بقلم: ريكاردو هوسمان

كمبريدج ــ ببعض التفاؤل نستطيع أن نفترض أن واحدا أو أكثر من لقاحات مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) الأحد عشر التي تخضع حاليا للمرحلة الثالثة من التجارب السريرية تبين أنه آمن وفـعّـال بحلول أوائل عام 2021. لنفترض أيضا أننا تمكنا من زيادة إنتاج اللقاح بسرعة، على النحو الذي تتمكن معه البلدان من تطعيم قسم كبير من سكانها بحلول نهاية العام المقبل.

في هذا السيناريو الوردي، تمتد "الفترة الخاصة" الحالية، حيث تتسبب تدابير التباعد الاجتماعي في تقييد الأنشطة الاقتصادية بشدة ــ من المدارس إلى الجامعات، ومن المطاعم إلى شركات الطيران، ومن الحفلات الموسيقية إلى الأحداث الرياضية، ومن الاحتفالات الدينية إلى حفلات الزفاف ــ لعام واحد آخر فقط. وبمجرد إلغاء تدابير التباعد الاجتماعي، من المرجح أن يعمل الطلب المكبوت على الاحتفالات، والمناسبات الاجتماعية، والسفر، ومباهج التفاعل الإنساني، على تغذية التعافي الأقوى.

ولكن من منظور العديد من الشركات التي تحملت بالفعل ستة أشهر من الارتباك الناجم عن الجائحة، يبدو العام الواحد فترة طويلة للغاية. صحيح أن الشركات التي ستتمكن من البقاء إلى ذلك الحين ــ وخاصة في الأسواق الناشئة ــ سيكون مستقبلها مشرقا، لكن ميزانياتها ستكون ضعيفة، بعد أن شهدت 18 شهرا من التدفقات النقدية السلبية التي ستتبخر فيها أسهمها إلى حد كبير.

صحيح أن العديد من البنوك المركزية قدمت مستويات غير مسبوقة من التحفيز النقدي، ليس فقط عن طريق دفع أسعار الفائدة إلى الانخفاض، بل وأيضا من خلال شراء كميات هائلة من الأصول (التيسير النقدي) والالتزام بالحفاظ على هذه السياسة لفترة طويلة من الزمن. المقصود من هذا "التوجيه المسبق" إقناع البنوك بضرورة زيادة الإقراض بأسعار فائدة منخفضة، لأن هذه الأسعار لن تتجه إلى الارتفاع في أي وقت قريب.

لكن البنوك لن تقدم قروضها إلا إلى المقترضين الذين يتمتعون بالجدارة الائتمانية ــ ولا تعتمد الجدارة الائتمانية على آفاق المقترضين المبشرة وحسب بل وأيضا على كم أسهم رأس المال التي يمتلكونها. تعمل أسهم رأس المال كنوع من الضمان بأن المقترض قادر على السداد. وإذا لم تسر الأمور على النحو الذي تقترحه دفاتر الموازنة، فسوف يظل بوسع الشركة أن تسدد القرض لأنها مدينة بأقل من قيمته.

وعلى هذا فإن أسهم رأس المال والديون تكمل بعضها بعضا: فكلما زادت ملكية الشركة من أسهم رأس المال، كلما زادت قدرتها على الاقتراض. تشترط البنوك على المقترضين عادة الإبقاء على نسبة الدين إلى أسهم رأس المال أقل من حد معين.

لذا، في السيناريو المتفائل الموصوف أعلاه، ستكون هناك وفرة من الشركات التي تتمتع بآفاق واعدة لكن أسهم رأس المال لديها لن تكون كافية لضمان المزيد من الاقتراض. وسوف يعتمد نموها على مدى سرعتها في زيادة أسهم رأس المال ــ سواء بسرعة، من خلال ضخ رأس المال النقدي، أو بشكل أبطأ كثيرا، من خلال الأرباح المحتجزة. ومن الواضح أن الضخ السريع لأسهم رأس المال من شأنه أن يجعل السياسة النقدية أكثر فاعلية والتعافي أكثر قوة.

لكن أسهم رأس المال تشكل على المستوى المؤسسي تحديا أكبر من الديون. ينطوي الدين على الالتزام بسداد مبلغ ثابت معين من المال في تواريخ محددة. ومن السهل أن يعرف المقرض ما إذا كان السداد حدث بالفعل وأن يقنع القاضي إذا لم يحدث.

تمثل أسهم رأس المال من ناحية أخرى مطالبة بكل ما تبقى بعد السداد لجميع أصحاب المصلحة الآخرين، بما في ذلك ليس فقط الديون المستحقة لصالح الموردين والعاملين والدائنين، بل وأيضا تكاليف رواتب المديرين ومكافآتهم وحسابات مصروفاتهم، وطائرات الشركة. وعلى هذا فإن مطالبة حاملي الأسهم على التدفق النقدي المتبقي للشركة قد تتبخر بسرعة بالغة.

يتطلب منع هذا السيناريو وطمأنة المستثمرين في أسهم رأس المال الحوكمة المؤسسية المحترمة والثقة في الإنفاذ القضائي. ويجب إعطاء حاملي أسهم رأس المال بعض الحقوق مثل سلطة انتخاب وعزل أعضاء مجلس الإدارة، والتحكم في رواتب التنفيذيين، والحد من عدد المشاريع المحفوفة بالمخاطر التي تدخلها الشركة. كما يجب أن يكون من حقهم الاطلاع على مجريات الأمور من قِـبَـل مدققين ومراجعين مستقلين حول ما تقوم به الشركة من أعمال، وضمان عدم قيام المطلعين من الداخل بتداول أسهمهم على أساس معلومات سرية.

لكن إنشاء بنية إدارية قادرة على تقديم هذه الضمانات أمر مكلف. في الولايات المتحدة، أدى هذا إلى صعود صناعة الأسهم الخاصة، التي تفضل تجنب مثل هذه التكاليف عن طريق شطب الشركات المتداولة في البورصة. في أغلب البلدان النامية، تتألف أسواق الأسهم، حيثما وجدت، من أكبر الشركات فقط، بما في ذلك البنوك، وشركات التأمين، ومقدمي خدمات الاتصالات، والمرافق، وقِـلة من شركات التصنيع الكبرى. وبالنسبة لكل الشركات الأخرى، تأتي أسهم رأس المال من الأصدقاء وأفراد الأسرة.

وما لم تكن تحتفظ بحصة الأغلبية في الشركة، فإن صناديق الأسهم الخاصة العالمية التي حاولت دخول الأسواق الناشئة منذ تسعينيات القرن العشرين كانت تشهد غالبا اختفاء مطالباتها. علاوة على ذلك، يعني غياب أسواق الأسهم السائلة أنها عندما ترغب في تصفية استثماراتها ستجد أنفسها في موقف "فندق كاليفورنيا"، حيث يمكنها تسجيل المغادرة لكنها لا تستطيع الرحيل أبدا. وهي مسألة إشكالية بصورة خاصة لصناديق الأسهم الخاصة التي تَـعِـد بإعادة رأس المال إلى مستثمريها بعد فترة زمنية محددة.

وسوف ترتفع التكلفة الاجتماعية المترتبة على أوجه القصور هذه إلى عنان السماء خلال فترة التعافي بعد التطعيم. وقد يكون التعامل معها بشكل فـعّـال الآن أحد أعلى الاستثمارات عائدا على الإطلاق.

يجب أن يأتي جزء من الحل من الإبداع المالي بقيادة القطاع الخاص. لا تحتاج صناديق الأسهم الخاصة التي تتداول مثل الأسهم إلى فترات استرداد ثابتة، وبالتالي لا حاجة للتعجل ببيعها. في الولايات المتحدة، تجمع شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة رؤوس أموالها من خلال الطرح العام الأولي قبل أن تعرف ماذا ستفعل بالمال، وتكون على استعداد للاستثمار كلما سنحت الفرصة. ولا يتعين إدراجها في البلد الذي تستثمر فيه، بمعنى أنها يمكن إدراجها في أماكن حيث المؤسسات أفضل والأسواق أكثر سيولة.

سوف تستفيد الأسواق الناشئة بشكل كبير من حل النقص القادم في أسهم رأس المال. وعلى هذا فإن الشركات الأسرية تحتاج إلى النظر في مزايا قبول المستثمرين الجدد في أسهم رأس المال وما ينتج عن ذلك من إضعاف سلطة اتخاذ القرار من قِـبَـل أفراد الأسرة، خشية أن يروا المنافسين الذين يقبلون مثل هذه الأموال يأخذون أسواقهم بعيدا عنهم.

في الوقت ذاته، ينبغي لصناع السياسات في الأسواق الناشئة السعي إلى تحسين الأطر التنظيمية ــ التأكد على سبيل المثال من أن صناديق التقاعد وشركات التأمين قادرة على الاستثمار في أدوات الأسهم الجديدة. وينبغي للمستثمرين العالميين، بتشجيع من مؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي، وIDB Invest، التي تشكل جزءا من مجموعة بنك التنمية للبلدان الأميركية، أن يعكفوا على إنشاء صناديق أسهم خاصة عبر البلدان.

لا شيء من هذا عِـلم معقد، ومن الممكن أن يؤتي ثماره بسخاء في هيئة التعافي الأسرع. وهذا سبب إضافي للتفاؤل.

* ريكاردو هوسمان، وزير التخطيط السابق لفنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية هارفارد كينيدي، ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد.
https://www.project-syndicate.org

............................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14