ARVIND SUBRAMANIAN

 

نيودلهي ــ تُرى هل توشك الهند على استعادة سحرها؟ مع تسارع صادرات البلاد بفضل التوسع الاقتصادي العالمي المتزامن اليوم، بدأت تنحسر التأثيرات السلبية المترتبة على سحب الأوراق المالية العالية القيمة من التداول واستنان قانون جديد للضرائب على السلع والخدمات في يوليو/تموز. وإذا تمكنت الهند من احتواء ضغوط الاقتصاد الكلي الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، وإدارة التصحيحات الحادة لأسعار الأصول المرتفعة، فإنها بهذا تصبح جاهزة لاستعادة مكانتها بوصفها الاقتصاد الرئيسي الأسرع نموا في العالَم.

لكن الجهود التي تبذلها الحكومة حاليا ستشكل المفتاح إلى إعادة تنشيط الاستثمار الخاص والحفاظ على النمو في الأمد المتوسط. وعلى وجه التحديد، يتعين على صناع السياسات الاقتصادية أن يعالجوا المشكلة التي طال أمدها والمتمثلة في الشركات المثقلة بالديون وبنوك القطاع العام التي تعاني من نقص رأس المال ــ أو ما يسمى "مشكلة الميزانية المزدوجة".

ولتحقيق هذه الغاية، اضطرت العديد من الشركات المتعثرة إلى تنظيف ميزانياتها بموجب قانون الإفلاس الجديد الذي تبنته الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2016، ومن المرجح أن تحذو حذوها شركات أخرى هذا العام. من ناحية أخرى، أعلنت الحكومة أيضا عن حزمة ضخمة لإعادة الرسملة (نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي) لدعم بنوك القطاع العام، حتى تتمكن من تسجيل أصولها المنهكة.

ومع ترسخ هذه الإصلاحات، ينبغي للشركات الهندية أن تتمكن مرة أخرى من استئناف الإنفاق، ولابد أن تتمكن البنوك مرة أخرى من إقراض قطاعات البنية الأساسية والتصنيع الحرجة ولكنها مثقلة بالديون. ولكن إذا استمر نجاحها، فإنها ستوفر دروسا قيمة لقادة المستقبل حول الدور اللائق الذي ينبغي للقطاع الخاص أن يلعبه ليس فقط في الهند بل وفي مختلف أنحاء العالَم.

في الهند، يستفز القطاع الخاص ــ والرأسمالية في عموم الأمر ــ مشاعر من التناقض العميق. ويرجع هذا إلى سبب وجيه، لأن القطاع الخاص في الهند لا يزال يحمل وصمة العار منذ ولادته بموجب "نظام التراخيص" في فترة ما قبل تسعينيات القرن العشرين ــ وهي الحقبة التي ارتبطت في الذاكرة بالروتين والفساد. وحتى يومنا هذا، يُعتَقَد أن بعض رجال الأعمال الأسطوريين في الهند شيدوا إمبراطوريات ببساطة من خلال الهيمنة على عملية وضع قوانين الرسوم والضرائب في الهند، ثم استغلالها بوقاحة لتحقيق مصالحهم الخاصة.

وقد جرى تطهير جزء من وصمة العار التي لحقت بالقطاع الخاص بفِعل طفرة ازدهار المعلومات والاتصالات التي بدأت في تسعينيات القرن العشرين. وقد تطور قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بفضل بعده، وليس قربه، من الحكومة. فقد تبنت شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الهندية معايير حوكمة مثالية، كما أدرجت على قوائم البورصات الدولية، وازدهرت في السوق العالمية. ومن ثَم، عملت على تحسين مكانة رأس المال الهندي.

ولكن بعد تلك الحقبة من الرأسمالية الجيدة، عادت الوصمة. فخلال فترة ازدهار البنية الأساسية في منتصف إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، جرى الاستيلاء على الموارد العامة بموجب "نظام الإيجار"، الذي عرض إيجارات أرضية (تصاريح الأراضي والبيئة)، وإيجارات تحت أرضية (الفحم)، بل وحتى إيجارات أثيرية (الطيف) لكل من يرغب في الفوز بها. وعلاوة على ذلك، كانت استثمارات البنية الأساسية في هذه الفترة ممولة بواسطة الإقراض المتهور غير الحكيم من قِبَل بنوك القطاع العام، والتي كثيرا ما كانت توجه الموارد نحو مقترضين مخاطرين ويتمتعون بصلات سياسية قوية.

ونتيجة لهذا، خلص الجمهور الهندي إلى استنتاج مفاده أن حاملي أسهم الأغلبية ("المروجين") لا يحق لهم الإدلاء بدلوهم في الأمر، وأن "المسؤولية المحدودة، كانت تعني في حقيقة الأمر عدم المسؤولية على الإطلاق. والآن بعد أن أصبح التغير التكنولوجي السريع يهدد نموذج أعمال قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ــ تقديم خدمات البرمجة المنخفضة التكاليف لعملاء أجانب ــ فإن حتى "أنظف" الصناعات الرأسمالية في الهند تواجه تحديات مرتبطة بالإدارة والحوكمة.

في عموم الأمر، بوسعنا أن نقول إن الهند ابتعدت عن "اشتراكية المحسوبية" واقتربت من "الرأسمالية الموصومة". وفي ظل الرأسمالية الموصومة، تسببت روح العصر السائدة في تقييد جهود صناع السياسات الرامية إلى معالجة إرث مشكلة الميزانية المزدوجة، والذي أدى بدوره إلى تقييد النمو.

الواقع أن مجرد الاعتقاد بأن ديون المساهمين الرئيسيين قد تُعفى على حساب دافعي الضرائب خلق نوعا من الشلل السياسي لسنوات. فلماذا يتعين على الناس العاديين تحمل العبء عن "القطط السمان" الذين يضحكون وهم في طريقهم إلى البنك؟

على هذه الخلفية، من الأسهل أن نفهم لماذا استغرقت الإصلاحات الاقتصادية في الهند كل هذا الوقت، ولماذا كان من الصعب للغاية تنفيذها. ففي نفس الوقت حيث كانت الحكومة مضطرة إلى حل مشكلة الميزانية المزدوجة، كان عليها أن تضمن عدم تمكن المروجين من استعادة القدرة على الوصول إلى أصولهم، وهو ما أدى إلى ارتفاع التكاليف المالية.

الواقع أن تجربة الهند في مرحلة مبكرة مع الرأسمالية تنطوي على دروس ينبغي لدول أخرى أن تضعها في الاعتبار في عصر عمالقة التكنولوجيا الصاعدة. وقد أثبت النموذج الهندي، الذي بموجبه قدمت بنوك القطاع العام القروض للشركات الخاصة، كونه سامّا للغاية ويصعب الاستعاضة عنه، حتى أن ملكية بنوك القطاع الخاص فقدت قدرا كبيرا من جاذبيتها الاشتراكية التقليدية. والمفارقة هنا أن أفضل شيء للهند الآن، بعد خبرة طويلة ومؤلمة مع اشتراكية المحسوبية، ربما يكون المزيد من الرأسمالية، بدءا من القطاع المالي.

يستند هذا التعليق إلى المسح الاقتصادي للهند الصادر للتو.

* أرفيند سوبرامانيان، كبير المستشارين الاقتصاديين لحكومة الهند
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1