ملفات - عاشوراء

الإمام الحسين عليه السلام وثلاثية الخلاص

المعنى والغاية ومنظومة الحياة.. طريق للنجاة

حين يفقد الإنسان معنى وجوده، وتغيب عنه غايته الأخروية، وتختل منظومته السلوكية، يقع في الشك والاضطراب وعبودية الدنيا. ومن هنا تكشف عاشوراء أن الخلاص يتحقق بتكامل الشعور العاطفي مع الوعي الحسيني الذي يعيد الإنسان إلى الله ويحرره من الخوف والشك ويمنحه يقينًا عمليًا يثبت به أمام امتحانات الحياة...

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهجهم دون الحسين عليه السلام.

ونحن نعيش أيام شهر محرم الحرام، لا بد أن نسلط الضوء على طريق الإمام الحسين عليه السلام، وأن نكون في أتم الاستعداد لهذه الأيام العظيمة والمقدسة بوعي ومعرفة وبصيرة؛ لأن محرم وصفر ليسا مجرد موسم يتكرر، ولا مناسبة عاطفية عابرة، بل هما مدرسة كبرى لبناء الإنسان، وتجديد علاقته بالله سبحانه وتعالى، وتعميق ارتباطه برسالة أهل البيت عليهم السلام.

إن عاشوراء فرصة لإصلاح النفس، وبناء الذات، وتربية الأجيال، واستعادة المعنى، وتقوية الالتزام الديني، وترسيخ اليقين في زمن تكاثرت فيه الشكوك والقلق والأزمات. ومن لا يدخل هذه المدرسة بقلب مفتوح، وعقل متبصر، ونية صادقة، قد يخرج منها كما دخل، دون أن تتحول عاشوراء في حياته إلى قوة تغيير وهداية.

ومن هنا، فإن الاستعداد لمحرم وصفر يقوم على معالم أساسية:

 أولها- مراجعة أهدافنا في الحياة. فالإنسان يعيش بحسب هدفه؛ إن كان هدفه صغيرًا كانت حياته صغيرة، وإن كان هدفه ماديًا محدودًا بقي أسير اللحظة والمصلحة والقلق، أما إذا كان هدفه ساميًا، محمديًا، علويًا، حسينيًا، ارتفعت درجات حياته، واتسع أفقه، وخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الرسالة.

 لذلك ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل أهدافنا آنية ومادية، أم هي أهداف كبرى بحجم رسالة أهل البيت عليهم السلام؟

ثانيها- التزود المعنوي؛ فعاشوراء ومحرم وصفر محطة كبرى لبناء الذات، وعلاج النفس والأخلاق، واستعادة الطمأنينة في زمن الأزمات. فكلما ازدادت معنوية الإنسان، وقويت روحيته العقائدية والإيمانية، تضاءل القلق في داخله، وازداد اطمئنانه. فالإنسان لا يعالج قلقه بكثرة الأشياء، ولا بمجرد الانشغال والترفيه، بل يحتاج إلى علاج أعمق يردّه إلى الله، ويعيد إليه سكينة القلب.

ثالثها- تربية الأجيال على المعاني العظيمة والقيم الخالدة التي حملتها الرسالة الحسينية. فمحرم وصفر ليسا مدرسة للكبار وحدهم، بل هما مدرسة للأبناء أيضًا، يتعلمون فيها معنى الكرامة، والحرية، والثبات، ونصرة الحق، والالتزام بالدين، وأن يكون الإنسان صاحب رسالة لا صاحب مصلحة فقط. وبذلك تصبح عاشوراء ضمانًا لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا، لأنها تبني فيهم النفس والأخلاق والعقيدة.

رابعها: الالتزام الديني من خلال البناء العقائدي والعمل بالأحكام الشرعية. فحب الإمام الحسين عليه السلام لا ينفصل عن الالتزام بالحلال، والابتعاد عن الحرام، والمحافظة على العبادات. وكلما اقترب الإنسان من الحلال وعمل به، كان أكثر سعادة وازدهارًا وطمأنينة، وكلما ابتعد عنه وسقط في الحرام -والعياذ بالله- عاش التعاسة والشقاء، ولو امتلك من الدنيا ما امتلك.

لذلك فإن أيام محرم وصفر وأيام ليست أيامًا للحزن وحده، بل أيام لبناء الذات والتزود المعنوي وتربية الأجيال، وتحقيق الاستقرار والطمأنينة والسعادة في حياتنا.

ومن هنا يطرح السؤال الأساسي للمقال: كيف يكون طريق الإمام الحسين عليه السلام طريقًا للخلاص والنجاة من الشك والقلق؟

الدين طريق الطمأنينة

يعيش الإنسان في هذا العصر ألوانًا كثيرة من الشك والقلق والأزمات النفسية؛ فهو يخاف من المستقبل، ويضطرب أمام غموضه، ويشعر بأن القادم مجهول، وأن الحياة محاطة بالأزمات. وهذا القلق في جوهره لا ينفصل عن ضعف الارتباط بالله سبحانه وتعالى، ومن ثم الابتعاد عن الدين بوصفه طريقًا للطمأنينة واليقين.

إن الإمام الحسين عليه السلام منقذ لنا من حيرة الضلالة، ومن السقوط في براثن الظلم. وطريقه هو طريق الخلاص والعودة إلى الله تعالى، وإلى المعنى والغاية، وتبصر المنهج الصحيح في الحياة.

قال الله سبحانه وتعالى:

(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا)الفتح/4.

فالدين في غايته وفلسفته طريق إلى الطمأنينة والسكينة والهدوء؛ لأنه يمنح الإنسان خريطة حياة، ويربطه بالقانون الإلهي، ويجعله منسجمًا مع نفسه والكون. فكما أن الكون لا يستقيم إلا بقوانينه، فإن حياة الإنسان لا تستقيم إلا بالقانون الإلهي؛ ومن ينسجم مع هذا القانون يعيش الطمأنينة، ومن ينحرف عنه يدخل في الاضطراب والقلق.

والله سبحانه وتعالى هو الوكيل علينا، وهو الذي يكفينا من الأزمات، ويرعانا ويرزقنا ويحيينا ويهدينا. لذلك فإن الإنسان الذي يلتزم بالدين، ويوكل أموره إلى الله سبحانه وتعالى، تكون حياته في النتيجة حياة طمأنينة وسعادة.

ومن هنا يمكن القول إن الاستقامة على الدين جنة للإنسان، والانحراف عنه جحيم له. فالإنسان المتدين تدينًا عميقًا حقيقيًا يعيش الطمأنينة في الدنيا، فضلًا عن فوزه في الآخرة بالجائزة الكبرى وهي الجنة.

(الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس63/64.

أما الإنسان المنحرف عن الدين، فإنه يفقد الانسجام مع القوانين الإلهية، فتتحول حياته إلى أزمة بعد أزمة، وقلق بعد قلق.

وقال سبحانه:

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/124.

فالضنك هو التعاسة النفسية الحادة، والاعمى تعبير بليغ عميق عن ذلك الضياع والخسران الذي يتكبده المنحرف، حيث لم يستلذ بالاطمئنان والسعادة النفسية، ويخرج من الدنيا خاسرا، فهو كالأعمى الذي لايستطيع ان يرى جمال الحياة ورونقها.

وهذا ما نلاحظه اليوم في العالم الذي ابتعد عن الدين، ودخل في عوالم الضلال بأسماء مختلفة؛ فهو يعيش الفوضى، والاضطراب، والأزمات النفسية، والاكتئاب، والقلق، ولا يرى للحياة السعيدة أفقًا واضحًا ولا يستلذ بنعم الحياة ولايحس بطعمها. فقد امتلك الإنسان المعاصر كثيرًا من الوسائل، لكنه فقد كثيرًا من المعاني؛ امتلك الحركة، لكنه فقد الاتجاه، وامتلك الأدوات، لكنه فقد الغايات.

ثلاثية الخلاص

الدين الصحيح يعطي الإنسان ثلاثة أمور أساسية تخفف عنه القلق، وتجعله يعيش في حالة من الطمأنينة واليقين: المعنى، والغاية، ومنظومة الحياة.

فالمعنى يجيب عن سؤال: لماذا أعيش؟

والغاية تجيب عن سؤال: إلى أين أسير؟

ومنظومة الحياة تجيب عن سؤال: كيف أعيش وأسير وأتعامل وأصبر؟

هذه الثلاثية ليست أفكارًا نظرية منفصلة، بل هي أساس بناء الإنسان. فالمعنى يمنح الإنسان سبب الوجود، والغاية تمنحه اتجاه المصير، ومنظومة الحياة تمنحه الطريق العملي بينهما. ومن فقد واحدًا من هذه العناصر دخل في القلق والاضطراب.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) {الأنفال/24}

وعندما نقول منظومة الحياة، فإننا نقصد أسلوب الحياة ونمطها: كيف أفكر؟ كيف أتكلم؟ كيف آكل وأشرب؟ كيف أتعامل مع جيراني؟ كيف أتعامل مع زوجتي وأبنائي؟ كيف أتعامل في السوق؟ كل ذلك ليس تفاصيل منفصلة، بل هو جزء من منظومة حياة لا بد أن تكون نابعة من معنى ومتجهة إلى غاية.

أولًا: المعنى في مواجهة الفراغ المادي

المعنى هو ما يفتقده العالم اليوم. فقد غرق الإنسان في الحالة المادية، وامتلك كثيرًا من الأشياء، لكنه فقد السؤال الأهم: لماذا أعيش؟ وحين يفقد هذا السؤال جوابه، يتحول الرفاه إلى فراغ، والحركة إلى اضطراب، والمستقبل إلى مصدر دائم للقلق.

إن الإنسان الذي لا يملك معنى يرى الحياة بلا جدوى وبلا فائدة، ويعيش حالة من الاكتئاب وفقدان الإحساس بالحياة. وقد أشار القرآن الكريم إلى صورة الاضطراب والحيرة في قوله تعالى:

(وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ).

فالناس قد يعيشون حالة حيرة واضطراب، لا لأنهم سكارى حقيقة، بل لأنهم فقدوا المعنى، وغرقوا في الماديات، وابتعدوا عن الحالة المعنوية. لذلك تراهم يتحركون كثيرًا، لكنهم لا يعرفون إلى أين، ويمتلكون كثيرًا، لكنهم لا يشعرون بالامتلاء الداخلي.

وهنا يأتي الإمام الحسين عليه السلام ليعيد الإنسان إلى المعنى الأول: معنى الكرامة والحرية، ومعنى أن الإنسان ليس عبدًا لشهواته ولا لأهوائه ولا للطاغوت ولا للظالم. لذلك خاطب الإمام الحسين عليه السلام القوم يوم عاشوراء بقوله:

«إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم».

أي إن الإنسان إذا لم يكن عنده دين، ولا يؤمن بالآخرة، ولا يرى حسابًا ولا كتابًا ولا تهمه العواقب، فعلى الأقل ينبغي أن يكون عنده معنى في حياته وكرامة في وجوده. فهو إنسان له عقل قدرة على التفكير، وله وجود ومشاعر يتفاعل بها، وحواس يدرك بها، ولا يصح له ككائن متفرد أن يغرق في شهواته وأهوائه فيتحول الى عبد ذليل لها.

هذا هو الحد الأدنى من المعنى: أن يشعر الإنسان بأن له وجودًا وكرامة وهدف، وأن لا يجعل حياته أسيرة اللحظة المادية ورهين البطر الفارغ. فالإنسان الذي لا يملك معنى، يأكله القلق من الداخل، ويشتعل اضطرابًا مستمرًا في قلبه وروحه ونفسه، ولا يملك استقرارًا حقيقيًا.

وقد أراد الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء أن يخلص الناس من هذا القلق. فبعضهم كان يحسب الأمور بحسابات الدنيا فقط: إذا قاتلت مع الإمام الحسين وقُتلت، فمن يحمي عائلتي؟ ومن يتكفل برزقهم؟ وماذا يكون بعدي؟ هؤلاء لم يكن عندهم معنى كبير يحركهم، بل كانوا أسرى اللحظة المادية. أما الإمام الحسين عليه السلام فقد أراد أن يحقق الكرامة الإنسانية، وأن يقول للإنسان: تحرر من لحظة القلق والتردد والشك، ولا تكن عبدًا للخوف ولا للمصلحة، ولا للدنيا، فتكون ذليلا للطاغوت. 

وقد عبر عن ذلك المعنى حين قال عليه السلام: 

(لا والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد).

ثانيًا: الغاية في مواجهة الغموض والعدمية

الغاية هي أن يكون للإنسان هدف كبير في حياته. فالذي يدرس يسعى لأنه يريد أن يصل إلى نتيجة؛ والذي يعمل يتحرك لأنه يريد أن يبلغ مقصدًا. ومن لا هدف له يتشتت ويسقط ويفشل ويضيع؛ لأن الهدف يحتاج إلى سعي، والعمل يحتاج إلى اتجاه.

أما غايتنا نحن، كما يقول لنا ديننا، وكما يقول لنا أهل البيت عليهم السلام، وكما هي رسالة الإمام الحسين عليه السلام، فهي الآخرة. نحن لا نعيش من أجل الدنيا بوصفها الغاية النهائية، بل نعيش من أجل الآخرة، والدنيا محطة ابتلاء وامتحان وجسر لغربلة للإنسان.

فالإنسان الذي يفتقد الغاية، ويريد أن يعيش فقط في دنياه، يقع في فخ التفكير العدمي، أي التفكير الذي يرى عدم الجدوى من الوجود. يقول: دعونا نعيش يومنا، ولا فائدة من الحياة، ولا معنى للوجود. وقد يصل بعضهم إلى اليأس والإحباط، لأن غياب الغاية يجعل المستقبل غامضًا، والوجود بلا اتجاه.

لذلك فإن الذين لا يملكون الغاية السامية الكبرى، وهي الآخرة التي دعانا إليها القرآن الكريم والرسول الاكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين، يعيشون الفوضى والخوف وعدم الأمان. وهذا ما نراه في العالم اليوم؛ حروب وأزمات اقتصادية وسياسية، ومشكلات متتابعة متضخمة لاتنتهي؟ لأن الطمع اليومي والحرص الاعمى والتكالب على المصالح أصبحا بديلًا عن الغاية الكبرى.

وعندما تغيب الغاية، يلتبس الحق بالباطل، والباطل بالحق، ويصبح الصدق كذبًا، والكذب صدقًا، والظلم عدلا، لأن الإنسان لم يعد يملك معيارًا أعلى يحاكم به الأشياء.

لذلك أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يضع الناس في طريق الغاية ويضع لهم المعايير المطلقة، فقال:

«ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا».

هذه هي الغاية: العمل بالحق، وترك الباطل، ورغبة المؤمن في لقاء الله سبحانه وتعالى في الآخرة. فالغاية الكبرى ليست المناصب ولا السلطة ولا المال، ولا المعارك المادية الصغيرة، فهذه إذا جعلها الإنسان غايته ولّدت في داخله القلق؛ لأنها متغيرة، ولا تستقر لأحد.

أما الغاية الآخروية فهي التي تمنح الإنسان ثباتًا، لأنها تربطه بما هو أبقى وأعلى وأصدق.

(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) غافر/39.

ثالثًا: منظومة الحياة بين المعنى والغاية

بين المعنى والغاية يحتاج الإنسان إلى منظومة حياة متكاملة تربط بينهما. فالإنسان قد يعرف معنى الحياة، وقد يؤمن بالغاية الكبرى، لكنه إذا لم يملك منهجًا عمليًا وسلوكًا منظمًا، فإنه يضيّع المعنى والغاية معًا.

ومنظومة الحياة هي الدين حين يتحول إلى نمط تفكير وسلوك وعلاقات، وأحكام ومواقف. إنها الطريقة التي يعيش بها الإنسان يومه، ويتعامل بها مع الناس، ويواجه بها الأزمات، ويضبط بها شهواته ومصالحه وخوفه.

لكن المقصود هنا هو الدين الحقيقي، لا الدين المزيف. فمشكلتنا اليوم ليست فقط في الابتعاد عن الدين، بل في التدين الشكلي أو المصلحي الذي يتحول إلى أداة بيد السلطة والمصالح والشهوات. هذا النوع من التدين لا يبني معنى ولا يحقق غاية ولا يمنح طمأنينة، بل يزيد الإنسان قلقًا لأنه يجعل الدين طريقًا إلى الدنيا لا إلى الآخرة.

الدين الحقيقي هو الذي يربط الإنسان بالله، ويجعله يعمل للآخرة، ويهذّب حبه للدنيا، ويمنحه ثوابت لا تتغير بتغير المصالح. أما التدين المزيف، فإنه يجعل كل شيء متغيرًا بحسب الرغبات والأهواء والمكاسب.

وعن ذلك قال الإمام الصادق عليه السلام:

«من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همِّه، جعل الله الفقر بين عينيه وشتَّت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قُسِمَ له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همِّه جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره».

فالإنسان الذي تسيطر عليه الدنيا تنفتح أمامه أبواب الحسد والطمع والحرص والظلم والكذب والخيانة؛ لأن حب الدنيا يجعل الإنسان عبدًا للمتغير، ومن كان عبدًا للمتغير عاش قلقًا دائمًا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (حب الدنيا أصل كل معصية وأول كل ذنب).

وعن الإمام علي عليه السلام: (حب الدنيا رأس الفتن وأصل المحن)، وكذلك (رأس الآفات الوله بالدنيا)، وكذلك (إن الدنيا لمفسدة الدين ومسلبة اليقين، وإنها لرأس الفتن وأصل المحن).

فمن جعل الدنيا قشة نجاته غرق بها؛ لأنها لا تثبت لأحد. والذين زهدوا في الآخرة من أجل الدنيا ضاعوا ورحلوا، ولم يحصلوا على شيء باقٍ. أما الإيمان بالآخرة، فهو الذي يجعل الإنسان يرى البلاء امتحانًا، ويرى عواقب أفعاله، ويدرك أن ما كان من أجل الدنيا وحدها خسارة، وأن ما كان من أجل الآخرة ربح للدنيا والآخرة.

فالذي يريد أن يربح الدنيا حقًا، لا بد أن يربح الآخرة أولًا. أما الذي يرى الدنيا هي الربح وحدها، فهو خاسر، وأي أزمة تمر عليه يراها نهاية العالم؛ لأنه لا يملك إيمانًا عميقًا بالآخرة، ولا يرى الحياة ممتدة إلى دار البقاء، حيث الحياة الحقيقية.

(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت/64.

التحرر من الطاغوت الداخلي

ومن هنا فإن الإمام الحسين عليه السلام أراد بنهضته المقدسة أن يحرر الإنسان من القلق الذي يمنعه من السير في الطريق المستقيم؛ القلق على المستقبل والحياة والعائلة والرزق والمعيشة. وهذا التحرر لا يكون بمجرد الكلام، بل من خلال رؤية واضحة تقول للإنسان: هناك معنى، وهناك غاية، وهناك منظومة حياة، ولا بد أن تعمل بها.

ويبدأ التحرير بالتحرر من الطاغوت الذي سكن في داخله. فالمشكلة ليست في الطاغوت الخارجي وحده، أي الحاكم الظالم، بل في الطاغوت الداخلي أيضًا: الهوى والشهوة والخوف، والأنانية. هذا هو الطاغوت الذي يجعل الإنسان متمسكًا بالدنيا قلقًا من فقدانها، خائفًا من ضياعها.

قال الله تعالى:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) الجاثية/23.

 فالذي يعبد هواه وشهواته، ويتمحض في أنانيته، يكون تائهًا في حيرة الضلالة، فاقدا لوعيه، مضيعا لذاكرته. وقد يظن نفسه حرًا، لكنه في الحقيقة عبد لما يسكن داخله من خوف وطمع ونرجسية.

لذلك يكون طريق الإمام الحسين عليه السلام طريق مطلق في التحرر من هذا الطاغوت الداخلي، قبل التحرر من الطاغوت الخارجي.

عاشوراء والتحرر من حسابات الدنيا

كانت عاشوراء رسالة لنا وللعالم كله إلى يوم القيامة، بأن الوصول إلى المعرفة الحسينية يبدأ بالتحرر من الطموحات الدنيوية الخاصة. فقد تحرر أصحاب الحسين عليه السلام من حسابات الدنيا كلها؛ فلم تعد المعيشة ولا المنصب ولا النجاة الشخصية هي المعيار، بل صارت الآخرة ونصرة الحق هي الغاية الكبرى.

وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يعيش للدنيا، والإنسان الذي يعيش للآخرة. الأول تحكمه الحسابات الصغيرة، والخوف على الرزق، والمكانة والمصالح. أما الثاني فيرى الدنيا محطة امتحان، والبلاء بابًا لكشف حقيقة النفس، والتضحية طريقًا إلى الله سبحانه وتعالى.

والدين الحقيقي يداوي القلق لأنه يمنح الإنسان المعنى، ويربطه بالله، ويزرع فيه اليقين. فإذا اتصل الإنسان بالله، وتوكل عليه، استقر قلبه، قال تعالى:

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

والتوكل لا يعني ترك العمل، بل يعني أن يعمل الإنسان ويسعى ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يجعل قلبه عبدًا للأسباب، ولا يجعل خوفه من المستقبل أكبر من ثقته بالله سبحانه وتعالى.

الامام الحسين عليه السلام حفظ لمعنى الدين الصحيح

وهنا نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وآله:

«حسين مني وأنا من حسين».

أي إن الحسين عليه السلام امتداد لرسالة رسول الله صلى الله عليه وآله، وحفظ لمعنى الإسلام من التحريف. فالإمام الحسين عليه السلام هو مظهر الدين الصحيح، وقد جسّد في يوم عاشوراء المنظومة الحقيقية التي تجمع المعنى والغاية والعمل.

فالإمام الحسين عليه السلام لم ينهض من أجل حدث سياسي عابر، ولا من أجل مكسب دنيوي، بل نهض ليحفظ الدين الصحيح، وليكشف الدين المزيف، وليعيد الإنسان إلى المعنى والغاية والمنهج الرباني. لقد أراد أن يقول للناس إن الحياة لها معنى قائمًا على النظام الإلهي، وعلى التمييز بين الحلال والحرام، والعدل والظلم، والحق والباطل.

كما أراد أن يخلص الإنسان من البرمجة السيئة التي يغذيها سلطان الخوف. فالشيطان يغذي الخوف بالافكار الوهمية، ويجعل الناس خائفين دائمًا، فإذا استولى الخوف على الإنسان سلبه بصيرته، وجعله عبدًا للدنيا، وباع آخرته من أجل معيشته.

وهنا قال الإمام الحسين عليه السلام:

«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون».

هذه الكلمة العظيمة تلخص جوهر الأزمة: عبودية الدنيا تحول الدين إلى شكل، وتجعله مجرد لفظ على اللسان، فإذا جاء الامتحان ظهر الصادق من المدعي، وانكشف المتدين الحقيقي من المتدين الشكلي.

فالإنسان الحسيني المتحرر من الدنيا هو الذي يمتلك تدينًا عميقًا، يلتزم بالفضائل والأحكام الشرعية، ولا يجعل معيشته ومصلحته فوق إيمانه. المهم عنده أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، ويحفظ دينه، ويستر على نفسه وأولاده بالورع والتقوى والعقيدة السليمة، وأن يجعل الغاية الكبرى هي السير في طريق الآخرة.

الدنيا دار اختبار للشخصية

الدنيا دار اختبار للشخصية. والسؤال الحقيقي هو: ما هي شخصية الإنسان عند الامتحان؟

قد يكون الإنسان متدينًا ثلاثين سنة، ثم يأتيه منصب أو وجاهة أو سلطة، فينكشف حاله: هل كان دينه عميقًا أم شكليًا؟ هل يثبت أم ينهار؟ هل يضحي بالدنيا من أجل الآخرة، أم يجعل الدين طريقًا إلى الدنيا؟

وقد يكون الإنسان فقيرًا أربعين سنة، ثم تفتح عليه الأموال، فيمتحنه الله بالدنيا: هل يغتر بها، أم يبقى ثابتًا؟ فالمال والمنصب والجاه لا يصنعون حقيقة الإنسان، بل يكشفونها. والبلاء لا يكشف الضعف فقط، بل يكشف العمق أيضًا.

لذلك فإن الرسالة الحسينية تعلمنا أن المهم ليس ظاهر التدين وحده، بل عمقه وثباته عند الامتحان. فالفهم السطحي للدين لا يصنع يقينًا، ولا يمنح طمأنينة، ولا يحرر الإنسان من الدنيا. نحن بحاجة إلى فهم أعمق وأكبر وأعظم للرسالة الحسينية، حتى نستطيع أن نعيش اليقين والسكينة.

خاتمة: اليقين الحسيني طريق النجاة

إن طريق الإمام الحسين عليه السلام هو منهج لبناء الإنسان وتحريره من عبودية الدنيا ومن اوهام الخوف، وإنقاذه من الضلالة والحيرة والشك والقلق. فمن دخل مدرسة الحسين عليه السلام بوعي، وجد فيها المعنى الذي يحرره من الفراغ، والغاية التي تنقذه من الضياع، ومنظومة الحياة التي تهديه إلى الطريق المستقيم. وبهذا يصبح الحسين عليه السلام طريقًا مطلقا للخلاص؛ لأنه يعيد الإنسان إلى الله تعالى وإلى الآخرة وإلى التوكل والكرامة واليقين.

ففي السير الصادق في طريق الحسين عليه السلام وصول إلى اليقين والطمأنينة والسكينة، وفلاح في امتحان الدنيا.

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا يقينًا وطمأنينة في طريق الإمام الحسين عليه السلام، وأن يوصلنا إلى اليقين الحسيني المطلوب، الذي ينقذنا من الضلالة والحيرة والشك والخوف والقلق والأزمات. وأن يجعلنا دائمًا متمسكين بالإمام الحسين عليه السلام.

* هذه المقالة هي محاضرة بثت على قناة المهدي الفضائية

اضف تعليق