بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

عوامل نشأة العقيدة

هناك مسألتان مهمتان لم تتعرض لهما الكتب الكلامية ولم تفرد لهما فصلا خاصاً، وانما اهتم بهما «علماء الاجتماع والمؤرخون، والمحلّلون النفسيّون» مؤخراً وهما:

١ ـ عوامل نشأة الاعتقاد بالله في الحياة البشرية.

2 ـ آثار العقيدة ودورها في حياة الانسان.

ثم ان طائفة من الغربيين الماديين الذين تركزت جهودهم على الغاء دور «الاعتقاد بما وراء المادة» وما يتبعها من قضايا الدين، عندما واجهوا تغلغل العقيدة الدينية في أعماق «التاريخ البشري» ولاحظوا وجودها في جميع عصوره وأدواره، وذلك عندما كشفت التنقيبات الأثرية عن وجود «التوجهات والاهتمامات الدينية» في عامة أدوار التاريخ، وفي جميع الحضارات المختلفة عمدوا الى تحليل هذه الظاهرة الموجودة على امتداد التاريخ، وتعليلها بعلل وعوامل منحوتة من لدن انفسهم ليبرروا بها هذه الظاهرة غير القابلة للانكار.

تعليل نشأة العقيدة بنزعة مادية:

وبما أنهم انطلقوا في معالجتهم للأمور من منطلق مادي فنظروا إلى هذه المسألة بمنظار مادي بحت، ودرسوها متأثرين بأفكار مسبقة حول الدين الذات نحتوا لهذه الظاهرة الملازمة الحياة الانسان عللا تنبع من نظرتهم المادية، واعطوا لوجودها تفسيرات توافق أفكارهم المسبقة، واقترضوا لها عوامل نفسية تارة، واجتماعية اخرى، واقتصادية ثالثة، متجاهلين الرابطة الحقيقية بين الانسان والاعتقاد، ومتغافلين السبب الواقعي الذي تهدى إليه النظرة العلمية المتجردة الى مسألة العقيدة في الحياة البشرية.

ولو انهم تجردوا عن تلك النزعة المادية والافكار المسبقة ونظروا إلى هذه المسألة بمنظار الفاحص المتتبع لما ذهبوا الى تلكم الفرضيات، ولقادهم الفحص الدقيق الى أمر آخر.

ثم انه لو سأل سائل: وكيف تدّعون سريان الاعتقاد الديني في جميع أدوار التاريخ ووجوده في جميع المجتمعات البشرية في الماضي والحاضر، والحال أن هناك معسكراً كبير هو المعسكر الشرقي يرفض الدين ولا يعتقد بما وراء المادة؟

والاجابة على ذلك واضحة فان ما نجده في هذا المعسكر من الالحاد، ورفض العقيدة الدينية انما هو نهج الحكومات والاحزاب المسيطرة على هذه البلاد لا الشعوب. ولابد من التفريق بين موقف «الحكومات» وموقف «الشعوب» فلا يدل كون الحكومة ملحدة رافضة للدين على أن الشعب كذلك أيضاً.

فقد دلّت الدراسات والمذكرات والتقارير السياسية العديدة على ان نسبة المنتمين الى الحزب الشيوعي في الشعب الروسي لا يتجاوز 12%. فلو صحت نسبة الالحاد ورفض الاعتقاد بالله الى المجتمع الروسي لصحت فقط في حق المنتمين والمؤسسين وقيادات وكوادر هذا الحزب، وأما غيرهم فبريئون من هذا المساك ولأجل ذلك ترفض دعواتهم في ذلك الحزب.

هذا مضافاً إلى أن أكثر المنتهين مجبورون على التظاهر بالالحاد أي انهم يتظاهرون بالالحاد تزلفاً إلى الرثاء والقادة، أو توصلا إلى كسب المناصب والمكاسب.

ولا نقلّ الصين الشيوعية من الاتحاد السوفيتي في ذلك.

وصفوة الأول: أن ما يدل على أن جماهير الشعب فيما يسمى الان بالمعسكر الشرقي على غير منهج الحكام والاحزاب الحاكمة المسيطرة عليهم من الالحاد ورفض ما وراء المادة هو أن الناس في تلك البلاد كلما وجدوا متنفساً واتيحت لهم بعض الحرية كشفوا عن معتقداتهم الدينية ـ على اختلاف اشكالها ـ واقبلوا يتهافتون على مراكز العبادة، وشيّدوا المؤسسات الدينية كالمساجد والمعابد والكنائس وهو أمر يثبت أن فطرتهم متى وجدت فرصة سانحة برزت الى السطح مرة أخرى، بعد سنوات الكبت والخنق، لتقودهم الى الدين، والتوجه الى الله تعالي.

الماركسيون وتقديسهم للمبادئ الماركسية:

أضف الى ذلك أن الماركسيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من الاعتقاد، ويتحرروا من ظاهرة العقيدة، فهم وان خلعوا ربقة الدين عن أعناقهم الا انهم خضعوا لربقة اخرى عندما دانوا بالماركسية، واعتنقوا مبادئها، واعتقدوا بفلسفتها في الكون والحياة والتاريخ.

بل انهم التزموا بهذه المبادئ التزاماً لا يقل ـ في القوة والصرامة ـ عن التزام المتدينين معتقداتهم عندما وصفوا كل من يشك أو يشكك في المبادئ الماركسية أو ينقدها، بالارتداد، وهذا يعني أنهم قدّسوا هذه المبادئ كتقديس المتدينين لمعتقداتهم، وانهم نزّلوا مفكريهم ومنظّريهم منزلة الالهة التي تتمتع بكل حصانة وقداسة وجلال وعصمة، الأمر الذي لا يجوز معه نقد آرائهم واعادة النظر في افكارهم، بل لابد من الخضوع لهم خضوعاً مطلقاً، وطاعتهم فيما قالوا ـ حتى لو ثبت بطلانه ـ طاعة عمياء لا مجال للجدال والنقاش فيها ابداً (1).

ان هذا التعامل التي يعامل بها الشيوعيون والماركسيون الملحدون معتقداتهم، والتي تشبه تعامل المتدينين مع عقائدهم تكشف ـ في الحقيقة ـ عن ميل الانسان الفطري نحو الاعتقاد ورغبته الباطنية في تقديس شيء، والخضوع له فان وجد حقاً والّا نحت من لدن نفسه أموراً يتعامل معها تعاملا دينياً.

ضابطة في تفسير الظواهر الاجتماعية

لقد تصور الماديون لنشأة العقيدة والتدين في الحياة البشرية عللا ودوافع لا تخرج عن اطار العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقبل ان تعرض لهذه الفرضيات، ونتصدى لشرحها وتقييمها ونقدها نذكّر القارئ بنقطة هامة وهي أنه لابد من وجود ضابطة نعرف بها أي مورد يصح الباحث الاجتماعي ان يعلّله باحدى العوامل المذكورة وأي مورد لا يصح تعليله بتلك العوامل وأي مورد يسمح له بأعمال الخيال فيه واطلاق العنان له لإبداء الفرضيات التي تعلل بها الظاهرة المعينة وأي مورد لا يسمح له بذلك أبداً.

فنقول:

إنّ العادات والتقاليد والأمور السائدة في المجتمعات البشرية على نوعين:

1 ـ ما يكون لها جذور في أعماق الفطرة ويكون التعامل معها من باب الاستجابة لنداء طبيعي والتلبية الحاجة طبيعية واقعية، ومن هذا القبيل: الزواج والسعي الى تحصيل المال والجاه والشهرة، وعناية الأمهات بأولادهن وما شاكل ذلك.

فان لجميع هذه الامور جذوراً عميقة في الروح والنفس الانسانية ولهذا يكون الأخذ بها والانسياق وراءها عملا طبيعياً.

فالزواج تلبية لميل فطري وغريزي لدى الجنسين، والسعي لتحصيل المال والثروة انجذاب فطري ينبع من حرص الانسان على حياته، وحبه لبقائها.

وكذلك سعي الانسان الى الجاه، وحنو الامهات وعنايتهن بأولادهن، كل ذلك أمور فطرية طبيعية في ذات الانسان ولهذا لا يصح السؤال عن علتها ونحت اسباب لها غير العامل الفطري الروحي.

فلا مجال هنا لان نسأل مثلا: منذ متى ظهرت عادة الزواج، وماهي أسباب ظهورها اجتماعياً أو اقتصادياً، لان الميل إلى الزواج ميل فطري يولد مع الانسان وليس لهذه الظاهرة أي علة أو عامل سوي غريزة الانسان وميله الذاتي.

2 ـ ما ليس له جذور في فطرة الانسان وعمقه الروحي، بل هو أمر عارض على حياته لأسباب طارئة، وذلك مثل الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، والتشاؤم عند رؤية الغراب أو سماع نعيبه وما شاكل ذلك. فانها لا ترجع الى «الفطرة» لوجودها في بعض الأقوام دون بعض، وفي بعض الأدوار دون بعض، كما هي لا ترجع الى العقل والمنطق السليم أيضاً.

وحيث انها لا توافق العقل، ولا ترتبط بالفطرة صح للباحث الاجتماعي أن ينحت لنشوئها في حياة الناس عللا نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية لكونها ظواهر غير طبيعية ولا واقعية، ولكونها طارئة على حياة البشر.

فللباحث النفسي أو الاجتماعي أن يتساءل: لأي سبب ظهر الاعتقاد بنحوسة الرقم 13، وما هي العوامل النفسية أو الاجتماعية الاقتصادية وراء نشأة هذه العقيدة غير الطبيعية.

كما أن للمرء أن يتساءل: منذ متى ولأي سبب صارت رؤية الغراب أو سماع نعيبه سبباً للتشاؤم والحال أنه ليست هناك اية رابطة طبيعية أو عقلية بين الغراب وصوته، وبين التشاؤم.

اذا تبين هذا فلندرس معاً ظاهرة الاعتقاد بالله في حياة البشر طيلة القرون المتمادية. فنقول: إن الاعتقاد بالله واسناد الكون الى «قوة عليا» قامت بخلقه واسباغ النظام عليه، لو كان من قبيل الأمر الثاني لصح للعالم الاجتماعي أو المحلل التنفسي إطلاق عنان الخيال لفكره ليبدي الفروض ويطرح المحتملات حتي يقنع نفسه بهذه الفروض ويثبت سبباً أو مبدءاً لنشأة هذه الظاهرة في المجتمع البشري.

واما اذا لم يكن كذلك، بأن كان الظهور هذه العقيدة علة منطقية، أو علة روحية فطرية، فلا يصح هنا اطلاق عنان الخيال، والذهاب الى التفسيرات الخيالية التي لا يدعمها أي دليل عقلي أو نقلي، فالخلط بين الأمرين وعدم التعرف على الخطوط التي يجب أن يمشي عليها الباحث الاجتماعي أوجد هذا التخبط.

يبقى أن نعرف أن الاعتقاد بالله ووجود ظاهرة التدين في الحياة البشرية هو من النوع الأول فان هناك بين الانسان وبين الاعتقاد رابطتين احداهما: طبيعية، والأخرى عقلية وها نحن نتناول كلا الرابطتين بالبحث والشرح:

أ ـ الرابطة الطبيعية بين الانسان والعقيدة

أن التدين، والاعتقاد بقول عليا وراء العالم المادي قضية فطرية، تنبع من عمق الفطرة الانسانية كما تعرف ذلك في بحث دلالة الفطرة على وجود الله، في فصل «الأدلة على وجود الخالق».

فستعرف هناك أن الأدلة القديمة والحديثة تؤكد ان التدين والانجذاب نحو قوة عليا والخضوع لها هو أحد الأبعاد الأربعة في النفس البشرية والتي هي عبارة عن «غريزة حب الجمال، وحب الخير، وحب الصدق، وغريزة التدين»، وان هذه امور متأصلة في الطبيعة الإنسانية، كالميل إلى الزواج والمال والجاه، بمعنى انها تولد معه ولا تنشأ بتأثير عامل خارجي طارئ، وتنمو شيئاً فشيئاً، ولا تنعدم بفعل العوامل المضادة، وان تنوعت مظاهرها وتجلياتها.

فكما لا يصح السؤال عن علة وجود ظاهرة الزواج، أو سعي الناس الى تحصيل المناصب، والثروات وما شاكل ذلك لكونها جميعاً اموراً طبيعية واقعية لا طارئة غير حقيقية، كذلك لا يصح السؤال عن مبدأ نشوء التدين وظهور العقيدة في الحياة البشرية وعلة ذلك وغايته، وأهدافه لان للمقيدة جذوراً فطرية في أعماق الانسان، والانسياق وراء الدين تلبية طبيعية لنداء باطني نابع من أعماق الوجود البشري. وستقف على اثبات هذه الرابطة الطبيعية بين الانسان والاعتقاد بالقوة العليا في الفصول القادمة.

فلا يصح للباحث الاجتماعي أن ينحت لهذه الظاهرة عللا من لدن نفسه، ويبحث عن عواملها في الاقتصاد وما شابه ذلك. لكون «التدين والاعتقاد بالله» أمراً واقعياً لا يقبل تفسيراً ولا تعليلاً، بخلاف التشاؤم لرؤية الغراب أو نعيبه أو الرقم 13 فانه ليس هناك أية رابطة طبيعية بين التشاؤم ورؤية الغراب وأمثالها.

ب ـ الرابطة العقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالخالق

ان الانسان مهما كان بدائياً بسيط التفكير فانه يدرك النظام الهائل كما يدركه الانسان المعاصر المتقدم سواء بسواء.

فهو يدرك ما يسود في جسمه، وفي ما حوله من أشياء الكون، من أنظمة عجيبة وتنسيق رائع. كما يدرك الانسان المتقدم علمياً ذلك، وان كان إدراك الأول لهذه المسألة ادراكاً سطحياً، وادراك الثاني عميقاً.

وملاحظة هذا القدر من النظام هي التي تقوده إلى الاعتقاد بأن هناك عقلا كبيراً وجبارة وراء هذا النظام.

ان الانسان البدائي ـ كغيره ـ لا يسعه وهو يرى نظام الشروق والغروب والطلوع والافول الحاكم على الشمس والقمر والنجوم، ويرى الفصول الأربعة وآثارها الكبرى في عالم الطبيعة وما ينشأ على أثرها من تحولات عظيمة، وتطورات هائلة بل وما يسود في جسمه من أنظمة وقوانين، إلا أن يعتقد بوجود خالق ومدبر وراء ذلك كله بعد أن يدفعه دافع الاعتقاد الطبيعي بالعلية إلى البحث والتفتيش عنه.

اذن فهناك رابطة عقلية بين النظام الكوني والاعتقاد بالله، تدفع الانسان الي الايمان به في جميع أدوار التاريخ، ومع وجود هذه الرابطة المنطقية والعقلية كيف يصح لباحث منصف أن يعدل عن اعتبارها إلى غيرها من العلل المنحوتة وافتراض الفرضيات الموهومة لتعليل نشأة العقيدة في حياة الأمم والشعوب على الاطلاق.

ان تجاهل هاتين الرابطتين (الفطرية والعقلية) بين الانسان والاعتقاد بالله تجاف عن الحقيقة وخروج عن المنطق السليم، وهو الذي دفع بالمحلل الاجتماعي إلى أن يلجأ إلى هذه الفرضيات الموهومة التي لا دليل على صحتها أبداً.

اذا وقفت على ذلك فهلم معي ندرس تلك الفرضيات واحدة واحدة ونعرضها على محك الواقع والبحث.

ولقد سبق أن ذكرنا أن هذه الفرضيات التي تعلل نشأة العقيدة بعضها نفسية وبعضها الآخر اجتماعية وبعضها الثالث اقتصادية، وها نحن نقدم الأبرز منها ثم الأبرز تباعاً.

.........................................
(1) لاحظ مجرة الأفكار ترجمة شقيق اسعد ص 39.

اضف تعليق