في هذا الحوار، نبتعد عن الخطاب التعليمي الجاف، ونقترب من اللغة بوصفها تجربة ذهنية ونفسية يومية. تحاورنا مع الباحثة، لنفهم لماذا تتحول القواعد أحيانًا إلى عبء، ولماذا يخاف المتعلم العربي من الخطأ أكثر مما يخاف من الصمت، وكيف يمكن كسر هذا الحاجز دون وصفات جاهزة أو شعارات مكررة...

قد يعرف الطالب القاعدة، ويحفظ الأزمنة، ويجتاز الامتحان، لكنه يتوقف فجأة عندما يطلب منه أن يقول جملة واحدة بالإنجليزية من دون تردد. هنا لا يكون السؤال عن الخطأ النحوي بقدر ما يكون عن الثقة، ولا عن ضعف الذاكرة بل عن طريقة التفكير. فاللغة، في لحظة الاستخدام، تكشف الفجوة بين ما نعرفه وما نقدر على قوله.

في هذا الحوار، نبتعد عن الخطاب التعليمي الجاف، ونقترب من اللغة بوصفها تجربة ذهنية ونفسية يومية. تحاورنا مع الأستاذة آلاء حميد جاسم، التدريسية في قسم اللغة الإنجليزية _ كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة سامراء، لنفهم لماذا تتحول القواعد أحيانًا إلى عبء، ولماذا يخاف المتعلم العربي من الخطأ أكثر مما يخاف من الصمت، وكيف يمكن كسر هذا الحاجز دون وصفات جاهزة أو شعارات مكررة.

ومن هذا السؤال تحديدًا، تنطلق أولى محاور الحوار:

يقال إن اللغة هي وعاء الفكر؛ لماذا يجد الطالب الجامعي صعوبة في صب أفكاره داخل جملة إنجليزية سليمة رغم دراسته لها لسنوات؟

المشكلة تكمن في الفجوة بين المعرفة النظرية والاستخدام الفعلي كثير من الطلبة يدرسون القواعد بوصفها معلومات للحفظ لا مهارات للاستخدام. فهم يعرفون القاعدة، لكنهم لم يتدربوا على توظيفها تلقائيًا أثناء التفكير والكتابة. فاللغة لا تتقن بالمعرفة وحدها، بل بالممارسة(practice) المستمرة في سياقات حقيقية. وأيضًا التفكير باللغة الأم ثم الترجمة حرفيًا للإنكليزية يؤدي إلى جمل غير سليمة؛ لأن لكل لغة نظامها الخاص في ترتيب الأفكار وبناء المعنى. المشكلة هنا ليست في الفكرة، بل في المسار الذهني الذي يسبق الجملة. اضافة إلى ذلك قلة القراءة المكثفة والكتابة المنتظمة باللغة الإنجليزية تحرم الطالب من اكتساب الأنماط الجاهزة (formulaic language) والتراكيب الشائعة التي تسهّل التعبير. فالجملة السليمة غالبًا تُكتسب بالاحتكاك المتكرر، لا بالشرح فقط.

شعاركِ الدائم هو التبسيط؛ هل تعتقدين أن المناهج الأكاديمية هي التي صنعت عقدة الإنجليزية لدى الجيل الحالي؟

نعم، المناهج الأكاديمية تتحمّل جزءًا كبيرًا من مسؤولية “عقدة الإنجليزية” لدى الجيل الحالي، خصوصًا انها لا تواكب الثورة التكنولوجية الحاصلة لكنها ليست المتهم الوحيد. فالطريقة التي قدمت بها المناهج كنظام مغلقًا من القواعد لا وسيلة تواصل حية ركزت على الامتحان أكثر من الاستخدام الحقيقي. عن نفسي دائما أشجع الطلبة على التحدث حتى بوجود الأخطاء فالخطأ هو مرحلة من مراحل التعلم. وبرأي يجب أن نُدرّس اللغة باعتبارها أداة تفكير لا مادة اختبار، وأن نمنح الطالب الحق في الخطأ قبل أن نطالبه بالإتقان.

بصفتكِ مختصة، لو شبهنا الجملة الإنجليزية بالبناء المعماري، ما هو (الأساس) الذي إذا اختل انهارت الثقة لدى المتحدث؟

برأي هو غياب الحد الأدنى من المعرفة اللغوية على سبيل المثال معرفة أجزاء الكلام(parts of speech) التوافق بين الفاعل والفعل (agreement) وعدم امتلاك وفرة من المفردات التي تعينه على إنتاج جملة صحيحة من حيث المعنى. من ناحية أخرى غياب اللفظ الصحيح يفقد الطالب الثقة بالتحدث وصعوبة الفهم لدى المتلقي هذه الأسباب مجتمعة تعتبر الأساس الذي ينطلق منه الطالب للتحدث بثقة. 

نلاحظ أحياناً أخطاء نحوية فادحة حتى لدى المتخصصين؛ هل المشكلة في الحفظ الببغائي للقواعد دون ممارسة؟

هذا هو أحد أهم الأسباب وراء الأخطاء النحوية لدى المتخصصين فهم امتلكوا معرفة وصفية بالقواعد لا معرفة إجرائية. هم يعرفون القاعدة، يستطيعون شرحها وذكر استثناءاتها، لكنهم لا يستعملونها تلقائيًا أثناء الكلام أو الكتابة. سبب آخر هو عدم وجود بيئة لممارسة اللغة حتى لدينا كمختصين لتحويل القاعدة لواقع ملموس. وهنا أرى أن على المختصين بذل مزيد من الجهد لتطوير مهاراتهم لاسيما هم معرضين للنقد أكثر من غيرهم.

لماذا يخاف المتعلم العربي من الخطأ في(Grammar)أكثر من خوفه من خطأ النطق؟ وكيف نكسر هذا الحاجز النفسي؟

السبب يعود الى أن المناهج العراقية ركزت على تدريس القواعد أكثر من أي جانب أخر من اللغة الإنجليزية فصور لدى المتعلم إن اهم جانب باللغة هو القواعد. بينما خطأ النطق يُنظر إليه بوصفه أمرًا طبيعيًا، مرتبطًا باللهجة أو التأثر باللغة الأم. لذلك يتسامح الطالب مع نفسه في الصوتيات، لكنه يُدين نفسه في النحو. حتى في طريقة التقييم فالاختبارات ركّزت على القواعد بوصفها معيار التفوق، فجُعل الخطأ النحوي مرئيًا، مُؤشَّرًا عليه بالقلم الأحمر، ومصحوبًا بالخصم، بينما لا يُحاسَب الطالب عادة على ضعف الطلاقة أو التواصل. ومن اجل كسر هذا الحاجز النفسي يجب إعادة تعريف الخطأ النحوي بوصفه مؤشر تطور، لا دليل فشل. البدء بالبنية قبل القاعدة نعلّم أنماطًا جاهزة للاستعمال (I think…, I want…, It depends on…) قبل شرح القاعدة. هذا يمنح المتعلم شعور السيطرة. فنحرر الطالب من ضغط القاعدة ونسهل من استخدامه لها فتتحول إلى أداة ثقة.

نرى شباباً يضيعون فرص عمل عالمية بسبب ركاكة جملهم في المقابلات؛ ما هي أسرع طريقة لـترميم اللغة لأغراض مهنية؟

لترميم اللغة ليس على المتعلم اعادة دراسة اللغة من جديد ولكن هنالك عدة طرق تساعده على تطوير لغته في مجال معين فالتركيز على المضارع البسيط والماضي البسيط كافيان للتواصل المهني. استخدام جمل قصيرة واضحة وصريحة. تخصيص وقت يومي للاستماع لتطوير اللفظ. والتدريب على التحدث تحت ضغط يقلل من نسبة الأخطاء وأنصح جدا بحفظ عبارات جاهزة فهناك عدد محدود منها تستخدم في 80٪ من المقابلات مع وعي بوظيفتها منها 

-I have experience in… -I was responsible for… -One of my strengths is… 

-I’m currently working on… -I’m looking for an opportunity to…

ظاهرة العربليزية (التفكير بالعربي والترجمة حرفياً للإنجليزية)؛ كيف يمكن للمتعلم أن يبدأ بالتفكير بالإنجليزية مباشرة؟ 

لا يمكن اعتبار هذه الظاهرة خللًا في قدرة الطالب العقلية ولا دليلًا على ضعف عام في اللغة، بل هي نتيجة طبيعية لمسار تعلّم بُني منذ البداية على ''الترجمة لا على التفكير اللغوي المستقل''. والانتقال إلى التفكير المباشر بالإنجليزية لا يحدث فجأة، بل عبر إعادة تشكيل العلاقة بين الفكرة واللغة. من غير السليم التفكير بالعربية والتحدث بالإنجليزية إذ ان لكل لغة طريقتها الخاصة في ترتيب الأفكار قبل ترتيب الكلمات. ما دام الطالب يصوغ الفكرة ذهنيًا بالعربية، فسوف يحاول نقلها حرفيًا، حتى وإن كانت النتيجة جملة سليمة نحويًا لكنها غير طبيعية دلاليًا أو تداوليًا. أحد أبرز الحلول هو البدأ باستخدام جمل قصيرة حتى يسهل صياغتها فلا يقع في أخطاء الترجمة. وكثرة استخدام سياقات حقيقية غير مترجمة من العربية بدلا من حفظ المفردات. واخيرا يجب تغيير طريقة التفكير والتعامل مع اللغة تدريجيا سوف تتغير اللغة لدى الطالب.

في العربي نؤمن بأن (خير الكلام ما قل ودل)؛ هل تنطبق هذه القاعدة على قواعد الإنجليزية؟ أم أن التفلسف اللغوي مطلوب أحياناً؟

لا يمكن الاعتماد على هذا القول في كثير من السياقات في اللغة الإنجليزية وذلك لان اللغة الانجليزيه هي لغة سياقيه ووظيفيه بدرجه عالية. لكن في الاستخدام اليومي، والأكاديمي الرصين، والمهني، تُقدِّر الإنجليزية "الوضوح والدقة والاقتصاد اللغوي". الجملة الجيدة هي التي تؤدي المعنى بأقصر طريق ممكن دون غموض أو نقص. في هذا الجانب، تلتقي الإنجليزية مع الحكمة العربية تمامًا: الإيجاز قيمة أسلوبية، لا علامة فقر لغوي. لكن في سياقات أكاديمية اخرى الايجاز لا يخدم الفكرة لان السياق يتطلب تفسيرا لا تقريرا فقط. الإيجاز في الإنجليزية فضيلة، لكن "الاكتمال الدلالي فضيلة أعلى". فخير الكلام في الإنجليزية ليس ما قلّ فقط، ولا ما طال، بل ما خدم الفكرة بدقة، واحترم عقل المتلقي، ولم يُرهقه دون حاجة.

لو طلبتُ منكِ تحديد ثلاثة أخطاء قاتلة تتكرر دائماً في كتابات الطلبة، فما هي؟

أخطاء نحوية كما ذكرنا سابقا تأتي في مقدمة الأخطاء التي يرتكبها الطلبة في كتاباتهم. والجمل الطويلة غير المنضبطة الطالب يربط عدة أفكار في جملة واحدة خوفًا من “البساطة”، فينتهي به الأمر إلى: جمل ممتدة بلا تنظيم، كثرة (and / which / because) دون وعي نحوي. ضياع الفكرة الرئيسة فالطالب يكتب لأنه "يجب أن يكتب"، لا لأنه يملك فكرة يريد إيصالها. وجمل مترجمة من العربية لا نتاج تفكير باللغة الإنجليزية فالنتيجة غير طبيعية تداوليًا، ثقيلة أسلوبيًا ومربكة دلاليًا أحيانًا.

 كيف تخدم علامات الترقيم وأدوات الربط هيبة النص الأكاديمي؟ وهل هي مجرد كماليات؟

علامات الترقيم وأدوات الربط ليست كماليات إطلاقًا، بل هي من أهم العناصر التي تمنح النص الأكاديمي هيبته، ومصداقيته، وقابليته للفهم. النص الأكاديمي لا يُقاس فقط بما يقول، بل كيفية توجيه القارئ أثناء القراءة. فعلامات الترقيم هي خرائط ذهنية تبين أين تبدأ فكرة وأين تنتهي وما العلاقة بين الجمل. الفاصلة، على سبيل المثال، تفرض إيقاعًا منطقيًا. النقطة تعلن اكتمال فكرة؛ الفاصلة المنقوطة تشير إلى علاقة فكرية أقوى من النقطة وأضعف من الربط الصريح. أما أدوات الربط في الكتابة الأكاديمية، فهي مهمة حيث لا يكفي أن تكون الجمل صحيحة نحويًا؛ يجب أن تكون مرتبطة منطقيًا. أدوات الربط (however, therefore, moreover, for instance…) تعلن بوضوح: هل الفكرة القادمة معارضة أم مكملة؟ هل هي نتيجة أم مثال؟ هل الكاتب ينتقل أم يبني؟ غيابها يترك القارئ يستنتج العلاقة بنفسه، وهذا يُضعف هيبة النص.

 بصفتكِ تدريسية وقريبة من جيل الشباب؛ ما هي النصيحة التي لا توجد في الكتب وتودين قولها لكل من يريد إتقان اللغة اليوم؟

نصيحتي الدائمة للطلبة بأن لا يتعاملوا مع اللغة بوصفها مادة دراسية ودرجات وامتحانات بل مساحة وجود وجعلها جزء من روتينهم اليومي. اللغة اليوم لا تُتقن لأنك درست قواعدها، بل لأنك عشت بها. الجيل الذي يتقن الإنجليزية الآن لم يفعل ذلك لأنه حفظ الأزمنة، بل لأنه استخدم اللغة ليضحك، ويغضب، ويشرح، ويعارض، ويخطئ بلا خوف. اللغة التي لا تدخل حياتك اليومية تبقى دائمًا “لغة صفّ”. ودائما اوجههم بأن يتحدثوا ولا يترددوا بحجة انتظار الوصول إلى الطلاقة (fluency) وهذه اللحظة لا تأتي أبدًا. الجاهزية تُصنع أثناء الاستخدام، لا قبله. اللغة تُكافئ الجرأة أكثر مما تُكافئ الدقة في مراحلها الأولى.

في ختام هذا الحوار، نتقدّم بالشكر والتقدير إلى الأستاذة آلاء حميد جاسم على سعة صدرها ووضوح طرحها، وعلى هذا الحديث الذي أعاد اللغة الإنجليزية إلى سياقها الطبيعي بوصفها أداة تفكير وتواصل لا مادة خوفٍ واختبار. حوارٌ يفتح بابًا للتأمل في طرائق التعلّم، ويضع أمام القارئ أسئلة أعمق من القواعد، عن الثقة، والممارسة، ومعنى أن نستخدم اللغة لا أن نحفظها فقط.

اضف تعليق