يـُــــلزم الاعتماد المفرط على قطاع النفط في تمويل الموازنة العامة وتحريك مختلف القطاعات الاقتصادية الحكومية العراقية بتوخي كافة السياسات اللازمة لتطوير وتأهيل وصيانة البنية التحتية للقطاع النفطي من حقول وشبكات الانابيب ومستودعات الخزن ومنصات التصدير وغيرها من المرافق الحيوية لهذا الشريان الخطير.

وقد تضمن البرنامج الحكومي (2018-2022) في المحور الثالث (فقرة 2 و3) اشارة الى التعجيل بتطوير وتوسيع طاقة منظومة الخزن والنقل والتحميل في المنطقة الجنوبية ومشروع حقن الماء من اجل زيادة طاقة الانتاج والتصدير واستدامتها والتسريع في زيادة وادامة منافذ تصدير النفط الخام عبر تركيا والاردن كضرورة استراتيجية واقتصادية. كما استحوذ قطاع النفط على الجزء الاكبر من النفقات الاستثمارية في موازنة العام الجاري والتي تصل لقرابة (15) ترليون دينار عراقي.

مخاطر تلوح في الافق

مع ذلك، فان تقارير نفطية حديثة تشير لمخاطر جمة تهدد البنية النفطية وبالتالي صادرات العراق النفطية في الامد المتوسط والبعيد اذا ما استمرت عجلة التطوير والتأهيل على وضعها القائم. في هذا السياق نشرت رويترز مؤخرا تقريرا تناول الاختناقات التي تهدد قطاع النفط العراقي والتنافس الدولي على عقود الاستثمار والتطوير دون الوصول لاتفاقات نهائية بسبب قوى الجذب والطرد السياسي. ويشير لرويترز أحد المسؤولين الذين يشرفون على البنية التحتية للتصدير في جنوب البلاد بوجود مشكلات خطيرة في خطوط الأنابيب البحرية والحاجة الماسة إلى شركاء للمساعدة في بناء خطوط جديدة نظرا لما ستلحقه التأجيلات المستمرة من ضرر بالغ في البنية التحتية للتصدير البحري في العراق.

وبحث العراق مع شركة بي.بي النفطية البريطانية وإيني النفطية الايطالية استبدال خطي أنابيب بحريين قديمين، بما في ذلك خط متوقف ينقل الخام إلى مرفأ خور العمية. وقال مسؤولون نفطيون إن عمليات التحميل توقفت في خور العمية منذ العام 2017 بعد أن عانى خط الأنابيب من كسور وتسريبات وتعين إغلاقه. ويعمل خط الأنابيب الآخر بطاقة جزئية لشحن النفط الخام إلى مرفأ البصرة البحري.

التفاوض العقيم

تم الحديث مؤخرا عن مشروع عملاق قد يستمر 30 عاما لتطوير البنية التحتية لمنافذ التصدير، وهو محور خطط شركة إكسون موبيل النفطية للتوسع في العراق ثاني أكبر منتج بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). وفي مايو أيار، بدا أن الصفقة الضخمة التي سيبرمها العراق مع إكسون وشيكة وبحث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حينها الصفقة مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مرتين في ثلاثة أيام بما في ذلك خلال زيارة مفاجئة قام بها إلى بغداد.

في غضون ذلك، قال عبد المهدي إن العراق يقترب من توقع الاتفاق مع الشركة الأمريكية وشريكتها في المشروع بتروتشاينا. لكن المفاوضات استغرقت وقتا طويلا فيما بعد بشأن شروط العقد وتصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة. وتعطلت المحادثات الهادفة للتوصل إلى اتفاق أولي جراء عمليتي إجلاء منفصلتين للموظفين الأجانب بإكسون موبيل من العراق، الأولى بعد أن حذرت واشنطن من تهديدات إيرانية للمصالح الأمريكية هناك، والثانية جاءت بفعل هجوم صاروخي بدا أنه يستهدف الشركة.

وقد دفعت تلك التأجيلات العراق مؤخرا على التفكير في شركات أخرى للمساعدة في تشييد البنية التحتية الخاصة بمرافئ التصدير البحرية لديه. وتأتي محادثات العراق مع شركة بي.بي وإيني في هذا السياق، عقب إعلان مسؤولين عراقيين في يونيو حزيران عن اختيار هيواندي للهندسة والبناء الكورية الجنوبية لبناء منشأة حقن لمياه البحر بتكلفة (2.4) مليار دولار. وكان هذا المشروع في الأصل جزءا من اتفاق مزمع لإكسون لتطوير منشآت الطاقة في جنوب العراق. ويفتقر العراق فعلا إلى محطة كبيرة لحقن المياه ويحتاج إلى واحدة من أجل الآبار وإلا سيخاطر بفقدان الضغط ويواجه انخفاضات حادة في الإنتاج خصوصا في حقوله النفطية المتقادمة. وكون المياه العذبة مورد نادر في العراق، فإن استخدام مياه البحر المعالجة أحد أفضل الخيارات.

مع ذلك، يصعب تخيل صمود السيد عادل عبد المهدي امام طموحات شركات النفط الامريكية المؤطرة بجهود منقطعة النظير تبذلها الدبلوماسية الامريكية. وفي هذا الصدد صرحت وزارة النفط العراقية يوم السبت الماضي بانها لا تزال مستمرة في المحادثات مع شركة إكسون موبيل الأمريكية العملاقة بشأن اتفاق ضخم لتحسين البنية التحتية النفطية للمنطقة الجنوبية. وأوضحت الوزارة أن اتفاقها مع شركتي بي.بي البريطانية وإيني الإيطالية يتعلق بتجهيز مواد لأنبوبين نفطيين بحريين لغرض تأهليهما لضمان نقل النفط الخام وتصديره عبر منظومة التصدير الجنوبية ولا يمثل جزءا من مشروع جنوب العراق التي تبلغ تكلفته 53 مليار دولار لمدة 30 عاما. وقالت الوزارة إن عدم التوصل إلى اتفاق حتى الآن مع إكسون لا يعني انتهاء المفاوضات أو اقصاء إكسون من المشروع.

خلاصة القول، ان اخفاق الحكومات العراقية السابقة في هدر الموارد والفرص وتنويع مصادر الدخل يحتم على الحكومة العراقية الحالية الالتفات جيدا والاستفادة من اخطاء الماضي. وفي ضوء التراجع المستمر لأسعار النفط فان الحفاظ على الكميات المصدرة شرط ضروري لتأمين الحد الادنى من الموارد المالية اللازمة لإدامة النشاط الاقتصادي في العراق بمدياته القائمة، ويُلزم ذلك السيد عادل عبد المهدي بعدم التهاون والسكون في نقطتين تخص القطاع النفطي: الاولى البنية التحتية للقطاع النفطي وادامة الحقول النفطية، والثانية تأمين منافذ تصدير بديلة لمرافىء الجنوب البحرية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0