مارتن فيلدشتاين

كمبريدج ــ في وقت سابق من هذا الشهر، صوتت اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة المعنية بوضع سياسات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بالإجماع على قرار بزيادة سعر الفائدة قصيرة الأجل بواقع ربع نقطة مئوية، لترفعه من 2.25% إلى 2.5%. وكانت هذه الزيادة الرابعة من نوعها خلال اثني عشر شهرا، وهي سلسلة جرى التخطيط لها منذ عام، كما أشار أعضاء لجنة السوق الفدرالية للسوق المفتوحة إلى أنه ستكون هناك أيضا زيادتان أخريان بمقدار ربع نقطة في 2019. لكن سرعان ما قوبل الإعلان باستياء واسع النطاق.

علق المنتقدون بأن الربع الحالي شهد تباطؤا في النمو الاقتصادي، وأن مقياس التضخم المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفدرالي (وهو معدل زيادة سعر نفقات المستهلك) قد هبط إلى ما دون الهدف الرسمي المحدد باثنين بالمئة. وإذا أخذنا في الاعتبار تصريحات مجلس الاحتياطي الذي طالما أعلن أن سياسته الخاصة بسعر الفائدة "تعتمد على البيانات"، فلماذا دفع قدما في تنفيذ خطته المعلنة سلفا لمواصلة إحكام الأوضاع النقدية؟

لم يعط بيان اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة الذي أعلن الارتفاع الأخير في سعر الفائدة سببا واضحا لهذا الارتفاع، كما لم يعط التعقيب الذي أدلى به جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، خلال مؤتمره الصحفي، سببا للمداومة على زيادة سعر الفائدة المخططة سلفا رغم التباطؤ الاقتصادي.

يعتمد تحديد المستوى الملائم لسعر الصرف على الموازنة بين مجموعة متغيرة من الاعتبارات. فما هي إذا الاعتبارات التي يحتمل أن تكون اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة قد وضعتها في حسبانها لتقرير رفع سعر الفائدة هذا الشهر والتخطيط لسعر أعلى في 2019؟

هناك ثلاثة احتمالات، الأول: أن يكون المستوى الحالي لسعر الفائدة الحقيقي (المعدل حسب التضخم) متدنيا بشكل لافت. فقد بلغ أحدث معدل سنوي للتضخم مستوى 2.2%، وذلك قياسا على الارتفاع في مؤشر أسعار المستهلك. وبطرح هذا التضخم من سعر الفائدة الاسمية على الأموال الفدرالية ومقداره 2%، فإن هذا يعني أن سعر الفائدة الحقيقي سلبي بعض الشيء قبل الزيادة الأخيرة، وقريب من الصِفر حتى بعدها.

إن سعر فائدة حقيقيا عند مستوى الصِفر ربما كان مناسبا في اقتصاد يعاني من الكساد الشديد، وليس في اقتصاد شهد هذا العام نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد عن 3%، ومعدل بطالة منخفضا بشكل استثنائي لم يتجاوز 3.7%، وهو ما يعد أدنى بكثير من تقديرات مجلس الاحتياطي الفدرالي نفسه للمستوى الذي يمكن تحمله لمعدل البطالة، حيث وصلت التقديرات إلى 4.4%.

وقد يخلق سعر فائدة حقيقي منخفض للغاية عديدا من المشكلات الخطيرة. فعندما تنخفض تكلفة رأس المال، تسرف الشركات في الاقتراض. كما تسعى حينها البنوك وجهات الإقراض الأخرى لتحقيق عائدات بإقراض مقترضين منخفضي الجودة وتخفيف شروط القروض. وقد يرفع المستثمرون في الحوافظ المالية سعر الأسهم لمستويات لا يمكن تحملها. كذلك تستسلم الحكومات لإغراء تحقيق عجز ضخم لأن تكلفة فائدة خدمة الدين الناتج تكون أقل نسبيا.

ثمة سبب ثان لرفع سعر الفائدة يكمن في احتياج اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة إلى مستوى أعلى الآن حتى يمكنها خفض أسعار الفائدة لاحقا، وتحديدا خلال الانكماش الاقتصادي التالي عندما تحتاج اللجنة لتحفيز الطلب. استمر التوسع الحالي، الذي يعد واحدا من أطول التوسعات الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، 114 شهرا حتى الآن منذ التعافي الذي بدأ في يونيو/حزيران 2009. ورغم أن التوسعات لا آجال لها، فهناك من العلامات التحذيرية ما يكفي، بما في ذلك هبوط أسعار الأسهم، وضعف قطاع الإسكان، وحدوث انكماشات في دول أوروبية كبرى، فضلا عن المستوى المتذبذب للصادرات الأميركية، مما يوحي بأن الركود التالي قد يبدأ خلال العامين التاليين.

خلال الانكماشات الثلاثة الماضية، خفض الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة على الأموال الفدرالية بمقدار خمس نقاط مئوية، و4.8 نقطة مئوية، و5.3 نقطة مئوية. لكن في ظل مستوى يبدأ من 2%، فلن يكون باستطاعته تقليل سعر الفائدة على الأموال الفدرالية إلا بمقدار نقطتين مئويتين قبل ملامسة الصفر. ورغم قيام البنك الوطني السويسري والبنك المركزي الأوروبي بخفض أسعار الفائدة الرئيسة لديهما إلى ما دون الصفر، فقد أوجد هذا الإجراء مشكلات لشركات الصرافة والتأمين التابعة لهما. وعلاوة على ذلك، ليس من الواضح ماهية المشكلات الإضافية التي ستحدث عند قيام هذين البنكين المركزيين برفع أو تطبيع أسعارهما.

أما السبب الثالث المحتمل لنزوع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة لرفع سعر الفائدة فقد يكون إعادة السعر الحقيقي إلى المستوى "المحايد". وقد ذكر بعض الاقتصاديين أن السعر المحايد، ويقصد به المستوى الذي لا يرفع أو يخفض الطلب الكلي، والذي غالبا ما يشار إليه بالرمز r*، قد هبط بشكل كبير في السنوات الأخيرة. لكن السعر المحايد ليس رقما يمكن حسابه بطريقة مباشرة وصريحة كمعدل التضخم، إذ يجب تقديره بنموذج اقتصادي معقد. وقد أكد باول وآخرون على صعوبة معرفة قيمة هذا المستوى "المحايد".

وأرى أن الحسابات التي تعنى ضمنا هبوط القيمة المقدرة للسعر المحايد بشكل حاد في السنوات الأخيرة تعكس فعلا تناقص سعر الفائدة الذي وضعه الاحتياطي الفدرالي والبنوك المركزية الأخرى. ففي الماضي، كان يُفترض بشكل عام أن تساوي القيمة الحقيقية للسعر المحايد نحو 2%. لكن نظرا لاقتراب السعر الحقيقي الحالي من الصفر، فهناك حاجة لزيادات كبيرة للعودة إلى المستوى المحايد التقليدي.

هذه الأسباب الثلاثة، وربما أسباب أخرى، تبرر رؤية اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة المتعلقة بسعر الفائدة الحالي كونه منخفضا للغاية ويحتاج للرفع. وإن كان هناك من شيء يمكن قوله، فإن الزيادات الأخيرة قد تكون ــ للأسف ــ قليلة أو متأخرة للغاية.

* مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد والرئيس الفخري للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، وترأس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس رونالد ريجان من 1982 إلى 1984. وفي عام 2006، تم تعيينه في المجلس الاستشاري للمخابرات الخارجية للرئيس بوش، وفي عام 2009، تم تعيينه في المجلس الاستشاري للإنعاش الاقتصادي للرئيس أوباما. وهو حاليا عضو في مجلس إدارة مجلس العلاقات الخارجية، واللجنة الثلاثية، ومجموعة الثلاثين
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
يونسا عثمانو
کامرون
Good idea2019-01-27

مواضيع ذات صلة

1