الاستثمار في الأجور، وتدريب العمال، والبحث والتطوير.

ثم هناك تفريغ لقدرات الحكومة. فالحكومات عادة تتدخل بعد فشل صريح في السوق، وتكون السياسات التي تطرحها قليلة جدًا ومتأخرة جدًا. عندما لا يُنظر الى الدولة على أنها شريك في خلق القيمة وأنها مجرد عنصر تصحيح للسوق، فأن الموارد الممنوحة للقطاع العام تكون محدودة. ولذلك تعاني البرامج الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية من نقص التمويل.

وقد أضيفت هذه الإخفاقات الى الأزمات الضخمة، الاقتصادية والكوكبية كالمناخ وغيرها. نتجت الأزمة المالية إلى حد كبير عن التدفق المفرط للائتمان إلى القطاع العقاري والقطاع المالي، مما أدى الى تضخم فقاعات الأصول وديون الأسر بدلاً من دعم الاقتصاد الحقيقي وتحقيق نمو مستدام. وفي الوقت نفسه، أدى الافتقار الى الاستثمارات طويلة الأجل في الطاقة الخضراء الى تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري، لدرجة أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة حذرت من أن العالم أمامه عشر سنوات (اي 2030) فقط لتجنب آثاره التي لا رجعة فيها.

ومع ذلك، تدعم حكومة الولايات المتحدة شركات الوقود الأحفوري بما يصل الى 20 مليار دولار سنويًا الى حد كبير من خلال الإعفاءات الضريبية التفضيلية. ويبلغ إجمالي دعم الاتحاد الأوروبي حوالي 65 مليار دولار سنويًا. في أحسن الأحوال، يحاول صانعو السياسات التعامل مع تغير المناخ من خلال الحوافز، مثل تخفيض ضرائب الكاربون والشركات التي تعتبر استثماراتها خضراء. وغير ذلك، توقف صناع السياسات عن إصدار اللوائح الإلزامية المطلوبة لتجنب الكارثة بحلول عام 2030.

ادت ازمة كوفيد-19 الى تفاقم كل هذه المشاكل. في الوقت الحالي، اذ يتركز اهتمام العالم على تجاوز الأزمة الصحية المباشرة، وليس على منع أزمة المناخ القادمة أو الأزمة المالية المقبلة. وأدت عمليات الحظر الى الحاق الضرر بالأشخاص الذين يعملون في اقتصاد الوظائف المؤقتة المحفوف بالمخاطر. اذ يفتقر الكثير منهم الى المدخرات ويفتقرون الى مزايا صاحب العمل -أي الرعاية الصحية والإجازة المرضية- اللازمة للتغلب على الازمة. كما ان ديون الشركات، والتي هي سبب رئيس للأزمة المالية السابقة، آخذة في الارتفاع مع حصول الشركات على قروض جديدة ضخمة لمواجهة انهيار الطلب. كما أن هوس العديد من الشركات بإرضاء المصالح قصيرة الأجل لمساهميها قد تركها بلا استراتيجية طويلة وفق رؤية واضحة للازمة الحالية.

كما كشف الوباء عن مدى عدم توازن العلاقة بين القطاعين العام والخاص. في الولايات المتحدة، تستثمر المعاهد الوطنية للصحة (NIH) حوالي 40 مليار دولار سنويًا في البحوث الطبية وكانت ممولًا رئيسيًا للبحث والتطوير في علاجات ولقاحات COVID-19. لكن شركات الأدوية ليست ملزمة بجعل المنتجات النهائية في متناول الأمريكيين، وأموالهم الضريبية تدعم هذه الشركات في المقام الأول. وطورت شركة Gilead ومقرها كاليفورنيا دواء COVID-19 الخاص بها، وهو remdesivir، بدعم 70.5 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية. في حزيران الماضي، أعلنت الشركة السعر الذي ستفرضه على الأمريكيين مقابل دورة علاجية هو: 3120 دولارًا.

وكانت خطوة نموذجية لشركة Big Pharma. اذ نظرت إحدى الدراسات في 210 عقاقير تمت الموافقة عليها من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في المدة من 2010 الى 2016 ووجدت أن "تمويل المعاهد الوطنية للصحة ساهم في كل دواء". ومع ذلك، فإن أسعار الأدوية في الولايات المتحدة هي الأعلى في العالم. وتعمل شركات الأدوية أيضًا ضد المصلحة العامة من خلال إساءة استخدام عملية براءات الاختراع. ولدرء المنافسة، يقدمون براءات اختراع واسعة جدًا ويصعب ترخيصها. وبعضها مصدر مهم للغاية في عملية التطوير، مما يسمح للشركات بخصخصة ليس فقط ثمار البحث بل الأدوات نفسها للوصول الى تلك النتائج او الثمار.

تم عقد صفقات سيئة بنفس القدر مع Big Tech (هي أكبر الشركات وأكثرها سيطرة في صناعة تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة، وخاصة Amazon و Apple و Alphabet و Facebook ومايكروسوفت). من نواحٍ عديدة، يعد وادي السيليكون نتاجًا لاستثمارات الحكومة الأمريكية في تطوير تقنيات عالية المخاطر. قامت مؤسسة العلوم الوطنية بتمويل البحث وراء خوارزمية البحث التي جعلت Google مشهورة. فعلت البحرية الأمريكية الشيء نفسه بالنسبة لتقنية GPS التي تعتمد عليها أوبر. ودعمت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، وهي جزء من البنتاغون، تطوير الإنترنت وتكنولوجيا الشاشة التي تعمل باللمس وسيري وكل مكون رئيس آخر في iPhone.

وخاطر دافعو الضرائب عندما استثمروا في هذه التقنيات، ومع ذلك فإن معظم شركات التكنولوجيا التي استفادت من عدم دفع نصيبها العادل من الضرائب، وفوق ذلك لديهم الجرأة لمحاربة اللوائح التي من شأنها حماية حقوق الخصوصية للجمهور. وعلى الرغم من أن الكثيرين أشاروا الى قوة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى التي يتم تطويرها في وادي السيليكون، فإن نظرة فاحصة تظهر أنه في هذه الحالات أيضًا، ارست الاستثمارات العامة عالية المخاطر هذه الأسس. وبدون اتخاذ إجراءات حكومية، يمكن أن تتدفق المكاسب من هذه الاستثمارات مرة أخرى الى حد كبير الى أيدي القطاع الخاص. وتحتاج التكنولوجيا الممولة من القطاع العام الى أن تحكمها الدولة بشكل أفضل -وفي بعض الحالات مملوكة للدولة- من أجل ضمان استفادة الجمهور من استثماراته الخاصة. فالإغلاق الجماعي للمدارس أثناء الوباء، اظهر عدم قدرة بعض الطلاب الوصول الى التكنولوجيا اللازمة للتعليم في المنزل، وهو تفاوت لا يؤدي إلا الى تفاقم عدم المساواة.، اذ يجب أن يكون الوصول إلى الإنترنت حقًا وليس امتيازًا.

اعادة التفكير بمفهوم القيمة

كل هذا يشير الى أن العلاقة بين القطاعين العام والخاص مقطوعة. ويتطلب إصلاحها أولاً معالجة مشكلة أساسية في الاقتصاد: لقد أخطأ من في حقل الاقتصاد في مفهوم القيمة. ويفهم الاقتصاديون المعاصرون القيمة على أنها قابلة للتبادل مع السعر (قيمة تبادلية). وقد يكون هذا الرأي لعنة بالنسبة للمنظرين الأوائل مثل فرانسوا كيسناي وآدم سميث وكارل ماركس، الذين رأوا أن المنتجات لها قيمة جوهرية تتعلق بديناميكيات الإنتاج، وهي قيمة لم تكن مرتبطة بالضرورة بسعرها.

وللمفهوم المعاصر للقيمة آثار هائلة على طريقة هيكلة الاقتصادات. إنه يؤثر على كيفية إدارة المؤسسات، وكيفية حساب الأنشطة، وكيفية تحديد أولويات القطاعات، وكيفية النظر الى الحكومة، وكيفية قياس الثروة الوطنية. قيمة التعليم العام، على سبيل المثال، لا تظهر في الناتج المحلي الإجمالي للبلد لأنها مجانية - ولكن تكلفة رواتب المعلمين تظهر. من الطبيعي إذن أن يتحدث الكثير من الناس عن "الإنفاق" العام بدلاً من "الاستثمار" العام.

ويفسر هذا المنطق أيضًا سبب استطاعة الرئيس التنفيذي لشركة Goldman Sachs، لويد بلانكفاين، أن يدعي في عام 2009، بعد عام واحد فقط من حصول شركته على خطة إنقاذ بقيمة 10 مليارات دولار، أن عمالها كانوا "من بين الأكثر إنتاجية في العالم". بعد كل شيء، إذا كانت القيمة هي السعر، وإذا كان دخل Goldman Sachs لكل موظف هو من بين الأعلى في العالم، فبالطبع يجب أن يكون عمالها من بين الأكثر إنتاجية في العالم.

يتطلب تغيير الوضع الراهن الخروج بإجابة جديدة لسؤال ما هي القيمة؟ هنا، من الضروري التعرف على الاستثمارات والإبداع الذي توفره مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة عبر الاقتصاد - ليس فقط الشركات ولكن أيضًا العمال والمؤسسات العامة. لمدة طويلة، كان الناس يتصرفون كما لو كان القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للابتكار وخلق القيمة، وبالتالي يحق لهم الحصول على الأرباح الناتجة.

ولكن هذا ببساطة ليس صحيحا. فالأدوية الصيدلانية والإنترنت وتكنولوجيا النانو والطاقة النووية والطاقة المتجددة - تم تطويرها جميعًا بكمية هائلة من الاستثمار الحكومي والمخاطرة، وجهد كبير لعدد لا يحصى من العمال، وبفضل البنية التحتية والمؤسسات العامة. ان تقدير مساهمة هذا الجهد الجماعي سيجعل من الأسهل ضمان حصول جميع الجهود على أجر مناسب وتوزيع المكافآت الاقتصادية للابتكار بشكل أكثر إنصافًا. الطريق الى شراكة أكثر تكافلاً بين المؤسسات العامة والخاصة يبدأ بالاعتراف بأن القيمة يتم إنشائها بشكل جماعي.

عمليات الإنقاذ السيئة

إلى جانب إعادة التفكير في القيمة، تحتاج المجتمعات الى إعطاء الأولوية للمصالح طويلة الأجل لأصحاب المصلحة بدلاً من المصالح قصيرة الأجل للمساهمين. في الأزمة الحالية، يجب أن يعني ذلك تطوير "لقاح للناس" لـ COVID-19، لقاح يمكن للجميع على كوكب الارض الوصول إليه. ويجب التحكم بعملية ابتكار الأدوية بطريقة تعزز التعاون والتضامن بين البلدان، خلال مرحلة البحث والتطوير وعندما يحين وقت توزيع اللقاح. يجب تجميع براءات الاختراع بين الجامعات والمختبرات الحكومية والشركات الخاصة، مما يسمح للمعرفة والبيانات والتكنولوجيا بالتدفق بحرية حول العالم. وبدون هذه الخطوات، سيصبح لقاح COVID-19 منتجًا باهظ الثمن يتم بيعه من قبل المحتكرين، وسيكون سلعة فاخرة لا يستطيع تحملها سوى أغنى البلدان والمواطنين.

بشكل عام، يجب على البلدان أيضًا هيكلة الاستثمارات العامة بشكل أقل شبهاً بالمنشآت وأكثر شبهاً بمحاولات تشكيل السوق لصالح الجمهور، مما يعني ربط الخيوط بالمساعدة الحكومية. خلال الجائحة، يجب أن تعزز هذه الظروف ثلاثة أهداف معينة:

أولاً، الحفاظ على فرص العمل لحماية إنتاجية الشركات وتأمين دخل الأسر.

ثانيًا، تحسين ظروف العمل من خلال توفير السلامة المناسبة، والأجور اللائقة، ومستويات كافية من الأجر المرضي، ودور أكبر في صنع القرار.

ثالثًا، تحفيز المهام طويلة الأجل مثل تقليل انبعاثات الكربون وتطبيق فوائد الرقمنة على الخدمات العامة، من النقل الى الصحة. وتوضح استجابة الولايات المتحدة الرئيسة لـ COVID-19 - قانون CARES (المساعدة المالية للمتأثرين وظائفهم بسبب فيروسات كورونا، وعمليات الإغاثة، والأمن الاقتصادي)، الذي أقره الكونجرس في اذار/ 2020، هذه الاهداف الثلاثة في الاتجاه المعاكس. وبدلاً من توفير دعم فعال لجداول للرواتب (كشوفات الرواتب)، كما فعلت معظم الدول المتقدمة الأخرى، عرضت الولايات المتحدة إعانات بطالة مؤقتة. وأدى هذا الاجراء الى تسريح أكثر من 30 مليون عامل، مما جعل الولايات المتحدة لديها واحد من أعلى معدلات البطالة المرتبطة بالوباء في العالم المتقدم. ونظرًا لأن الحكومة قدمت تريليونات الدولارات في شكل دعم مباشر وغير مباشر للشركات الكبيرة دون شروط ذات مجدية، فقد كان للعديد من الشركات الحرية في اتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تنشر الفيروس، مثل حرمان موظفيها من الإجازات المرضية وتشغيل أماكن عمل غير آمنة.

أنشأ قانون CARES أيضًا برنامج حماية الرواتب، والذي بموجبه تلقت الشركات قروضًا يتم إعفاؤها إذا ما ثبُت ان تلك الشركات احتفظت بالموظفين من خلال كشوف الرواتب. ولكن انتهى أمر الشراكة بين القطاعين العام والخاص من كونها وسيلة فعالة لتوفير الوظائف. يمكن لأي شركة صغيرة، وليس فقط المحتاجين، الحصول على قرض، وسرعان ما خفف الكونجرس القواعد المتعلقة بمقدار المنحة للشركة التي تحتاج إلى إنفاقها على كشوف المرتبات للإعفاء من القرض. ونتيجة لذلك، انتج البرنامج انخفاضًا طفيفًا مثيرًا للشفقة في معدل البطالة.

وخلص فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص قدمت قروضًا بقيمة 500 مليار دولار، لكنها وفرت 2.3 مليون وظيفة فقط على مدار ستة أشهر تقريبًا. بافتراض أن معظم القروض قد تم إعفاؤها في النهاية، فإن التكلفة السنوية للبرنامج تصل إلى ما يقرب من 500000 دولار لكل وظيفة. خلال الصيف، نفدت القوة الشرائية وإعانات البطالة الموسعة، ولا يزال معدل البطالة في الولايات المتحدة يتجاوز عشرة بالمائة.

سمح الكونجرس حتى الآن بإنفاق أكثر من 3 تريليونات دولار استجابة للوباء، وضخ الاحتياطي الفيدرالي نحو 4 تريليونات دولار إضافية في الاقتصاد - بإجمالي أكثر من 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الاميركية. ومع ذلك، فإن هذه النفقات الضخمة لم تحقق شيئًا في معالجة القضايا العاجلة طويلة الأجل، من تغير المناخ إلى عدم المساواة. عندما اقترحت السناتور إليزابيث وارن، الديموقراطية عن ولاية ماساتشوستس، ربط شروط الإنقاذ بمنع السلوكيات السيئة مثل تقييد توزيعات الأرباح، واستغلال المنح في إعادة شراء الأسهم، والمكافآت التنفيذية في غير وقتها وبدون مناسبة والاتجاه نحو ضمان زيادة الأجور وزيادة سلطة اتخاذ القرار للعمال، لم تتمكن من الحصول على الأصوات.

كان الهدف من تدخل الحكومة هو منع انهيار سوق العمل والحفاظ على الشركات كمنظمات منتجة - بشكل أساسي للعمل لتكون تلك الشركات جهة تأمين ضد مخاطر كارثية متوقعة. لكن لا يمكن السماح لهذا النهج بإفقار الحكومة، ولا ينبغي السماح للأموال بتمويل استراتيجيات الأعمال المدمرة. في حالة الإفلاس، قد تفكر الحكومة في المطالبة بحصص في أسهم الشركات التي تنقذها، كما حدث في عام 2008 عندما استحوذت وزارة الخزانة الأمريكية على حصص ملكية في جنرال موتورز وغيرها من الشركات المتعثرة.

وكذلك عند إنقاذ الشركات، يجب على الحكومة أن تفرض شروطًا تحظر جميع أنواع السلوك السيئ: كتوزيع مكافآت الرئيس التنفيذي في وقت غير مناسب، وإصدار أرباح زائدة، واستغلال المنح في عمليات إعادة شراء الأسهم، وتحمل ديون غير ضرورية، وتحويل الأرباح إلى ملاذات ضريبية، والانخراط في ضغط سياسي إشكالي. ويجب على الحكومة أيضًا منع الشركات من التلاعب في الأسعار، خاصة في حالة علاجات ولقاحات COVID-19.

في حين اظهرت دول اخرى كيف تبدو الاستجابة المناسبة للأزمة. عندما عرضت الدنمارك، على سبيل المثال، دفع 75 في المائة من تكاليف رواتب الشركات في بداية الوباء، فعلت ذلك بشرط ألا تتمكن الشركات من تسريح العمال لأسباب اقتصادية. كما رفضت الحكومة الدنماركية إنقاذ الشركات التي تم تسجيلها في الملاذات الضريبية ومنعت استخدام أموال الإغاثة لتوزيع الأرباح للمسؤولين التنفيذيين وإعادة شراء الأسهم. في النمسا وفرنسا، تم إنقاذ شركات الطيران بشرط أن تقلل من انبعاثات الكربون.

على النقيض من ذلك، منحت الحكومة البريطانية شركة الطيران EasyJet قدرة للوصول الى أكثر من 750 مليون دولار من السيولة في نيسان الماضي، على الرغم من أن شركة الطيران قد دفعت ما يقرب من 230 مليون دولار من الأرباح للمساهمين في الشهر السابق. رفضت المملكة المتحدة إرفاق شروط بإنقاذها لشركة الطيران EasyJet وغيرها من الشركات المتعثرة باسم حيادية السوق، والفكرة القائلة بأنه ليس من مسؤولية الحكومة إخبار الشركات الخاصة بكيفية إنفاق أموالها.

لكن خطة الإنقاذ لا يمكن أبدًا أن تكون محايدة: بحكم التعريف، تتضمن خطة الإنقاذ اختيار الحكومة لتجنيب شركة، وليس أخرى، من كارثة. بدون شروط، تتعرض المساعدة الحكومية لخطر دعم الممارسات التجارية السيئة، من نماذج الأعمال غير المستدامة بيئيًا إلى استخدام الملاذات الضريبية. إن مخطط الإجازة عن العمل في المملكة المتحدة، حيث تدفع الحكومة بموجبه ما يصل إلى 80 في المائة من أجور الموظفين الذين تم إجازتهم، كان يجب أن يكون مشروطًا على أقل تقدير بعدم طرد العمال بمجرد انتهاء البرنامج. لكنها لم تكن كذلك.

عقلية الرأسمالي المغامرة

لا يمكن للدولة أن تستثمر فحسب، بل يجب أن تعقد الصفقات الصحيحة. وللقيام بذلك، يجب أن تبدأ في التفكير بما أسميته "دولة ريادة الأعمال" - والتأكد من انها كالمستثمرين، وان لا تقتصر على السخرية من الجوانب السلبية في الاستثمارات او الصفقات فحسب، بل تحصل أيضًا على نصيب من الزيادة في الاعمال. وتتمثل إحدى طرق القيام بذلك في الحصول على حصة في الصفقات التي تجريها. على سبيل المثال شركة الطاقة الشمسية Solyndra، التي حصلت على قرض مضمون بقيمة 535 مليون دولار من وزارة الطاقة الأمريكية قبل إفلاسها في عام 2011 وأصبحت مثالًا لعدم قدرة الحكومة على اختيار الشركات الرابحة.

وفي نفس الوقت تقريبًا، منحت وزارة الطاقة قرضًا مضمونًا بقيمة 465 مليون دولار لشركة Tesla، والتي شهدت نموًا هائلاً. دفع دافعو الضرائب مقابل فشل Solyndra، لكنهم لم يكافؤوا أبدًا على نجاح Tesla. لن يقوم أي صاحب رأسمال مغامر يحترم نفسه بهيكلة استثمارات من هذا القبيل. والأسوأ من ذلك، أن وزارة الطاقة نظمت قرض شركة Tesla بحيث تحصل على ثلاثة ملايين سهم في الشركة إذا لم تتمكن الشركة من سداد القرض، وهو ترتيب مصمم لعدم ترك دافعي الضرائب خالين الوفاض. لكن لماذا تريد الحكومة حصة في شركة فاشلة؟ كانت الإستراتيجية الأكثر ذكاءً هي القيام بالعكس ومطالبة Tesla بدفع ثلاثة ملايين سهم إذا كانت قادرة على سداد القرض. لو فعلت الحكومة ذلك، لكانت قد ربحت عشرات المليارات من الدولارات مع نمو سعر سهم شركة Tesla على مدار فترة القرض - الأموال التي كان من الممكن أن تغطي تكلفة فشل شركة Solyndra مع بقاء الكثير من الاموال لجولة تالية من الاستثمارات.

النقطة المهمة هي ان القلق ليس فقط بشأن العائد المالي للاستثمارات العامة. وعلى الحكومة أيضًا أن تضع شروطاً قوية لاتفاقاتها مع الشركات لضمان أنها تخدم المصلحة العامة. كما يجب تسعير الأدوية التي تم تطويرها بمساعدة الحكومة لأخذ هذا الاستثمار في الاعتبار، وأن تكون براءات الاختراع التي تصدرها الحكومة ضيقة وقابلة للترخيص بسهولة، وذلك لتعزيز الابتكار وتعزيز روح المبادرة وتثبيط السعي وراء الريع.

تحتاج الحكومات أيضًا إلى النظر في كيفية استخدام عوائد استثماراتها لضمان توزيع أكثر إنصافًا للدخل. هذا لا يرتبط بالأفكار الاشتراكية، بل يتعلق الأمر بفهم مصدر الأرباح الرأسمالية. اذ أدت الأزمة الحالية الى تجدد المناقشات حول الدخل الأساسي الشامل، حيث يتلقى جميع المواطنين رواتب منتظمة متساوية من الحكومة، بغض النظر عما إذا كانوا يعملون أم لا. الفكرة من وراء هذه السياسة فكرة جيدة لأن الدخل الأساسي الشامل يُنظر إليه على أنه صدقة، وانه يديم الفكرة الخاطئة القائلة بأن القطاع الخاص هو الخالق الوحيد للثروة في الاقتصاد، وليس المشارك في تكوينها، وأن القطاع العام هو مجرد جامع للرسوم، يستحوذ على الأرباح ويوزع الصدقات.

البديل الأفضل هو عائد المواطن. بموجب هذه السياسة، تأخذ الحكومة نسبة مئوية من الثروة الناتجة عن الاستثمارات الحكومية، وتضع هذه الأموال في صندوق، ثم تشارك العائدات مع الناس. الفكرة هي مكافأة المواطنين مباشرة بنصيب من الثروة التي تكونت. قامت ولاية ألاسكا، على سبيل المثال، بتوزيع عائدات النفط على السكان من خلال عائد سنوي من صندوقها الدائم منذ عام 1982. تفعل النرويج شيئًا مشابهًا مع صندوق التقاعد الحكومي. قد تفكر كاليفورنيا، التي تستضيف بعضًا من أغنى الشركات في العالم، في القيام بشيء مماثل. عندما أنشأت شركة Apple، التي يقع مقرها الرئيسي في كوبرتينو بكاليفورنيا، شركة تابعة لها في مدينة رينو بولاية نيفادا، للاستفادة من معدل ضريبة الشركات الذي يبلغ صفر بالمائة في الولاية، خسرت كاليفورنيا قدرًا هائلاً من عائدات الضرائب. لا ينبغي حظر مثل هذه الحيل الضريبية فحسب، بل يجب على كاليفورنيا أيضًا أن تقاوم من خلال إنشاء صندوق ثروة حكومي، والذي من شأنه أن يوفر وسيلة إلى جانب الضرائب للاستيلاء بشكل مباشر على حصة من القيمة التي أنشأتها التكنولوجيا والشركات التي ترعاها.

تسمح أرباح المواطن بتقاسم عائدات الثروة المشتركة مع المجتمع الأكبر - سواء كانت تلك الثروة تأتي من الموارد الطبيعية التي تشكل جزءًا من الصالح العام أو من منافذ اخرى مثل الاستثمارات العامة في الأدوية أو التقنيات الرقمية، التي تنطوي على جهد جماعي. يجب ألا تكون مثل هذه السياسة بديلاً عن جعل النظام الضريبي يعمل بشكل صحيح. ولا ينبغي للدولة أن تستخدم نقص مثل هذه الأموال كذريعة لعدم تمويل السلع العامة الرئيسة. لكن يمكن للصندوق العام الاعتراف صراحةً بالمساهمة العامة في تكوين الثروة. وهو المفتاح في لعبة القوة بين الاطراف السياسية.

الاقتصاد الذي يحركه الغرض

عندما يجتمع القطاعان العام والخاص سعيًا لتحقيق مهمة مشتركة، يمكنهم القيام بأشياء غير عادية. هذه هي الطريقة التي وصلت بها الولايات المتحدة الى القمر في عام 1969. لمدة ثماني سنوات، تعاونت وكالة ناسا والشركات الخاصة في قطاعات متنوعة مثل الفضاء والمنسوجات والإلكترونيات في برنامج أبولو، حيث استثمروا وابتكروا معًا. من خلال الجرأة والتجريب، حققوا ما أسماه الرئيس جون ف. كينيدي "أكثر المغامرات خطورة ومجازفة وكات اعظم مغامرة قام بها الإنسان على الإطلاق". لم يكن الهدف تسويق تقنيات معينة أو حتى تعزيز النمو الاقتصادي، بل كان إنجاز شيء ما معًا.

بعد مرور أكثر من 50 عامًا، في خضم جائحة COVID-19 التي انتشرت عالميا، أمام العالم فرصة لمحاولة تحقيق هدف أكثر طموحًا: إنشاء اقتصاد أفضل. سيكون هذا الاقتصاد أكثر شمولاً واستدامة، وسوف ينبعث منه قدر أقل من الكربون، ويولد قدرًا أقل من عدم المساواة، ويبني وسائل النقل العام الحديثة، ويوفر الوصول الرقمي للبشرية حول العالم، ويوفر رعاية صحية شاملة على الفور تجعل لقاح COVID-19 متاحًا للجميع. سيتطلب إنشاء هذا النوع من الاقتصاد نوعًا من التعاون بين القطاعين العام والخاص لم نشهده منذ عقود.

يشير بعض الذين يتحدثون عن التعافي من الوباء الى هدف جذاب وهو العودة الى الحياة الطبيعية كما قبل الجائحة. لكن هذا الهدف خطأ. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون الهدف، كما قال الكثيرون "إعادة البناء بشكل أفضل". قبل اثني عشر عاما، قدمت الأزمة المالية 2008 فرصة نادرة لتغيير الرأسمالية لكنها تبددت. الآن، قدمت أزمة أخرى فرصة أخرى للتجديد، وهذه المرة لا يمكن للعالم أن يتركها تذهب سدى.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

.............................................
رابط المقال الأصلي:
https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2020-10-02/capitalism-after-covid-19-pandemic?utm_source=twitter_posts&utm_campaign=tw_daily_soc&utm_medium=social

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

18