بقلم: جيفري فرانكل

كمبريدج ـ بدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تتصاعد مجددًا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة عن خطط لفرض تعريفة بنسبة 10٪ على الواردات من الصين بقيمة 300 مليار دولار التي تركها حتى الآن دون أن يمسها شيء. ثم سمحت السلطات الصينية لعملتها، الرنمينبي، بالانخفاض إلى ما دون العتبة الرمزية البالغة 7 يوان صينية لكل دولار أمريكي. وردت إدارة ترامب على الفور باتهام الصين "بالتلاعب بالعملة" - وهي المرة الأولى التي تتهم فيها الولايات المتحدة دولة منذ 25 عامًا. وأعلن الخبراء حرب العملات، وأرسل المستثمرون فورًا أسواق الأسهم العالمية إلى الأسفل.

لقد أخطأت الإدارة الأمريكية حين ادعت أن الانخفاض الأخير في قيمة الرنمينبي وصل إلى حد التلاعب بالعملة. سيكون من الأصح القول إن السلطات الصينية استسلمت لضغوط السوق - ولم يكن مصدرها الفوري سوى إعلان ترامب عن التعريفات الجديدة.

تقول النظرية الاقتصادية إن التعريفات لا تحسن الميزان التجاري للبلاد بالطريقة التي يعتقد أنصارها. عندما يتم تحديد سعر الصرف في السوق، فإنه يتحرك تلقائيًا لموازنة التعريفة. بشكل حدسي، إذا كانت التعريفات لا تشجع المستهلكين الأمريكيين على شراء السلع الصينية المستوردة ، فإن الطلب على الرنمينبي سيضعف، وسيخفض سعر العملة.

إن مهمة تقييم ما إذا كان الشركاء التجاريون لأمريكا يتلاعبون بعملاتهم تقع على عاتق وزارة الخزانة الأمريكية، التي تستخدم ثلاثة معايير. يلتقي اثنان منهما مع معايير متفق عليها دولياً بموجب مواد اتفاقية صندوق النقد الدولي: التدخل المستمر أحادي الجانب من قبل الدولة لخفض قيمة عملتها، وفائض كبير في الحساب الجاري. لا تنطبق أي من هذه المعايير على الصين اليوم.

منذ أن أسند الكونجرس الأمريكي هذه المهمة إلى وزارة الخزانة في عام 1988، أنجزت الوزارة مهمتها بشكل مهني، بغض النظر عن من كان في البيت الأبيض. إن القرار المفاجئ بتهمة الصين على أنها تناور بالعملة، على الرغم من أن المعايير الدولية لا تفيد ذلك، هو حالة أخرى من قفز ترامب بلا هوادة على هذه المعايير الراسخة، وعلى الخبرة المهنية، والمصداقية الطويلة للمؤسسات الأمريكية، وحتى المعنى البسيط للقانون .

مما لا شك فيه أن الصين تحركت فيما مضى لإبقاء الرنمينبي بأقل من قيمته الحقيقية. من 2004 إلى منتصف 2014، وخاصة في 2004-2008، تدخلت السلطات الصينية بشكل مكثف لإبطاء ارتفاع العملة المدفوع بالأسواق. خلال فترة العشر سنوات هذه، كان الرنمينبي يقدر بنسبة 30٪ مقابل الدولار، وبلغ ذروته في عام 2014.

ثم تغيرت الأمور، وانقلبت معنويات السوق ضد الرنمينبي. على مدى السنوات الخمس الماضية، على عكس ما يزعم ترامب وبعض السياسيين الأمريكيين الآخرين، تدخلت السلطات الصينية لإبطاء انخفاض قيمة العملة. في عامي 2015 و2016 ، أنفق بنك الشعب الصيني تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي (من إجمالي 4 تريليونات دولار) في محاولة لدعم سعر الصرف - وهو أكبر تدخل في التاريخ لدعم قيمة عملة ما.

إن قرار السلطات الصينية الأخير بالسماح للرينمنبي بخرق حاجز 7 يوان صينية ربما كان استجابة متعمدة لهجوم ترامب الأخير على الرسوم الجمركية. ومع ذلك، في نفس الوقت، لا تزال الصين تشعر بالقلق أن عملتها قد تنزلق بسرعة كبيرة للغاية وتزعزع استقرار الأسواق المالية.

ترامب، في الوقت نفسه، هو سيد اتهام الآخرين بالتجاوزات التي ارتكبها هو أو يفكر في ارتكابها. بينما يتهم الصين بالتلاعب بالعملة، فإنه يريد أن يفعل الشيء نفسه مع الدولار. ترامب غير راضٍ عن الضغط العلني على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لخفض أسعار الفائدة، ولذا يحاول بشكل صريح خفض العملة. ومن الواضح أنه يعتبر العالم بمثابة لعبة للتنافس من أجل خفض قيمة العملة.

نظرت إدارة ترامب في إمكانية التدخل مباشرة في سوق الصرف الأجنبي لإضعاف الدولار. ("يمكنني فعل ذلك في ثانيتين إذا أردت" ، صرح ترامب في 26 يوليو).

لكن هذه الخطوة تبدو غير محتملة. آخر محاولة أمريكية لخفض قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، وهي "اتفاق بلازا 1985" ، لم تنجح إلا لأنها كانت جزءًا من مبادرة منسقة لمجموعة السبع لتصحيح اختلال معترف به في سعر الصرف.

إذا خاضت أمريكا الآن حربًا نقدية حقيقية ضد الصين، فستجد نفسها متجاوزة، لأن وزارة الخزانة الأمريكية ليس لديها سوى جزء ضئيل من قوة الضغط المتاحة للسلطات الصينية للتدخل في النقد الأجنبي. علاوة على ذلك، وبغض النظر عن مدى جنون السياسة الأمريكية، يواصل المستثمرون الرد على أي زيادة في حالة عدم اليقين العالمي من خلال تكديسهم للدولار، العملة الأولى في العالم كملاذ آمن. وبالتالي، يمكن أن يؤدي تقلب سياسة ترامب إلى ارتفاع الدولار بدلاً من انخفاضه.

وبصورة أعم، التزمت الحكومات الكبرى حتى الآن باتفاق عام 2013 بالامتناع عن التنافس لخفض قيمة العملة، بالمعنى الواضح الامتناع عن خفض العملات أو التدخل في أسواق الصرف الأجنبي. ولكن إذا تم تعريف حروب العملة بصفة أعم لتشمل قرارات البنوك المركزية لتخفيف السياسة النقدية مع الآثار الجانبية المتمثلة في انخفاض قيمة عملاتها ، فإن طواحين الهواء التي يتخبط فيها ترامب بشكل غير مباشر قد تصبح واقعية. على سبيل المثال، استجاب بنك إنجلترا لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بحوافز نقدية خفضت من قيمة الجنيه. في الآونة الأخيرة، أشار البنك المركزي الأوروبي إلى مزيد من التيسير في السياسة النقدية استجابة لتباطؤ نمو منطقة اليورو.

لقد كانت المخاوف من حروب العملة (أو التنافس من أجل انخفاض العملة) تسير دائمًا جنبًا إلى جنب مع الرغبة في تجنب الحروب التجارية. سبب هذه المخاوف سياسة "فقٍر جارك " التي كانت متبعة خلال فترة الكساد العظيم، عندما حاولت البلدان الحصول على ميزة تنافسية على حساب شركائها التجاريين في ممارسة غير مجدية جماعيًا.

ولكن في الحقيقة حروب العملات أقل ضرراً من الحروب التجارية. في حين أن حرب العملة من المحتمل أن تؤدي إلى سياسة نقدية عالمية أكثر مرونة، فإن حرباً تجارية شاملة قد تعرقل الاقتصاد العالمي والأسواق المالية عن مسارها.

يمثل وصف الولايات المتحدة الصين كمتلاعبة بالعملة تصعيدًا إضافيًا للحرب التجارية التي يمكن تجنبها بين البلدين. للأسف، قد يعطي تخفيض أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الساسة الأمريكيين الانطباع بأن السياسة النقدية يمكنها إصلاح الضرر الناجم عن أخطاء سياستهم التجارية.

* جيفري فرانكل، أستاذ في كلية كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد، وشغل سابقا منصب عضوا في مجلس الرئيس بيل كلينتون للمستشارين الاقتصاديين
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2