المنافسة الحقيقية اليوم ليست بين الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، بل بين المحتوى المهني والمحتوى غير المهني. المصداقية والتحقق الرقمي هما رأس المال الحقيقي للمؤسسات الإعلامية، والسرعة بلا دقة تفقد الصحفي ثقة الجمهور، فالتقنيات تتغير لكن الحاجة للصحفي الفاعل الواعي ستبقى دائماً...
قبل سنوات من عصرنا الحالي كان الخبر يصل إلى الجمهور عبر نافذة واحدة أما اليوم فقد أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تعيد رسم ملامح المشهد الإعلامي بوتيرة غير مسبوقة في نشر الخبر الى اوسع نطاق في العالم لتفرض على الصحافة تحديات جديدة تتعلق بالمهنية والمصداقية ومستقبل المهنة وفي ظل هذه التحولات المتسارعة والتطور المستمر والمتزايد.
يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن للصحافة العراقية أن تواكب هذا الواقع، وأن تحافظ في الوقت نفسه على رسالتها ودورها في بناء الوعي وصناعة الرأي العام؟
وللحديث عن هذه القضايا، استضافة شبكة النبأ المعلوماتية الأستاذ عمر إبراهيم احمد التدريسي في كلية الآداب بجامعة سامراء، في حوار صحفي مميز يتناول أبرز التحديات التي تواجه الإعلام العراقي، ومستقبل الصحافة في العصر الرقمي، ودور الجامعات في إعداد جيل جديد من الإعلاميين القادرين على المنافسة، فضلًا عن رؤيته لمستقبل المهنة في ظل التطورات التقنية المتلاحقة، وما ينبغي أن يتحلى به الصحفي المعاصر من مهارات وقيم تضمن بقاء الصحافة سلطة للوعي والحقيقة.
بعد سنوات من عملك الأكاديمي والمهني، كيف تقيم واقع الصحافة العراقية اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تعيق تطورها مقارنة بالصحافة في الدول المتقدمة؟
اعتقد ان الصحافة العراقية تمتلك مقومات تؤهلها للتطور، لكنها ما زالت تواجه تحديات تحد من قدرتها على مواكبة التجارب المتقدمة، ومن أبرز هذه التحديات تأثير بعض العوامل السياسية والاقتصادية على العمل الاعلامي، وضعف الاستثمار في التدريب والتطوير، فضلا عن سرعة التحول الرقمي التي غيرت طبيعة العمل الصحفي.
كما ان الصحافة الورقية لم تعد تحتفظ بالمكانة التي كانت تتمتع بها سابقا، بعد ان اصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي المصدر الاسرع للحصول على الاخبار. لذلك لم يعد نجاح المؤسسة الاعلامية مرتبطا بنوع الوسيلة، بل بقدرتها على تقديم محتوى مهني يقوم على الدقة والتحليل والالتزام بأخلاقيات المهنة، وهذا ما تحتاجه الصحافة العراقية في المرحلة المقبلة إذا ارادت ان تنافس اقليميا ودوليا.
في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية هل ما زالت الصحافة التقليدية قادرة على المنافسة؟ وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تستعيد ثقة الجمهور؟
التحول الرقمي فرض واقعا جديدا على العمل الصحفي، لذلك لم تعد الصحافة الورقية قادرة على المنافسة بالشكل الذي كانت عليه في السابق، لان الجمهور أصبح يبحث عن الخبر الفوري عبر المنصات الرقمية.
لكن هذا لا يعني انتهاء دور المؤسسات الصحفية، بل يعني ضرورة تغيير اساليب عملها بما ينسجم مع طبيعة الجمهور الحالي.
واعتقد ان استعادة ثقة الجمهور لا تتحقق بسرعة النشر فقط، بل من خلال الالتزام بالمصداقية والتحقق من المعلومات والابتعاد عن المبالغة والاثارة. فالجمهور قد ينسى من نشر الخبر اولا، لكنه لا ينسى الجهة التي قدمت له معلومة دقيقة وموثوقة.
من خلال خبرتك الأكاديمية هل يمتلك طلبة الإعلام اليوم المهارات التي يتطلبها سوق العمل؟ وما المهارة التي تراها أنها الأكثر أهمية ويجب التركيز عليها؟
يمتلك طلبة الاعلام اليوم الرغبة في التعلم والتطور، لكن طبيعة سوق العمل تتغير بوتيرة متسارعة، وهذا يتطلب تطويرا مستمرا للمناهج والمهارات. ومنذ استحداث قسم الاعلام تبنى القسم، بتوجيه من السيد رئيس القسم، رؤية تقوم على ربط
الجانب النظري بالتطبيق العملي، انطلاقا من قناعة بان الاعلام لا يكتسب بالمحاضرات وحدها، بل يحتاج الى تدريب وممارسة مستمرة تؤهل الطالب للواقع المهني.
وبرأيي فان اهم مهارة يجب التركيز عليها هي القدرة على التكيف مع التطورات التقنية، الى جانب امتلاك التفكير النقدي والقدرة على التحقق من المعلومات، لان هذه المهارات اصبحت من المتطلبات الاساسية في سوق العمل الاعلامي.
الذكاء الاصطناعي دخل بقوة إلى المجال الإعلامي فهل تنظر إليه كفرصة لتطوير العمل الصحفي أم كتهديد لمهنة الصحفي؟ وكيف ينبغي للجامعات التعامل مع هذا التحول؟
ارى ان الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لتطوير العمل الاعلامي إذا أحسن استخدامه، لأنه يسهم في تسريع الوصول الى المعلومات وتحليل البيانات ودعم انتاج المحتوى.
لكنه لا يمكن ان يكون بديلا عن الصحفي، لان العمل الصحفي لا يعتمد على التقنية وحدها، بل يقوم على التفكير والتحليل والمسؤولية المهنية والاخلاقية.
اما الجامعات فمن واجبها مواكبة هذا التحول من خلال تحديث المناهج، وادخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب، مع ترسيخ مبادئ المهنة واخلاقياتها، فالهدف ليس تخريج طلبة يجيدون استخدام الادوات فقط، بل اعلاميين قادرين على توظيفها بصورة واعية ومسؤولة.
ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها الصحفيون الشباب عند بداية مسيرتهم المهنية؟ وما النصيحة التي تقدمها لكل طالب يسعى إلى التميز في العمل الصحفي؟
من خلال متابعتي للطلبة، أجد ان أكثر الاخطاء شيوعا هي التسرع في نشر المعلومات قبل التحقق منها، والاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر وحيد للأخبار، فضلا عن الاعتقاد بان الشهرة السريعة تعني النجاح المهني.
كما ان البعض يهتم بالجانب التقني ويغفل بناء ثقافته العامة، مع ان الصحفي الناجح يحتاج الى معرفة واسعة تمكنه من فهم الاحداث وتحليلها.
ونصيحتي لكل طالب هي ان يجعل التعلم عادة مستمرة، وان يحرص على القراءة والاطلاع والتدريب الميداني، لان الشهادة الجامعية تمنح الاساس العلمي، اما التميز الحقيقي فيبنى بالاجتهاد والممارسة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
كيف يمكن للصحفي أن يوازن بين سرعة نشر الخبر ودقة المعلومات؟ وأيهما أولى في رأيك السبق الصحفي أم المصداقية؟
التوازن بين السرعة والدقة أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الصحفي في البيئة الرقمية. فالسبق الصحفي يمثل قيمة مهنية، لكنه يفقد اهميته إذا كان مبنيا على معلومات غير دقيقة.
وبرأيي فان المصداقية تبقى الاساس الذي تقوم عليه المهنة، لان الخبر غير الصحيح قد يحقق سبقا مؤقتا، لكنه يفقد المؤسسة ثقة جمهورها على المدى البعيد. لذلك فان الصحفي المحترف هو من يحقق السرعة دون ان يتخلى عن التحقق من مصادره، لان ثقة الجمهور هي راس المال الحقيقي لأي مؤسسة اعلامية.
إلى أي مدى تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام؟ وهل أصبحت هذه المنصات منافسا حقيقيا للمؤسسات الإعلامية التقليدية؟
لا شك ان وسائل التواصل الاجتماعي اصبحت من أكثر الوسائل تأثيرا في تشكيل الراي العام، لأنها تمتلك سرعة الانتشار وسهولة الوصول الى مختلف فئات المجتمع. وهذا ما تؤكده دراسات الراي العام ونظريات الاتصال التي تشير الى ان الوسيلة القريبة من الجمهور تكون الاكثر تأثيرا في اتجاهاته وسلوكه.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبارها بديلا كاملا عن المؤسسات الاعلامية، لان المحتوى المتداول عبرها لا يخضع دائما للمعايير المهنية. لذلك ارى ان المنافسة الحقيقية اليوم ليست بين الصحافة ووسائل التواصل، بل بين المحتوى المهني والمحتوى غير المهني، والمؤسسة التي تحافظ على المصداقية ستبقى قادرة على المنافسة مهما تغيرت الوسائل.
بصفتك تدريسي في قسم الإعلام. كيف تقيم المناهج الدراسية الحالية؟ وما أبرز التعديلات التي ترى ضرورة إدخالها لمواكبة التطورات الإعلامية؟
المناهج الدراسية الحالية توفر اساسا علميا جيدا، لكنها بحاجة الى مراجعة مستمرة بما ينسجم مع التطورات المتسارعة في قطاع الاعلام، فالتغيير في هذا المجال أصبح سريعا ولذلك ينبغي ان تكون المناهج مرنة وقابلة للتحديث بشكل دوري.
واعتقد ان المرحلة الحالية تتطلب زيادة الجانب العملي، وتعزيز التدريب داخل المؤسسات الاعلامية، وادخال موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والتحقق الرقمي، وانتاج المحتوى للمنصات الرقمية.
كما ان تعزيز الشراكة بين الجامعات والمؤسسات الاعلامية يسهم في تقليص الفجوة بين الدراسة ومتطلبات سوق العمل، وهو ما ينعكس ايجابا على مستوى الخريجين.
يرى البعض أن الإعلام أصبح يصنع الأحداث أكثر مما ينقلها إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟ وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية الرسالة الإعلامية؟
اتفق مع هذا الطرح الى حد كبير، لان الاعلام الحديث لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح يمتلك القدرة على توجيه اهتمام الجمهور نحو قضايا معينة من خلال اختيار ما ينشر وكيفية عرضه وحجم التغطية التي يمنحها لكل حدث، لذلك اصبحت وسائل الاعلام تؤثر في تشكيل اولويات الراي العام، وليس فقط نقل الوقائع.
لكن هذا الدور يجب ان يبقى ضمن حدود المسؤولية المهنية، لان رسالة الاعلام الحقيقية هي خدمة المجتمع لا توجيهه وفقا لمصالح او ضغوط معينة واستقلالية الرسالة الاعلامية تتحقق بالالتزام بالموضوعية، والتوازن، والتحقق من المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، لان فقدان هذه المبادئ يعني فقدان ثقة الجمهور مهما كانت قوة الوسيلة.
برأيك الشخصي ما الصفات التي تميز الصحفي الناجح في الوقت الحاضر؟ وهل تعتقد أن الموهبة وحدها تكفي أم أن النجاح يعتمد على التعلم والتطوير المستمر؟
برأيي ان الصحفي الناجح هو من يمتلك القدرة على التفكير قبل النشر، والتحليل قبل الحكم، والبحث قبل تبني اي معلومة. كما يجب ان يجمع بين الثقافة العامة، والمهارة المهنية، والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، لان هذه العناصر هي التي تمنحه المصداقية والاستمرار.
اما الموهبة فهي تمثل نقطة البداية، لكنها لا تصنع صحفيا ناجحا بمفردها، فالإعلام من أكثر المهن تطورا، وما كان كافيا قبل سنوات قد لا يكون كافيا اليوم لذلك يبقى التعلم المستمر، والتدريب، والانفتاح على التقنيات الحديثة، والاطلاع على التجارب المحلية والعالمية، عوامل اساسية للحفاظ على النجاح والتقدم في هذه المهنة.
إذا طلب منك وضع رؤية لتطوير الإعلام العراقي خلال السنوات المقبلة فما أول ثلاثة محاور ستعمل عليها؟ وما الدور الذي ينبغي أن تؤديه الجامعات في تحقيق هذه الرؤية؟
إذا طلب مني وضع رؤية لتطوير الاعلام العراقي فسأركز على ثلاثة محاور مترابطة.
المحور الاول هو تطوير العنصر البشري، من خلال بناء برامج تدريب مستمرة للصحفيين والاعلاميين، لان تطور المؤسسة يبدا بتطور كوادرها.
والمحور الثاني هو تحديث البيئة التشريعية والمهنية بما يعزز استقلالية المؤسسات الاعلامية، ويحمي حرية العمل الصحفي، ويكرس مبادئ المسؤولية الاجتماعية واخلاقيات المهنة.
اما المحور الثالث فهو تسريع التحول الرقمي، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وصحافة البيانات، مع الحفاظ على الهوية المهنية للمؤسسات الاعلامية.
وفي هذا الجانب يقع على عاتق الجامعات دور اساسي، ليس فقط بتحديث المناهج، بل بتعزيز البحث العلمي، ودعم الاعلام بكافة تخصصاته وعلى جميع الأصعدة وبناء شراكات حقيقية مع المؤسسات الاعلامية، وتوفير بيئات تدريب تحاكي الواقع المهني، لان الجامعة هي الحلقة التي تربط بين المعرفة الاكاديمية ومتطلبات سوق العمل.
كيف ترى مستقبل الصحافة في ظل الثورة الرقمية المتسارعة؟ وما الرسالة التي تود توجيهها إلى طلبة الإعلام والصحفيين الشباب الذين يستعدون لدخول المهنة؟
ارى ان مستقبل الصحافة سيكون أكثر ارتباطا بجودة المحتوى من نوع الوسيلة فالتقنيات ستستمر في التغير، وربما تظهر منصات جديدة تتجاوز ما نعرفه اليوم، لكن الحاجة الى الصحفي المهني ستبقى قائمة، لان المجتمع يحتاج دائما الى من يتحقق من المعلومات، ويفسر الاحداث، ويقدمها بمهنية ومسؤولية.
ورسالتي الى طلبة الاعلام والصحفيين الشباب هي ان ينظروا الى هذه المهنة على انها رسالة ومسؤولية قبل ان تكون وسيلة لتحقيق الشهرة، احرصوا على بناء شخصياتكم العلمية، ووسعوا دائرة معارفكم، ولا تتوقفوا عن التعلم، وتمسكوا بالمصداقية والموضوعية، فهما اساس نجاح الصحفي وبوابته لكسب ثقة الجمهور، والثقة هي رأس المال الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه.



اضف تعليق