نظراً لهشاشة الاقتصاد العراقي بحكم اعتماده على النفط من جانب وغياب الاستقرار السياسي بحكم حداثة التجربة بالديمقراطية من جانب ثانٍ، أصبح تسليط الضوء على النفط والديمقراطية في العراق يحتل أهميةً كبيرة من أجل تقوية الاقتصاد وتحقيق الاستقرار السياسي. تشير المؤشرات الاقتصادية أدناه لارتفاع مساهمة النفط...

نظراً لهشاشة الاقتصاد العراقي بحكم اعتماده على النفط من جانب وغياب الاستقرار السياسي بحكم حداثة التجربة بالديمقراطية من جانب ثانٍ، أصبح تسليط الضوء على النفط والديمقراطية في العراق يحتل أهميةً كبيرة من أجل تقوية الاقتصاد وتحقيق الاستقرار السياسي.

النفط والهشاشة في الاقتصاد العراقي

حيث تشير المؤشرات الاقتصادية أدناه لارتفاع مساهمة النفط في الاقتصاد العراقي، وذلك بحكم تمتع العراق بثروة نفطية هائلة تُقدر بـ 147 مليار برميل عام 2018 مع غياب الرؤية الاقتصادية السليمة لها بالتزامن مع ضعف النظام السياسي الديمقراطي وعدم رسوخ مؤسساته إضافة لتصلب ثقافة المجتمع تجاه السوق والديمقراطية.

حيث يشكل النفط ما نسبته 46.3% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية عام 2018، وتشكل ما يقارب 90% من المجموع الكلي للإيرادات العامة، وأكثر من 99% من الصادرات، هذه النسب تدلل على هيمنة النفط على الاقتصاد العراقي والتي نجم عنها غياب التنويع الاقتصادي وزيادة التبعية التجارية وانكشاف الاقتصاد على العالم الخارجي مما يعني كُبر حجم الهشاشة والضعف وعدم القابلية على مواجهة الأزمات بل مستقبل لها بشكل جيد.

خصوصاً إذا ما علمنا، إن النفط يخضع للمحددات الخارجية، التي قد تكون سياسية أو اقتصادية أو طبيعية أو غيرها، في أسواق الطاقة الدولية؛ بمعنى إن الدولة في العراق-والبلدان النفطية- لا تستطع التحكم بأسعاره بل وتتسم بالتذبذب وهذا ما يعني تذبذب إيراداته التي تعتمد عليها المالية العامة بشكل رئيس، وبما إن الدولة تهيمن على الاقتصاد وتعاني من تذبذب إيراداتها المالية أصبح الاقتصاد العراقي يعاني من التذبذب أيضاً وهذا ما يدلل على الهشاشة والضعف وليس المتانة والاستقرار.

وجدير بالذكر، إن العراق اتجه نحو تطبيق اقتصاد السوق القائم على الحرية الاقتصادية والمنافسة والقطاع الخاص وحياد الدولة ولكن لم يفلح في ذلك التطبيق أو بالأحرى كان تطبيقاً شكلياً لا جوهرياً؛ وذلك لأسباب تتعلق بالجرعة التي تلقاها المجتمع العراقي، حيث تم تبني اقتصاد السوق بالتزامن مع الديمقراطية بدفعة واحدة وفي آن واحد، دون العمل على تغيير ثقافة المجتمع الاتكالية اقتصادياً والتابعة سياسياً بما ينسجم مع التبني الجديد، مما يعني ضخامة الجرعة التي تلقاها فلم يستوعبها وكانت النتيجة التعثر الاقتصادي والسياسي.

ديمقراطية بلا ديمقراطيين

تُعد الديمقراطية نظام سياسي قائم على الشعب ولأجل الشعب، انتشر في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وتم تبنيه في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ولكنه لم يكتمل نضوجها لحد الآن، لا مؤسسياً ولا ثقافياً؛ بل وتعرضت لإرهاصات، أبرزها تنظيم داعش؛ كادت أن تُطيح بها، وإن أحد الأسباب الرئيسة وراء ذلك هو إنها ديمقراطية بلا ديمقراطيين.

إذ إن الديمقراطية كنظام حُكم تُعد المرحلة الأخيرة وإن القفز إليها بشكل مباشر دون المرور بالمراحل السابقة لها سيؤدي لديمقراطية هزيلة لا تمثل الشعب ولا تلبي طموحه وتطلعاته بل وتكون وبالاً عليه ورُبما يسعى للتخلص منها بشتى الوسائل.

حيث تتمثل المراحل السابقة بثقافة المجتمع من حيث عاداته وتقاليده ومستوى تعليمه ووعيه، ابتداء بالفرد ومروراً بالأسرة والعشيرة وانتهاء بالمجموعات والأحزاب، أي هل هي ثقافة قائمة على الاستبداد ورفض الآخر أم قائمة على حرية الرأي والرأي الآخر؟ بمعنى أدق هل ربُّ الأسرة وشيخ العشيرة وقائد المجموعة وزعيم الحزب، يقوم باتخاذ القرارات ذات العلاقة بالمرؤوسين بشكل منفرد أم يقوم بعرضها على المرؤوسين والأخذ بمقترحاتهم وآراءهم حتى وإن كانت تتعارض مع مقترحه ورأيه؟

شعب لا يؤمن بالديمقراطية

ونظراً لسيادة ثقافة الاستبداد في الشعب العراقي ورفض الآخر وعدم تقبل الرأي والرأي الآخر، كنتيجة لسيادة نظام الحزب الواحد الذي كان سائداً قبل 2003 والذي أدى لولادة ثقافة الاستبداد وترسيخها لدى الفرد حين يكون رئيساً وثقافة الطاعة حين يكون مرؤوساً، قبل الوصول للمرحلة الأخيرة المتمثلة بنظام الحكم.

أصبح الشعب لا يؤمن بالديمقراطية ولا يؤمن بأنه مصدر السلطات كونه مؤمن بثقافة الطاعة للمسؤول ولا يمكن الاعتراض عليه فضلاً عن مراقبته ومحاسبته، وبهذا الشكل أصبحت الديمقراطية ضعيفة في العراق ولا يمكن أن تؤتي ثمارها بشكل إيجابي حتى وإن تم تبنيها كنظام للحكم لأنها ديمقراطية فارغة المحتوى، ديمقراطية بلا ديمقراطيين، ولا يؤمن الشعب بتكليف الحاكم لا تشريفه وعليه أن يعمل لصالح شؤونه وبما يخدم طموحه وتطلعاته.

العلاقة بين النفط والديمقراطية

هناك علاقة وثيقة بين النفط والديمقراطية ولكن هذه العلاقة الوثيقة لا يُشترط أن تكون إيجابية دائماً كما معروف في الدول المتقدمة كالنرويج مثلاً، لأنها قد تكون علاقة سيئة في البلدان النامية كما هو حالها في العراق.

حيث احتلت النرويج المرتبة الأولى عام 2017 في مؤشر الديمقراطية الذي يقيس حالة الديمقراطية في 167 بلد، وذلك بالاعتماد على خمس فئات مختلفة هي العملية الانتخابية والتعددية والحريات المدنية وأداء الحكومة والمشاركة السياسية والثقافة السياسية، كان لها دور كبير في إدارة الثروة النفط بشكل أمثل، بحيث أصبحت النرويج تجربة رائدة يُحتذى بها في هذا المجال، وتمتلك أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم بالإضافة لاحتلالها مراتب متقدمة على مستوى العالم في مؤشرات عديدة منها مؤشر التنمية البشرية والسعادة وغيرها.

إن وجود علاقة إيجابية بين النفط والديمقراطية في الدول المتقدمة كما في حالة النرويج يعزى لرسوخ الديمقراطية، ثقافياً ومؤسسياً؛ بمعنى إنها تمثل الشعب بشكل حقيقي لان الشعب مؤمن بشكل حقيقي إنه مصدر السلطات من جانب ومن جانب آخر تشعر السلطات إن الشعب هو مصدرها الحقيقي ولا بُد أن تعمل لما يلبي طموحه وتطلعاته وإلا سيكون مصيرها الزوال.

هذا ما دفع السلطات للتفكير ملياً في إدارة الاقتصاد بشكل عام والنفط بشكل خاص إدارة مُثلى وذلك من خلال تعزيز دور السوق والقطاع الخاص في الاقتصاد بالتزامن مع سريان إشراف الدولة لضمان عدم انحرافهما عن الدور المرغوب من جانب واعتماد مبادئ الشفافية والرقابة على النفط وتوجيهه بالشكل الذي يخدم الاقتصاد كإنشاء الصندوق السيادي على سبيل المثال من جانب آخر، كل ذلك من أجل تحقيق طموح الشعب وتطلعاته والحصول على رضاه والبقاء في السلطة.

بمعنى آخر، إن وجود الديمقراطية ورسوخها ثقافياً ومؤسساتياً في أي بلد يجعل من النفط عند اكتشافه نعمة تؤدي لزيادة رفاهية المجتمع وليس العكس كما في حالة العراق.

النفط والديمقراطية في العراق

في العراق لا تتمتع الديمقراطية بالرسوخ لا ثقافياً ولا مؤسساتياً، مما يعني إنها تعاني الضعف كما اتضح أعلاه، وذلك بحكم حداثة التجربة بالديمقراطية التي تم تبنيها بعد 2003 دون أي تمهيد لها، فكان النفط نقمة على العراقيين لا نعمه.

إن ضعف الديمقراطية وغياب رسوخها يعني إن السلطات لا تهتم للشعب ولا تسعى لتلبية طموحه وتطلعاته إلا بقدر ما يخدم مصالحها، وهذا ما أدى لإهمال إدارة الاقتصاد والنفط بما يخدم الشعب العراقي، وكانت النتيجة هيمنة النفط على الاقتصاد العراقي نجم عنها هشاشته وضعفه كما اتضح أعلاه.

حيث ولّد النفط آثاراً سيئة في العراق وتحول من نعمة كما في البلدان المتقدمة إلى نقمة بحكم ضعف الديمقراطية في العراق، وهذا ما أدى لضعف الشفافية والرقابة على النفط وشيوع الفساد بحيث احتل المرتبة 162 من أصل 180 دولة في مؤشر الفساد وصعوبة بيئة الأعمال حيث احتل المرتبة 172 من أصل 190 بلد ضمها المؤشر، والنتيجة توجيه النفط بما يخدم السلطات وليس الاقتصاد والشعب.

ولكن بما إن تبني الديمقراطية جاء بعد اعتماد العراق على النفط لمدة طويلة، أي إن النفط له مكانه كبيرة في الشعب العراقي لا يستطيع التخلي عنها خلال ليلة وضحها، وإن الديمقراطية تنمو وتعيش في ظل اعتماد الشعب على نفسه اقتصادياً وليس على النفط عن طريق الدولة، أصبح النفط يشكل عائق أمام بناء الديمقراطية بشكل حقيقي.

فصل النفط عن الدولة هو الحل

ستبقى الديمقراطية في العراق ضعيفة ولا تستطيع أن تمثل الشعب بشكل حقيقي ما لم يتم فصل النفط عن الدولة وتتم إدارته بشكل مستقل عن الدولة لصالح الشعب بالتزامن مع اعتماد مبادئ الشفافية والرقابة عليه بشكل جدّي.

في هذه الحالة المتمثلة في فصل النفط عن الدولة، سيتمتع الشعب بثروته من جانب وستعمل الدولة على خدمة الشعب مقابل الحصول أجور لتلك الخدمة من جانب آخر، وبهذا الحال تصبح الديمقراطية حقيقية شيئاً فشيئاً ويتمتع الشعب بثروته النفطية، والنتيجة تحسن أداء الديمقراطية سياسياً وتقوية الاقتصاد العراقي وهذا هو المطلوب.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق