اقتصاد - مقالات اقتصادية

التضخم الصامت

روبرت جيه شيللر

 

نيو هيفن - في العقود الأخيرة، أصبح التضخم منخفضًا ومستقرًا للغاية في العديد من البلدان، ويبدو أنه قد اختفى تماما. في حين كان يُنظر إلى التضخم السريع على أنه المشكلة الاقتصادية الأساسية، إلا أن معظم الناس اليوم - على الأقل في البلدان المتقدمة - لا يتحدثون عن هذا الموضوع ولا يعيرونه أي اهتمام. لكن "التضخم الصامت" لا يزال له آثار خفية على قراراتنا، وقد يؤدي إلى الوقوع في العديد من الأخطاء.

منذ تحديد النموذج الأول من قبل البنك المركزي لنيوزيلندا في عام 1989، اتبعت السلطات النقدية في جميع أنحاء العالم سياسة تحديد أهداف التضخم (أو النطاقات المستهدفة) التي تكون أعلى من الصفر بشكل كبير. أي أن صناع السياسات يخططون للحصول على "التضخم المطرد". ما كان يُعتبر تعبيرا سيئا في الماضي، أصبح يتم الإعلان عنه علنًا، مع فرض الاعتدال.

تقوم أخبار البنك المركزي بتصنيف هذه الأهداف لـ 68 دولة. يستهدف البنك المركزي الأوروبي التضخم السنوي في عام 2018 عند "أقل من، وقريب من 2٪". في كندا واليابان وكوريا الجنوبية والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، فإن هدف التضخم لعام 2018 هو 2٪. تستهدف الصين والمكسيك معدل سعر سنوي بنسبة 3٪. في الهند وروسيا، المعدل المستهدف هو 4٪. ويصل إلى 5٪ في أوكرانيا وفيتنام، و6٪ في أذربيجان وباكستان.

تهدف بعض البلدان إلى تضخم ثنائي الرقم. حددت مصر هدفًا بنسبة 13٪، زائد أو ناقص 3٪، لهذا العام. لكن معظم البلدان حددت أهداف التضخم لعام 2018 ما بين 2٪ و6٪.

من الجدير ترجمة أهداف التضخم السنوية هذه إلى التضخم على المدى الطويل، مع افتراض أن الهدف لن يتغير في السنوات القادمة. إن التضخم بنسبة 2٪ سنويا سيصل إلى 22٪ على مدى عقد من الزمن، أو نسبة 81٪ على مدى 30 عاما. هذا سيجعل الأرقام المُقاسة بالعملة تبدو أكبر مع مرور الوقت، حتى لو لم يتغير أي شيء بالفعل.

ستزداد الأمور تعقيدا إذا أخذنا بعين الاعتبار معدل تضخم بنسبة 6٪. بهذه الوتيرة، سترتفع الأسعار بنسبة 79٪ خلال عشر سنوات وتقريباً بنسبة ستة أضعاف خلال 30 عامًا.

تُؤدي هذه السياسات إلى نوع من تضخيم الحاضر في عقول معظم الناس. إذا سألت شخصا يعيش في منزل لمدة 30 عامًا عن ثمنه، من المحتمل أن يبدو سعر الشراء منخفضا للغاية. إذا لم يكن يتذكر المرء آثار التضخم على جميع الأسعار، فقد يبدو أننا نعيش في حقبة جديدة ناجحة للغاية. مع التضخم الصامت، قد يكون من السهل نسيان أن الحقيقة أقل تعقيدا.

في نفس الوقت، في عصر الشائعات والأخبار المزيفة، يبدو العالم اليوم منفصلا عن التاريخ. وقد يخلق ذلك إحساسًا بالمخاطر الحقيقية.

وبالنسبة لمحافظي البنوك المركزية، فان استهداف التضخم له تأثيرات أخرى.

في كتابه المؤثر بعنوان "التضخم المستهدف" لعام 1998، نصح بن برنانكي ومؤلفيه المشاركين صناع السياسات بالإعلان عن معدل التضخم المستهدف لأنه يكشف عن "نوايا البنك المركزي"، والذي من شأنه أن "يقلل من حالة عدم اليقين". يجب أن يكون المعدل المعلن إيجابيا إلى حد كبير، لأنه إذا حاول المسؤولون الاقتراب من معدل الصفر، فإن أي خطأ قد يؤدي إلى الانكماش، وهو ما قد "يعرض النظام المالي للخطر ويسبب انكماشًا اقتصاديًا". وبصفته رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي في الفترة ما بين 2006 و2014، حدد برنانكي رسمياً معدل تضخم مستهدف في الولايات المتحدة في عام 2012 عند نسبة 2٪، وهو المستوى الذي تم الحفاظ عليه منذ ذلك الحين.

لكن الحد من حالة عدم اليقين بشأن الأسعار من خلال الحفاظ على مستوى التضخم المستهدف عند 2٪ أو أكثر قد يؤدي في الواقع إلى زيادة الشعور بعدم اليقين بشأن القضايا المهمة مثل أسعار المنازل أو الاستثمارات. في حين أن الانكماش الهائل يثير قلق الكثيرين، فإن العلاقة التاريخية بين الانكماش والكساد ليست قوية. في دراسة عام 2004، خلص الاقتصاديان أندرو أتيسكون وباتريك كيهو إلى أن معظم الأدلة على العلاقة بينهما ترجع إلى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين.

ويساعد تركيز وسائل الإعلام على السجلات الجديدة في خلق الانطباع بأن شيئا مهمًا قد حدث بالفعل، والذي يبرر اهتمام القراء أو المشاهدين. لكن في بعض الأحيان يكون هناك تلاعب في السجلات، خاصة عندما يتم وصف السجل بالقيمة الاسمية مع وجود تضخم ثابت. ونتيجة لذلك، فإن التشديد على السجلات يمكن أن يشجع على عدم احترام التاريخ ويزيد الشعور بالارتباك الذي نعيشه في أوقات مضطربة بشكل غير عادي.

على سبيل المثال، وضع سوق الأسهم سجلاً جديدًا، وذلك نتيجة للتضخم. وفي 5 فبراير/ شباط من هذا العام، تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 4.6٪، وهو أدنى بكثير من الانخفاض القياسي الذي بلغ 22.6٪ في 19 أكتوبر / تشرين الأول 1987. لكن التقارير الإعلامية تشير إلى أن انخفاض 5 فبراير/شباط هو أكبر انخفاض على الإطلاق ليوم واحد من حيث القيمة المطلقة (1175 نقطة حسب مؤشر داو جونز الصناعي). إن عرض هذا الانخفاض بطريقة مضللة ليس أمرا جيدا، وقد يشجع ذلك على نشر حالة من الذعر. كما تعرف تقلبات سوق الأوراق المالية تزايدا كبيرا، مع رفع المستوى العام للأسعار.

يمتد الوهم النقدي إلى انطباعات عن "قوة" الاقتصاد، كما لو كان المستوى المرتفع لنمو الناتج المحلي الإجمالي أو السوق الصاعدة من المؤشرات على صحة ما يسمى بالاقتصاد. ويتم الإبلاغ عن أرقام نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل تقليدي وفق شروط حقيقية (معدلة حسب التضخم)، وأرقام البطالة خالية من الوحدة. غير أن الإبلاغ عن أي مؤشر اقتصادي رئيسي آخر لا يتم تصحيحه بشكل عام بسبب التضخم.

قد يساهم هدف التضخم من بضع نقاط مئوية في تعزيز الاستقرار، وربما يحدث ذلك بالفعل. لكن ذلك قد يؤدي إلى مفاهيم خاطئة يكون لها تأثير معاكس على اتخاذ القرارات.

* روبرت جيه شيللر، الفائز في جائزة نوبل في الاقتصاد في 2013، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة ييل، وشارك في خلق مؤشر كيس شيلر لأسعار المساكن في الولايات المتحدة. ومؤلف كتاب من الوفرة الطائشة، التي توقع فيه الانهيار القادم من فقاعة العقارات، وكتاب التصيد لمرحلة ما قبل المدرسة: اقتصاديات التلاعب والخداع
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6