بقلم: روبرت دوجر

الإسكندرية/ فرجينيا - في تعليق حديث نشرته مجلة بروجيكت سنديكيت الأمريكية، يدافع جيمس ك. جالبرايث (من جامعة تكساس في أوستن) عن النظرية النقدية الحديثة ويصحح بعض سوء الفهم حول العلاقات بين النظرية النقدية الحديثة، والعجز الفيدرالي الأمريكي، واستقلال البنك المركزي. لكن جالبرايث لم يتمكن من تحديد أهم قضية على الإطلاق: الظروف السياسية اللازمة لتنفيذ هذه النظرية بشكل فعال.

تكمن أهمية النظرية النقدية الحديثة المتجددة في كون الانكماش، بدلاً من التضخم، أصبح الشاغل الرئيسي للبنوك المركزية. يمثل الانكماش تهديداً خطيراً للغاية بالنسبة لبلد يعاني من ارتفاع معدل الديون والعجز مثل الولايات المتحدة، لأنه يؤخر الاستهلاك ويثير مخاوف المدينين. يتخلى المستهلكون عن مشتريات مهمة حيث يتوقعون أسعارا أرخص في المستقبل. وقد قام أصحاب المنازل الذين لديهم رهن عقاري بخفض إنفاقهم عندما شهدوا انخفاض أسعار المنازل وانخفاض معدلات الأسهم في بلدانهم. تثير هذه التخفيضات مخاوف مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لأنها تزيد من الضغوط الانكماشية ويمكن أن تسبب المزيد من خفض الإنفاق، وتراجع سوق الأسهم، وتقليص المديونية على نطاق واسع.

يُشير فشل البنك الاحتياطي الفيدرالي حتى الآن في تحقيق هدف التضخم السنوي البالغ 2٪ إلى افتقاره للوسائل اللازمة للتغلب على قوى الانكماش المستمرة في الاقتصاد، والتي تشمل: زيادة تركيز السوق في الولايات المتحدة، مما يقلل من إجمالي الطلب من خلال إضعاف قوة المساومة للعمال وزيادة عدم المساواة في الدخل؛ وشيخوخة السكان؛ ونقص الاستثمارات الكافية في البنية التحتية والحد من تغير المناخ؛ واستبدال العمالة بالتكنولوجيا. ومما زاد الطين بلة، يؤكد الجمود السياسي في الولايات المتحدة استمرار الالتزام باستراتيجيات غير فعالة اقتصاديا، مثل التخفيضات الضريبية على الأثرياء، على حساب الاستثمار في التعليم وغيرها من مصادر النمو على المدى الطويل. تتطلب هذه الشروط تغييرات كبيرة في سياسات الإنفاق والضرائب للحكومة الأمريكية.

تُعتبر النظرية النقدية الحديثة وسيلة لإجراء التغييرات اللازمة. فهي تُمكن الحكومة من إنفاق ما تريده إذا اقترضت بعملتها الخاصة ويمكن لبنكها المركزي شراء أكبر قدر ممكن من الديون الحكومية - طالما أن ذلك لا يخلق تضخماً مرتفعاً بشكل غير مقبول. يدعم كل من مؤيدي خفض الضرائب ومؤيدي الاستثمار العام هذه النظرية.

تعرضت النظرية النقدية الحديثة لانتقادات عديدة من قبل الاقتصاديين في المجال السياسي، من كينيث روجوف ولورنس هـ. سامرز من جامعة هارفارد إلى بول كروغمان من جامعة سيتي في نيويورك. يزعم الجميع أنها حجة سياسية مُستترة كنظرية اقتصادية. ومع ذلك، يرى كل من جالبريث وراي داليو من شراكة بريدجووتر النظرية النقدية الحديثة بشكل مختلف. يجادل داليو بأن نظرية النقد الحديثة هي نظرية صحيحة، والأهم من ذلك أنها خطوة نقدية حتمية خلال فترات الركود المتكررة تاريخياً في دورات الديون.

يشير داليو في كتابه "مبادئ تجنب أزمات الديون الكبيرة" إلى الخطوات التي اتخذتها البنوك المركزية في الماضي عند مواجهة انهيار اقتصاد مزدهر تحت وطأة الديون. تتمثل الخطوة الأولى (السياسة النقدية الأولى، أو MP1) في خفض أسعار الفائدة الرسمية بشكل مفاجئ لتحفيز الإقراض والاستثمار. تتضمن السياسة النقدية الثانية (MP2) شراء السندات الحكومية (التيسير الكمي) لدعم أسعار الأصول ومنع موجات خفض الديون المستمرة. إذا لم تكن السياسة النقدية الأولى والثانية كافية لوقف الانكماش، فستتخذ البنوك المركزية الخطوة الثالثة (النظرية النقدية الحديثة، والتي يطلق عليها داليو السياسة النقدية الثالثة) وستواصل تمويل أولويات الإنفاق التي يعتبرها القادة السياسيون أكثر أهمية. يمكن أن تتراوح الأولويات بين تمويل المشاريع الوطنية الكبرى وتحويل "أموال طائرات الهليكوبتر" مباشرة إلى المستهلكين.

تحقيق اتفاق سياسي حول ما يجب تمويله وكيف أمر ضروري لتنفيذ السياسة النقدية الثالثة بشكل فعال. في أزمة مالية أو غيرها من حالات الطوارئ الوطنية الأخرى، تكون هناك حاجة ماسة إلى وحدة سياسية وطنية واتخاذ إجراءات فورية. تتطلب الوحدة إجماعًا قويًا على ما ينبغي تمويله. وتتطلب السرعة وجود مؤسسة موثوقة لتوجيه الإنفاق.

في أوائل الأربعينيات، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية وأصبح الفوز في الحرب من أولويات الحكومة القصوى، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تنفيذ السياسة النقدية الثالثة بشكل كامل. لم يقتصر الأمر على تحديد أسعار الفائدة القصيرة والطويلة الأجل لسندات الخزينة، بل اشترت أيضًا أكبر قدر ممكن من السندات الحكومية لتمويل الجهود الحربية. كانت السياسة النقدية الثالثة ممكنة لأن الحرب وحدت البلاد سياسياً ومنحت حكومة روزفلت تحكما شبه استبدادي على الاقتصاد.

يتمثل الضعف الأساسي في الدفاع عن النظرية النقدية الحديثة والسياسة النقدية الثالثة في عدم وجود تفسير لكيفية تحقيق الوحدة السياسية فيما يتعلق بالتمويل وكيفية توجيهه. إن هذا الأمر غير مُبرر. يقترب إجمالي ديون الولايات المتحدة (كحصة من الناتج المحلي الإجمالي) من المستويات المرتبطة بالانهيارات المالية السابقة، وهذا لا يفسر حتى الديون الخفية المرتبطة بصيانة البنية التحتية، وارتفاع مستويات البحر، والمعاشات غير الممولة. نظرا إلى الأسباب التي حددها داليو، فإن أزمة ديون الولايات المتحدة التي تتطلب تنفيذ السياسة النقدية الثالثة، هي مسألة حتمية.

السؤال الحاسم الذي يجب أن يجيب عليه أي جهد لتحقيق الوحدة السياسية هو ما الذي يفسر الإنفاق المبرر. قدم ألكساندر هاملتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، إجابة واضحة في عام 1781: "إذا لم يكن الدين الوطني مفرطًا فسيكون بمثابة نعمة وطنية". تُصبح ديون الحكومة "مفرطة" إذا لم يتم سدادها بسبب إنفاق عائداتها بطرق لا تزيد من الثروة الوطنية بما يكفي لسداد الديون. من شبه المؤكد أن الديون الناتجة عن التخفيضات الضريبية التي يتم إنفاقها على اليخوت الضخمة ستكون مفرطة؛ قد لا تكون الديون المتكبدة لتحسين النتائج التعليمية، أو الحفاظ على البنية التحتية الأساسية، أو معالجة تغير المناخ، مفرطة للغاية. وفقًا لذلك، سيكون من الأسهل تحقيق الوحدة السياسية إذا تم إنفاق عائدات عملية تنفيذ السياسة النقدية الثالثة على العديد من الأولويات مثل التعليم أو البنية التحتية أو المناخ.

إن الاختبار السياسي لتبرير الإنفاق الحكومي الممول للسياسة النقدية الثالثة، واضح للغاية: هل ستفترض الأجيال المقبلة أن هذه القروض لم تكن "مفرطة"؟ يقول معظم الأمريكيون الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية إن الديون المتكبدة للفوز في تلك الحرب كانت مبررة، وكذلك الدين الذي مول بناء نظام الطرق السريعة بين الولايات، والذي مهد حرفيًا الطريق لنمو أقوى.

وكما أظهرت تجربة الثلاثينيات والأربعينيات، تُعد السياسة النقدية الثالثة عنصرا طبيعيًا في استجابة الحكومة لأزمة الديون القوية والأزمات السياسية التي أثارتها. نحن نعلم اليوم الكثير عن ما يسهم في النمو الاقتصادي والاستدامة أكثر مما كنا نعرفه في النصف الأول من القرن العشرين. من أجل تسريع الانتعاش بعد الانكماش المقبل، نحتاج الآن إلى تحديد أنواع الإنفاق التي ستسهم بشكل كبير في الانتعاش المستدام والتي سوف يُنظر إليها مستقبلا على أنها الأكثر تبريرًا من قبل الأجيال الأميركية القادمة. نحتاج أيضًا إلى تحديد المؤسسات لتوجيه الإنفاق. هذه هي مفاتيح بناء الوحدة السياسية التي تتطلبها النظرية النقدية الحديثة. لمعرفة ما يجب تمويله وكيف، يمكن للأجيال القادمة إرشادنا إلى الطريق الصحيح؛ نحن بحاجة فقط إلى وضع أنفسنا في مكانهم.

* روبرت دوجر، الشريك الإداري في هانوفر بروفيدنت كابيتال، ذ م م.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0