بقلم: روجر فارمر

لندن ــ تبلغ القيمة الحالية لالتزامات حكومة الولايات المتحدة المتعلقة بالرواتب التقاعدية والرعاية الطبية غير الممولة 46.7 تريليون دولار، أو ما يقرب من ضعفي ونصف الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الرقم أعلى من ذلك بكثير. وفي المملكة المتحدة، يشير تقدير مماثل أجراه معهد آدم سميث إلى "قنبلة موقوتة من الديون المستترة" تقدر بقيمة 1.85 تريليون جنيه استرليني (2.34 تريليون دولار). ولا يختلف الوضع في سويسرا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا والنمسا وإسبانيا عن ذلك كثيرا. في الواقع، يبدو أن جميع الاقتصادات المتقدمة تواجه مشكلة في التمويل العام.

أو ربما لا.

ماذا لو كان هناك بالفعل حلًّا بلا تكاليف؟ ماذا لو كانت هناك طريقة لجمع الأموال اللازمة لدفع تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية، مثل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، دون فرض المزيد من الضرائب؟ في الواقع، هناك حل: ينبغي على الخزانات الوطنية إنشاء صناديق رعاية اجتماعية تقترض الأموال بأسعار فائدة مخفضة وتستثمر العائدات في سوق الأسهم.

وفقا لدراسة شملت بيانات مستمدة من 16 اقتصادا متقدما على مدى قرن من الزمان، كانت عائدات الاستثمار في الأسهم أعلى بنسبة 6.96٪، في المتوسط، عن عائدات السندات الحكومية. وكان هناك اتساق ملحوظ في النسب عبر تلك البلدان. حيث سجلت الدنمارك أقل نسبة من علاوات مخاطر الأسهم، والتي بلغت 3.8٪، في حين كانت اليابان صاحبة النسبة الأكبر، 9.89٪.

هناك بعض الأدلة على أن علاوة مخاطر الأسهم قد انخفضت بنسبة قليلة في السنوات الأخيرة، لذلك دعونا نفترض بشكل متحفظ أنها ستبلغ حوالي 4٪ على مدى السنوات الخمسين المقبلة. هذا يعني أن الحكومات ستكون قادرة على الاقتراض من الجمهور بمعدل يقل بنسبة 4٪ عن مستوى عائدات سوق الأوراق المالية. كيف يمكن أن يحدث ذلك، ولماذا لم يستغل بعض المستثمرين الأثرياء علاوة مخاطر الأسهم هذه في إجراء عمليات المراجحة؟

في هذا السياق، من المفيد لنا أن ننظر إلى أسواق الأصول باعتبارها وسيلة للسماح بعقد الصفقات بين أنواع مختلفة من الناس، وعلى وجه التحديد السماح للشباب بالادخار تحسبا لتقدمهم في السن. إن اتباع هذا النهج يعني أن تقلبات السوق لا علاقة لها بالأسس الاقتصادية. بل إنها تعكس الروح المعنوية للمستثمرين، الذين ينخرطون في عمليات بيع وشراء الأسهم والأوراق المالية، والتي تغذيها موجات ذاتية التحقق من التفاؤل والتشاؤم. ووفقا لهذه الرؤية، تحدث التقلبات لأن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين سنتداول معهم أنا وأنت في الأسواق المالية مستقبلا لم يولدوا بعد.

في كتابي "الرخاء للجميع"، أسمي هذا التفسير "غياب عقد ما قبل الولادة". لنفترض أن هناك مثل هذه العقود في عالم بديل. في هذا العالم التخيلي، سيشتري الذين لم يولدوا بعد أصولا تؤتي ثمارها في الأوقات العصيبة، وسوف يدفعون علاوة في الأوقات الجيدة. وربما، على نحو مثير للدهشة، يقضي وجود هذه التبادلات في حد ذاته على تقلبات السوق في المقام الأول. لكن في الواقع، تعاني أسواق الأصول من التقلبات لأن الذين لم يولدوا بعد غير قادرين على استغلال فرص المراجحة. وتنعكس هذه الفرص على علاوة مخاطر الأسهم.

ولكن، على الرغم من أن الأجيال المقبلة ليست بيننا الآن للتداول في أسواق الأصول، يمكن للخزانات الوطنية التداول نيابة عنهم. هناك غنيمة مجانية هائلة تلوح في الأفق. لا نستطيع نحن استغلال هذه الغنيمة، ولا يستطيع بيل جيتس أو جورج سوروس استغلالها أيضا. فقط خزانات الدول ذات السيادة هي الغنية بما يكفي لمراجحة علاوة مخاطر الأسهم، لأنها وحدها التي يمكن أن تتداول نيابة عن الذين لم يولدوا بعد.

لكي نرى كيف يحدث ذلك على أرض الواقع، لنأخذ في الاعتبار المملكة المتحدة. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا حوالي 2 تريليون جنيه استرليني، وقيم جميع الأسهم المتداولة في مؤشر FTSE 100 متساوية تقريبا. ستحتاج وزارة الخزانة البريطانية أولا إلى تحديد الأصول التي ترغب في شرائها. وقد اقترحت سابقا أنها يجب أن تشتري صندوق مؤشرات شامل مُرجح بالقيمة يضم جميع الأسهم المتداولة بشكل عام. وبعد ذلك، ستقوم الخزانة باقتراض الأموال والاستثمار في صندوق المؤشرات.

أقترح أيضا أن تبدأ وزارة الخزانة في المملكة المتحدة على نطاق صغير - على سبيل المثال، بإنشاء صندوق للرعاية الاجتماعية بقيمة 100 مليار جنيه استرليني. وبافتراض وجود علاوة مخاطر الأسهم بنسبة 4٪، فإن استثمار هذا المبلغ في الأسهم سيحقق عائدا قيمته 4 مليارات جنيه استرليني سنويا في المتوسط، وهذا يساوي تقريبا ما تحصّله المملكة المتحدة حاليا من ضرائب التركات كل عام. هذا ليس قدرا ضئيلا من المال، ولكنه لا يكفي لسد الفجوة في المعاشات التقاعدية بين الجنسين.

ومع ذلك، إذا نجحت تجربة بهذا الحجم، فيمكن تكثيف البرنامج. إذا اقترضت وزارة الخزانة تريليون جنيه استرليني، أي ما يعادل حوالي 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة، واستثمرت هذا المبلغ في صناديق المؤشرات، ستبلغ الإيرادات المتوقعة حوالي 40 مليار جنيه استرليني سنويا - وهذا لا يقل كثيرا عما تجمعه المملكة المتحدة حاليا من ضريبة الشركات. هذا مبلغ ضخم من المال، وتبلغ قيمته الحالية 1 تريليون جنيه استرليني إذا جرت رسملته بنسبة 4٪.

ماذا لو فقدت الحكومة كل ما تملك؟ أليس انهيار السوق بنسبة 10٪ أو 20٪ كفيلا بتدمير الموارد المالية العامة في المملكة المتحدة؟

الإجابة لا. ففي معظم الاقتصادات المتقدمة، تحصل الحكومات على ما يعادل 40٪ على الأقل من إجمالي الناتج المحلي من عائدات الضرائب. وتبلغ القيمة الصافية الحالية لتلك العائدات، إذا ما جرت رسملتها بنسبة 4٪، عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. لذلك، تتمتع الحكومات بإمكانيات مالية كبيرة يمكن من خلالها تحريك الأسواق عند الحاجة. ومن ناحية أخرى، يمكن أن تختار الخزانة الوطنية استيعاب خسائرها بالخروج من حالة ركود كبيرة. بعد كل شيء، لا يمكن أن تظل الأسواق متقلبة بقدر ما يمكن لخزانات الاقتصادات الضخمة والمتقدمة أن تبقى قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

أنا لست من عشاق التدخل الحكومي في الأسواق. ويجب على كل من يشير إلى أن هناك حلًّا مجانيا أن يشرح أولا ما يمكن للحكومات فعله ولا يستطيع الأفراد القيام به. لكن الشرح بسيط في هذه الحالة: يمكن للحكومات عقد الصفقات نيابة عن الذين لم يولدوا بعد، وهذا من شأنه أن يجعلنا جميعا في وضع أفضل. من المؤكد أن هذه طريقة أفضل لدفع تكاليف الرعاية الاجتماعية من قبل الخزانات الوطنية بدلا من محاولة انتزاع 40 مليار جنيه استرليني سنويا من السكان الذين أنهكتهم الضرائب بالفعل.

* روجر فارمر، أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة وارويك، ومدير الأبحاث في المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، ومؤلف كتاب "الازدهار للجميع: كيفية منع الأزمات المالية".
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0