تُعد التجارة الخارجية بوابة الاقتصاد الوطني على الاقتصاد العالمي والعكس صحيح ولها آثار كثيرة قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية حسب قوة وضعف الاقتصاد.

ان قوة الاقتصاد تعني قدرة الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات ذات قدرة تنافسية عالية تستطيع بموجبها، ومن خلال التجارة الخارجية؛ اختراق الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع اتصافه بالتنويع الاقتصادي. وافتقار الاقتصاد للقدرة التنافسية، أي لا يستطيع إنتاج سلع وخدمات قادرة على اختراق الاقتصاد العالمي، مع اتصافه بأحادية الاقتصاد أي اعتماده على قطاع معين مع إهمال القطاعات الاقتصادية الأخرى، كلا الأمرين يعنيان ضعف الاقتصاد.

إن أثار التجارة الخارجية ترتبط بشكل وثيق بقوة الاقتصاد وضعفه، بمعنى إن آثارها تكون مُستمدة من الاقتصاد وكلما يكون الاقتصاد قوياً ستكون آثار التجارة الخارجية إيجابية، وكلما يكون الاقتصاد ضعيفاً ستكون آثار التجارة الخارجية سلبية.

متى يكون الاقتصاد قوياً؟

يكون الاقتصاد قوياً حينما يتمتع بمسألتين هما الكفاءة الاقتصادية والتنويع الاقتصادي وعند افتقاره لهما يصبح الاقتصاد ضعيفاً.

يكون الاقتصاد قوياً حينما يتمتع بالكفاءة الاقتصادية التي تعني الحصول على أكبر نفع من الموارد بأقل قدر من النفقات، والتي تمثل حجر الأساس للقدرة التنافسية، ولا تتحقق الكفاءة الاقتصادية إلا في ظل الانفتاح ونظام السوق القائم على القطاع الخاص لا الانعزال ونظام التخطيط القائم على الدولة في إدارة الاقتصاد.

وبالتزامن مع الكفاءة الاقتصادية التي تجعل الاقتصاد قوياً، يُعد التنويع الاقتصادي مسألة مهمة في هذا الجانب، لأنه يجعل الاقتصاد قادراً على المناورة إذا ما تعرض أحد قطاعاته لخلل ما ويستطيع إكمال المسير، في حين لم يكُن الأمر كذلك إذا ما كان الاقتصاد احادياً، فإذا ما تعرض القطاع الذي يعتمد عليه الاقتصاد بشكل رئيس لخلل ما فإن الاقتصاد سيكون عرضه للانهيار بانهيار هذا القطاع، بمعنى إن الاقتصاد الأحادي لا يستطيع المناورة كما في حال الاقتصاد المتنوع.

فالاقتصاد الذي يتمتع بالتنويع الاقتصادي يستطيع مواجهة الأزمات التي يتعرض لها وبالتالي هو اقتصاد قوي في حين الاقتصاد الذي يفتقر للتنويع الاقتصادي ويعتمد على قطاع واحد-خصوصاً إذا ما كان هذا القطاع ريعياً النفط والسياحة وغيرها-هو اقتصاد غير قادر على مواجهة الأزمات وهذا هو الاقتصاد الضعيف بعينه.

ضعف الكفاءة الاقتصادية

وعلى الرغم من تبني نظام السوق والقطاع الخاص بعد عام 2003 إلا التخطيط والدولة لا تزال هي المحرك الرئيس في الاقتصاد العراقي كونها تهيمن على الكثير من عناصر الإنتاج، وهذا ما يعني ضعف الكفاءة الاقتصادية، لان الأخيرة لا تتحقق في ظل نظام التخطيط والدولة كما أشرنا أعلاه.

إن عدم وجود الكفاءة الاقتصادية يعني عدم تحقق الإنتاج بالأسعار المعقولة والنوعية الجيدة وهذا ما يقلل من الطلب عليها آخيراً مما يعني ضعف القدرة التنافسية وبالتالي لا تستطيع اختراق الاقتصاد العالمي وهذا ما حصل بالفعل في العراق باستثناء سلع محدودة جداً كالنفط مثلاً كما ستتضح أدناه.

تركز الصادرات وتنوع الاستيرادات. إذ كان ولازال النفط يشكل عصب الاقتصاد العراقي بل وأصبح بعد 2003 أكثر أهمية وأكثر هيمنةً ويبرز كمؤشر رئيس في أغلب المؤشرات الاقتصادية، وذلك لامتلاك العراق احتياطي هائل منه والسبب الرئيس والأكثر منطقية هو تعثر التحول السياسي -من الدكتاتوري إلى الديمقراطي-والاقتصادي– من التخطيط إلى السوق-الذي حصل بعد 2003 [1].

لان المشكلة لا تتعلق بالنفط بحد ذاته بقدر ما تتعلق بالإدارة العامة السياسية والاقتصادية التي تعاني من الفوضى وغياب الاستقرار وشيوع الفساد، إذ لو توفرت إدارة جيدة لاستطاعت تحقيق الاستقرار العام ومنع الفساد ومحاربته عند ظهوره وتوفير البيئة المناسبة للأعمال وتوظيف النفط بما يسهم في تفعيل قطاعات الاقتصاد وإشباع الطلب المحلي وتصدير الفائض نحو الخارج وهذا ما سيظهر جلياً في بنود الصادرات من التجارة الخارجية.

حيث تبين من خلال التقارير والنشرات الاحصائية، تركز الصادرات وتنوع الاستيرادات وهذا ما يدلل على ضعف الاقتصاد لأنه لو كان اقتصاداً قوياً لانعكست هذه القوة على تنوع الصادرات.

حيث هيمن النفط على التجارة الخارجية بشكل عام والصادرات السلعية بشكل خاص، إذ لم تنخفض مساهمة الصادرات النفطية بل وأكثر من 99% من الصادرات السلعية من عام 2005-2019وبالمقابل لم تتجاوز نسبة مساهمة الصادرات السلعية التي تعبر عن القطاعات الاقتصادية الأخرى عن 1% وهذا ما يعبر عن أحادية الاقتصاد العراقي وافتقاره للتنويع الاقتصادي.

وما يؤكد هذا الكلام صندوق النقد العربي في نشرته عن تنافسية التجارة الخارجية، حيث اتضح من خلال هذه النشرة إن العراق لم يمتلك ميزة نسبية إلا لسلعة واحدة وهي سلعة الوقود المعدني وملحقاته للأعوام 2014 و2015 و2017 و2018 وسلعتين هما الوقود المعدني وملحقاته واللآلئ الطبيعية -وقطع العملة المعدنية عام 2016 [2]

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل دائماً هيمنة النفط على الصادرات السلعية تُعبر عن أحادية الاقتصاد وافتقاره للتنويع، خصوصاً إذا ما علمنا إن الاقتصاد المكتفي ذاتياً لا يدخل التجارة الخارجية كثيراً وهو متنوع اقتصادياً وبالتالي يكون مؤشر الصادرات يصبح مؤشر مضلل؟!

تأتي الإجابة شافية وافية من خلال الركن الثاني من التجارة الخارجية وهو الاستيرادات، بمعنى إذا ما كانت الاستيرادات تتصف بالتنوع الشديد فإن مؤشر الصادرات يُعبر بشكل صادق عن هيمنة النفط عليه كما هو حال العراق ويكون مضلل إذا ما كانت الاستيرادات لا تتصف بالتنوع الشديد.

والامر لا يحتاج لا لإحصاءات ولا لتقارير من اجل تبيان مدى تنوع الاستيرادات حيث يشير الواقع لكل ما حولنا لمدى شدة تنوع الاستيرادات إذ يستورد العراق كل شيء تقريباً من الإبرة إلى السيارة.

اتضح مما سبق، إن العراق لا يزال يعتمد على الدولة في تسيير شؤونه الاقتصادية وهذا ما أدى لضعف الكفاءة الاقتصادية إلى جانب الاعتماد على النفط والذي أدى إلى أحادية الاقتصاد لا تنويعه، وكلا الأمرين أديا لضعف الاقتصاد العراقي.

خلاصة القول

من أجل جعل الاقتصاد العراقي يتمتع بالقوة فلا بد من العمل على اعتماد اقتصاد السوق بشكل حقيقي وجعل القطاع الخاص يأخذ الدور الرئيس والعمل أيضاً على استثمار الثروة النفطية بما يسهم في تحقيق التنويع الاقتصادي لا ترسيخ احادية الاقتصاد، كلا الأمرين سينعكسان بشكل إيجابي على التجارة الخارجية ويجعلانها مُعبرة عن قوة الاقتصاد لا ضعفه.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

...................................
[1] - حامد عبد الحسين الجبوري، أسباب تشوه الديمقراطية والسوق في العراق، مقال متاح على شبكة النبأ المعلوماتية على شبكة الانترنيت.
[2] - صندوق النقد العربي، نشرة تنافسية التجارة الخارجية الاجمالية والبينية، العدد السابع، 2019، ص161-162.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

21