قبل اندلاع الازمة المالية العالمية عام 2008 حققت ارصدة المالية العامة في البلدان النفطية قفزة كبيرة حين لامست حاجز 10% من الناتج المحلي الاجمالي نتيجة تعافي اسعار النفط وانتعاش الايرادات النفطية في هذه البلدان.

لكن مع تراجع معدلات الطلب العالمي على النفط ما بعد الازمة، تحول النمو في الارصدة المالية الى سالب طوال المدة الماضية بسبب عدة عوامل لعل اهمها، وكما رصدها صندوق النقد الدولي، تعود لتراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي وصدمات اسعار النفط وارتفاع معدلات الانفاق العام في البلدان النفطية، مما اعاد قضايا العجز المالي وارتفاع الديون السيادية الى صدارة المشهد الاقتصادي لهذه البلدان من جديد، خصوصا بعد انهيار اسعار النفط منتصف العام 2014 وما خلفه من تراجع حاد في الايرادات النفطية المتدفقة لمالية البلدان النفطية.

مع ذلك، يوجد تحدي اخر، مغمور نسبيا، يتمثل في قصور مؤسسات المالية العامة في اداء الدور الفعال في ضبط الانفاق العام وتعظيم الاثار الاقتصادية على الاستقرار والنمو الاقتصادي. وتوجد عدة مقاييس لتقييم فعالية مؤسسات المالية العامة، كتوفر قاعدة معلومات تتيح فرص الاطلاع العام حول تفاصيل الموازنة العامة وما إذا كان لدى الحكومات آليات قائمة لوضع وتنفيذ أهداف الموازنة متوسطة الأجل. وفي هذا السياق، يؤشر بان شفافية الموازنة العامة في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الاوسط أقل بكثير مما هو الحال في البلدان الأخرى المصدرة للنفط. والواقع أن الجزائر والعراق وقطر لم تسجل أي تحسن بين عامي 2012 و2017، بينما شهدت بلدان أخرى مصدرة للنفط تحسنا ملحوظا بنسبة 5% في المتوسط. وحتى المملكة العربية السعودية بذلت جهودا كبيرة لتحسين الشفافية منذ عام 2017، عن طريق نشر بيانات أشمل عن الموازنة العامة وكشوفات مالية مدققة.

اما على مستوى الاهداف، فيلاحظ ايضا بان عدد كبير من الموازنات العامة في البلدان النفطية (العراق بشكل خاص) تخلو من اهداف مالية واقتصادية واجتماعية حقيقية، ولا توجد متابعة ايضا للأهداف ان وجدت في بعض الموازنات العامة. ويذكر صندوق النقد الدولي بان أكثر من نصف البلدان النفطية في الشرق الأوسط ليس لديها آلية لتحديد أهداف المالية العامة مصحوبة باستراتيجيات واقعية لتحقيقها على مدار فترة متعددة السنوات.

ان تحقيق الاستدامة المالية في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الاوسط، ولأجل وقاية اقتصاداتها من تقلبات أسعار النفط العالمية، يحتم على حكومات هذه البلدان تقوية المؤسسات المالية بسياسات اجرائية مناسبة لعل أبرزها اتخاذ إجراءات ملموسة لجعل عمليات الموازنة العامة مفتوحة وشفافة وتوفير مزيد من البيانات والمعلومات عن التوقعات والمخاطر. وقد قطعت تونس خطوات مهمة على هذا السياق بتطبيق نظام لتقييم شفافية المالية العامة، وهو جهد يمكن أن يكون نموذجا لبلدان أخرى تنظر في إجراء إصلاحات مالية حقيقية.

من جانب اخر، فان وضع أهداف واستراتيجيات متوسطة الأجل في بنية الموازنة العامة ستفضي حتما الى تعزيز الانضباط المالي والمساعدة على تخفيض وتيرة تراكم الديون. ويتطلب الأمر أيضا تقوية نظم الإدارة المالية العامة وإجراءات المشتريات الحكومية. وتقدم الكويت نموذجا مشجعا في هذا الصدد بقانونها الجديد الذي يستهدف تشجيع المنافسة والشفافية في مجال المشتريات الحكومية. وسيؤدي تنفيذه بالكامل إلى استحداث مناهج حديثة لتقييم المناقصات وتشجيع زيادة المشاركة من جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تلك الانشطة.

واخيرا، لا يوجد منهج واحد يناسب كافة البلدان النفطية في سعيها لتعزيز مؤسسات المالية العامة ومعالجة التحديات التي تواجه المالية العامة، وينبغي ان يدرك صناع السياسات الاقتصادية، بأن جودة مؤسسات المالية العامة ترتبط ارتباطا وثيقا بنجاح أو فشل سياسة المالية العامة، مما يلزم الحكومات بمضاعفة الجهود المبذولة لجعل بلدانهم أكثر صلابة ورخاء في السنوات القادمة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4