ركائز المشروع التَّبليغي في سيرة السيد المرجع الشيرازي، أنَّ فاعلية التَّبليغ تقوم على تلازم ثلاثة عناصر أصالة البناء المعرفي، وصدق الالتزام العملي، وتنوّع الأدوات والوسائل. فالقدوة الحسنة تمنح الخطاب مصداقيته، والقول الحسن والحكمة يفتحان القلوب والعقول، والتَّعليم يؤسِّس للوعي المنهجي، والوعظ يوقظ البعد الوجداني، والحوار يعالج الإشكالات بروح إنسانيَّة...
يمثِّل التَّبليغ الدِّيني في المنظور الإسلامي وظيفة معرفيَّة رساليَّة تتجاوز حدود الأداء الوعظي الجزئي، لتندرج ضمن المنظومة الحضاريَّة الشَّاملة التي تحفظ الهوية الإيمانيَّة وتؤمِّن استمرارية الوعي العقائدي والفقهي والأخلاقي في المجتمع؛ فالدِّين –ضمن هذا التَّصور– مشروع هداية، تتكامل فيه المعرفة والسُّلوك، والفكر والواقع، والكلمة والموقف. ومن هنا يغدو التَّبليغ حلقة وصلٍ بين النَّص والإنسان، وبين الوحي والحياة، وبين القيم الإلهيَّة والسُّلوك الاجتماعي.
ولا يتحقَّق هذا الدَّور عبر الخطاب النَّظري وحده؛ وإنَّما يتأسَّس على منظومة من الرَّكائز المنهجيَّة والأدوات التربويَّة التي تجعل التَّبليغ تجربة واقعيَّة، لا مادة ذهنيَّة فحسب. فالمبلِّغ يمارس وظيفة بناء إنساني، يعيد من خلالها تشكيل الوعي، ويُسهم في توجيه التَّكوين الفكري والوجداني للمجتمع. ومن ثمَّ يرتبط نجاح التَّبليغ بمدى الانسجام بين شخصية المبلِّغ ومضمون دعوته، وبين منهجه العملي وأدواته المعرفيَّة، وبين ثبات الأصول ومرونة الوسائل.
وفي هذا السِّياق، تبرز تجربة المرجعيَّة الدِّينيَّة بوصفها أحد أهمِّ الحقول التَّطبيقيَّة للعمل التَّبليغي المعاصر؛ إذ ينعكس فيها الانسجام بين العلم والعمل، وبين القيادة الدِّينية والواقع الاجتماعي. وتُشكِّل سيرة سماحة المرجع الدِّيني السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) نموذجًا معاصرًا يمكن من خلاله قراءة ملامح مشروع تبليغي متكامل، يقوم على أسس معرفيَّة راسخة، ويعتمد أدوات متنوعة، ويتحرَّك ضمن رؤية تعتبر الدَّعوة إلى الله (تبارك وتعالى) امتدادًا مباشرًا للخطِّ الرِّسالي الذي اضطلع به الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
لذلك، سنحاول معرفة بعض ركائز المشروع التَّبليغي في سيرة المرجعيَّة، وبيان الأسس النَّظريَّة والمنهجيَّة التي يقوم عليها المنهج التَّبليغي عند سماحة السيِّد الشيرازي، عبر تحليل خصائص المبلِّغ، وتنوّع الوسائل والأساليب، وأثر التَّبليغ في بناء المجتمع، فضلًا عن التَّحديات المعاصرة التي تواجه العمل التَّبليغي وسُبل الاحتراز العلمي والنَّفسي للمبلِّغ. وبذلك يتحدَّد التَّبليغ بوصفه مشروعًا حضاريًا ممتد الأثر، لا نشاطًا ظرفيًا محدود الدَّائرة.
المحور الأوَّل: ركائز المشروع التَّبليغي في سيرة المرجعيَّة.
يمثِّل المشروع التَّبليغي في الفكر الدِّيني منظومةً متكاملة تتداخل فيها الأبعاد المعرفيَّة والتربويَّة والعمليَّة، ويعتمد على شبكة من الرَّكائز التي تتساند فيما بينها لتجعل الدعوة إلى الله (سبحانه) فعلًا مؤثِّرًا في الواقع الإنساني. فالتبليغ في حقيقته حركة بناء شاملة تستهدف عقل الإنسان ووجدانه وحركاته، وتسعى إلى نقل القيم من دائرة التَّصور الذِّهني إلى مجال الممارسة الاجتماعيَّة. ومن هنا تتحدَّد فاعليته بمدى توازن أسسه، وتكامل وسائله، وانسجام أدواته مع الغاية الرِّساليَّة التي يتحرَّك في إطارها.
وفي ضوء هذا الفهم يمكن قراءة التَّجارب التَّبليغيَّة النَّاجحة بوصفها مشاريع منهجيَّة لها أصولها الثَّابتة وأدواتها المتنوعة. فالقدوة العمليَّة تمنح التَّبليغ مصداقيته، والقول الحسن يفتح منافذ القلوب، والوعظ يوقظ الضَّمير، والتَّعليم يؤسِّس للوعي المنهجي، والحوار يعالج الإشكاليات الفكريَّة بروح الاحترام، والإعلام يوسِّع دوائر الوصول ويجعل الرِّسالة حاضرة في المجال العام. وهذه الرَّكائز تتكامل لتشكِّل بيئة هداية متكاملة تحيط بالإنسان في مختلف دوائر حياته.
وتبرز سيرة المرجعيَّة الدِّينية بوصفها حقلًا تطبيقيًا واضحًا لهذا البناء المتكامل؛ إذ تتجسَّد فيها العلاقة بين العلم والعمل، وبين القيادة الدِّينيَّة وخدمة المجتمع. وفي هذا المجال، تمثِّل تجربة سماحة المرجع الدِّيني السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) نموذجًا معاصرًا يمكن من خلاله رصد معالم مشروع تبليغي قائم على تعدُّد الوسائل ووحدة الهدف، وعلى الجمع بين التَّأصيل العلمي والحضور الاجتماعي، بما يجعل الدَّعوة ممارسة يوميَّة ممتدة لا نشاطًا موسميًا محدودًا.
وعليه، يتناول هذا المحور بعض الرَّكائز المحوريَّة التي يقوم عليها هذا المشروع التَّبليغي، من خلال دراسة الوسائل المعتمدة فيه، وبيان أبعادها التَّربويَّة والمعرفيَّة والاجتماعيَّة، للكشف عن الكيفيَّة التي تتحوَّل بها الدَّعوة إلى منظومة تأثير متكاملة، تشارك على بناء الفرد، وتوجيه المجتمع، وترسيخ الوعي الدِّيني في مساره العملي والتَّاريخي.
الوسيلة الأولى: القدوة الحسنة.
يُعدُّ أسلوب القدوة من أكثر الأساليب التَّبليغيَّة عمقًا وفاعليَّة في الدَّعوة إلى الله (تعالى) وإلى نهج أهل البيت (عليهم السلام) وإصلاح الفرد والمجتمع؛ لأنَّه يخاطب الإنسان عن طريق الواقع قبل الخطاب، وعبر العمل قبل الكلمة. والمبلِّغ حين يتحوَّل إلى تجسيد لما يدعو إليه، يصبح فعله خطابًا صامتًا؛ لكنه بالغ التَّأثير؛ لأنَّ النُّفوس بطبعها تميل إلى ما تراه متحققًا في الواقع أكثر ممَّا تسمعه في المواعظ والتَّنظير. ومن هنا كانت الدَّعوة بالعمل أصدق نفاذًا إلى القلوب، وأثبت أثرًا في الوجدان.
إنَّ أسلوب القدوة ينقل تقديم المبادئ في صورتها النَّظرية من حيِّز المفهوم إلى حيِّز الممارسة، ويُحوّل القيم الإسلاميَّة من عناوين مجرَّدة إلى سلوكٍ يوميٍّ قابل للملاحظة والاقتداء. ومهما بلغ الخطاب التَّبليغي من بلاغة وعمق، فإنَّه يظلُّ محتاجًا إلى إنسان صادق يُجسِّده في واقعه، ليكون شاهدًا عمليًّا على إمكان تطبيق الإسلام في مختلف شؤون الحياة، لا بوصفه فكرة مثاليَّة بعيدة التحقُّق.
وتنبع قوَّة هذا الأسلوب من انسجامه التَّام مع الفطرة الإنسانيَّة، فالإنسان يميل بطبعه إلى التَّقليد والمحاكاة، ويتأثَّر بالنَّماذج التي يرى فيها صدقًا وتوازنًا بين القول والعمل. فالقدوة الصَّالحة تؤثِّر في محيطها تأثيرًا تلقائيًا، سواء قصد صاحبها ذلك أم لم يقصده؛ لأنَّ الإخلاص، وحسن الخلق، والاستقامة، تتحوَّل بذاتها إلى دعوة تترك أثرها العميق في النُّفوس، لا سيما عند المعايشة والمخالطة.
ويمتاز أسلوب القدوة كذلك بقدرته على تجاوز الفوارق الثقافيَّة ومستويات الفهم المختلفة، فبينما قد يعجز بعض النَّاس عن استيعاب الخطاب النَّظري المعقَّد، يبقى المثال العملي مفهومًا للجميع؛ لأنَّه يُرى ويُلمس ويُعاش. ولهذا كان النموذج العملي أيسر في إيصال المعنى، وأقرب إلى القبول، وأطول عمرًا في الذَّاكرة.
وقد رسَّخ القرآن الكريم هذا المبدأ حين جعل النَّبي الأعظم محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) أسوة حسنة للمؤمنين؛ فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (1)، مؤكِّدًا أنَّ التَّربية الحقيقيَّة تنطلق من المثال العملي قبل أيِّ شيءٍ آخر، وهو النَّهج الذي سارت عليه سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، ثمَّ ورثه العلماء الربَّانيون عبر العصور. وتأتي تجربة سماحة المرجع الشيرازي امتدادًا فاعلًا لهذا الخط؛ إذ تتجلَّى سيرة سماحته بوصفها نموذجًا واضحًا لأسلوب القدوة في التَّبليغ، ولم تكن دعوته محصورة في البيان العلمي أو الطَّرح الفكري، وامتدَّت لتشمل ميادين متعدِّدة من العمل الإسلامي والاجتماعي. فقد اقترنت كلمته بسلوكه، وعلمه بتواضعه، ومرجعيته بحضوره الإنساني والإصلاحي، فغدت مواقفه قبل خطبه، وأفعاله قبل كتبه، رسائل تعكس صدق ما يدعو إليه من قيم وأخلاق.
الوسيلة الثَّانية: القول الحسن والحكمة.
إنَّ الدَّعوة إلى الله (تعالى) وإلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هي أسلوب حياة يُعاش، وسلوك يتمثَّل فيه الحقُّ الإلهي. وقد أمر الله (سبحانه وتعالى) بالقول الحسن فقال: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (2)، وأمر بالدَّعوة بأسلوب ملؤه الرَّحمة: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (3). فالقول الحسن يجمع بين وجاهة اللفظ وصحة المعنى، ويكون بلينٍ ورفقٍ، يربط بين القلب والعقل، ويقرِّب الإنسان من الله (تعالى) برفق ورعاية.
وقد جسَّد سماحة المرجع الشيرازي هذا المبدأ عمليًا في ميادين التَّبليغ كافَّة. فقد اعتمد على الكلمة الطَّيبة والأسلوب اللين في مخاطبة الجميع، سواء في المنابر العلميَّة، أو اللقاءات العامَّة، أو وسائل الإعلام، مؤكِّدًا أنَّ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة هي الأقدر على قلب القلوب وإصلاح النَّفوس. وحرص أن يكون كلامه طيِّبًا، وحججه واضحة، ولغته غنية بالرِّفق والحكمة، ليحقِّق الأثر الأعمق في النُّفوس، ويصل بالرِّسالة إلى قلوب النَّاس بأدق وأجمل صورة ممكنة.
الوسيلة الثَّالثة: الوعظ والإرشاد.
لقد أولى سماحة المرجع الشيرازي أهميَّة كبرى للوعظ والإرشاد المباشر، فكان يستخدم في دعوته جميع وسائل الاتصال المباشر مع النَّاس، بما فيها الخطب والمحاضرات والمجالس العلميَّة، لتوضيح منهج الثقلين، ونشر قيم الدِّين الإسلامي في أوساط المجتمع.
وقد حرص سماحته على أن تكون كلُّ محاضرة أو مجلس علمي فرصة لتقوية الإيمان، وتنمية الفهم الصَّحيح للدِّين، وصقل الأخلاق، وتعزيز الوحدة والتَّعاون بين المسلمين، مع مراعاة اختلاف مستويات الفهم والثَّقافة بين الحضور.
الوسيلة الرَّابعة: التَّعليم ونشر المعرفة.
التَّعليم ونشر المعرفة ركيزة محوريَّة في المسار التَّبليغي، حيث تمثِّل الدُّروس الدِّينيَّة الأداة المنهجيَّة لتأصيل الوعي العقدي وبناء الفهم الفقهي والأخلاقي المتوازن. ومن خلال تدريس العقائد والفقه والسيرة والأخلاق في المدارس والحوزات العلميَّة والمراكز الثقافيَّة، يتحوَّل الدِّين من إطارٍ معلوماتيٍّ مجرَّد إلى كيان فكريّ وتربويّ متكامل، تُكوِّن لدى المتعلِّم إدراكًا يجمع بين سلامة المعرفة وانضباط السُّلوك، ويؤهِّله للحضور الواعي في مجتمعه، متمثِّلًا الشَّريعة الإسلاميَّة في بعديها العلمي والعملي.
وفي هذا المجال برز النّتاج العلمي لسماحة المرجع الشيرازي؛ إذ قدَّم للفقهاء وأهل الاختصاص بحوثًا استدلاليّة معمَّقة اتَّصفت بالدقَّة والتَّحقيق، وطُبع منها كتاب "بيان الفقه" في شرح العروة الوثقى "مباحث الاجتهاد والتقليد"، و"بيان الأصول" في قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، متناولًا فيهما أبحاثًا بأسلوبٍ تحقيقيٍّ موسَّع تميَّز بالتَّحليل والاستيعاب.
كما تنوَّعت مؤلفاته لتخاطب مستويات علميَّة مختلفة؛ فكتب للحوزات وطلبة العلوم الدِّينيَّة شروحًا ودراسات في المتون الدراسيَّة، مثل شروح اللمعة والشَّرائع والتبصرة والسيوطي والصمدية، وشرح العوامل، إضافة إلى مختصرات في المنطق وغيره. وإلى جانب ذلك، ألّف في مجالات الفكر الإسلامي العام، متناولًا موضوعات العقيدة، والقرآن الكريم، والسِّيرة، والاجتماع، والاقتصاد، والسِّياسة، والأخلاق، في عناوين متعدِّدة تعالج قضايا معرفيَّة وتربويَّة معاصرة بروحٍ تأصيليَّة.
وامتدَّ عطاؤه العلمي إلى البحث الخارج في الفقه والأصول لسنوات طويلة، حيث شكَّلت دروسه مركز جذبٍ علمي يحضره عدد كبير من أهل السَّماحة والفضل، وأسهمت في إعداد جملة من الباحثين وذوي الاختصاص، كما حُفظ جانب من هذه الدروس تسجيلًا، ما أتاح الإفادة منها لشرائح علميَّة أوسع، وبذلك تكامل جانب التَّعليم اللفظي مع التَّأليف والتَّحقيق، في صورةٍ تعبِّر عن مشروعٍ علميٍّ متواصل يخدم المعرفة الدِّينيَّة في مستوياتها المتعدِّدة.
الوسيلة الخامسة: الحوار الهادف.
من وسائل التَّبليغ البارزة في هذا النَّهج (الحوار الهادف) القائم على العقلانيَّة والهدوء، والابتعاد عن أساليب التشنُّج والإقصاء. فهذا اللون من الخطاب ينطلق من روح الهداية وكشف الحقيقة، عبر مناقشةٍ علميَّةٍ رصينة تحمي عقل الإنسان وتحترم كرامته. وحين يتَّسم الحوار بالاتزان، فإنَّه يمنح الطَّرف الآخر شعورًا بقيمته، ويفتح قلبه قبل ذهنه، فيتحوَّل النِّقاش من ساحة صراعٍ وتنازع إلى مساحة فهمٍ متبادل وبحثٍ مشترك عن الحقِّ.
كما أنَّ احترام آراء الآخرين -وإن خالفت- يمثِّل خُلُقًا تبليغيًا رفيعًا، يكشف عن ثقة المبلغ بما يحمل من فكر، ويجعل الكلمة الدِّينيَّة أقرب إلى القبول وأبلغ في التَّأثير. فالكلمة الهادئة تبلغ ما لا يبلغه الصَّوت المرتفع، والعقل المنفتح أقدر على مدِّ الجسور من الجدل العقيم. ومن هنا يغدو الحوار وسيلة إصلاحٍ وتوعية، لا مجرَّد أداة ردٍّ ومواجهة، فيؤدّي دوره في ترسيخ القيم، وتقريب النُّفوس، وتعميق الوعي الدِّيني بروحٍ إنسانيّةٍ راقية.
وقد تجلَّى هذا النَّهج بوضوح في تجربة سماحة المرجع الشيرازي، فقد برع في اعتماد الحوار أسلوبًا أصيلًا في التَّبليغ، ففتح أبوابه لمختلف الطَّوائف وشرائح المجتمع، وتناول شتَّى القضايا بروحٍ علميَّةٍ هادئة، ولسانٍ أبويٍّ رحيم، ممَّا جعل خطابه مساحة لقاءٍ لا ساحة خصومة، ومنبرَ هدايةٍ لا منبرَ صراع.
الوسيلة السَّادسة: الإعلام.
كذلك برع سماحة المرجع الشيرازي في تنشيط الإعلام بمختلف مجالاته، بما يواكب متطلبات العصر وتحوّلاته المتسارعة، إدراكًا لأثر الكلمة المسموعة والمكتوبة والمرئيَّة في صناعة الوعي وتوجيه المجتمع. فقد تعامل مع الإعلام بوصفه ساحةً محوريَّة من ساحات التَّبليغ، لا وسيلةً ثانوية، فعمل على توظيفه لخدمة الفكر ونشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) بروحٍ معاصرة وأسلوبٍ يفهمه الإنسان اليوم.
وتنوَّعت أدوات هذا الحضور الإعلامي بين الكتب والمؤلفات التي تؤصِّل الفكر وتعمِّق الفهم، والمقالات التي تعالج قضايا المجتمع وتلامس واقعه، والقنوات الفضائيَّة التي تنقل الخطاب الدِّيني إلى البيوت على اتِّساع الجغرافيا، إضافةً إلى مواقع التَّواصل الاجتماعي التي أصبحت منابر يوميَّة للتَّأثير والتَّوجيه. وبهذا التَّكامل بين الوسائل التَّقليديَّة والحديثة، تحوَّل الإعلام في هذا النَّهج إلى جسرٍ حيّ يربط الرِّسالة بالنَّاس، ويجعل الفكر الدِّيني حاضرًا في تفاصيل الحياة، لا بعيدًا عنها.
المحور الثَّاني: أسس وأدوات وتطبيقات المنهج التَّبليغي.
من أبرز النَّماذج المعاصرة التي صاغت فهمًا تطبيقيًا راسخًا لرسالة التَّبليغ ومعالمه، يسطع منهج سماحة السيد الشيرازي؛ إذ يمتاز بتكامل الجذور العلميَّة والمسار الأخلاقي وتعدُّد الوسائل التَّبليغيَّة، في أفق رؤية تنبثق من محورية القرآن الكريم ونهج أهل البيت (عليهم السلام) في بناء وعي الأمَّة. وهذا المنهج يجعل التَّبليغ قلب الحركة الدِّينيَّة، وأساس الدفاع عن الهوية الإيمانيَّة للمجتمع، ومسارًا متجدِّدًا لإحياء الصلة بالقيم الرِّساليَّة في شتَّى الميادين ومختلف مجالات الحياة كلها جمعاء.
وتكشف نصوص سماحته وتوجيهاته عن فهمٍ للتَّبليغ باعتباره تكليفًا شرعيًا مباشرًا يرتبط بقدرة الإنسان على البيان والتَّأثير. فالتَّبليغ ضمن هذا التَّصور عمليَّة تغيير عميق تشارك في إعادة تشكيل التركيبة الفكريَّة والأخلاقيَّة للمجتمع، وتنقل الفرد من حالة اللامبالاة أو الجهل إلى موقع الوعي والالتزام والانتماء الرِّسالي.
وفي هذا السِّياق يقول (دام ظله): "لا شكَّ أنَّ أشرف مهمَّة في الدُّنيا هي مهمَّة التَّبليغ؛ لأنَّها مهمَّة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) فإنَّ الله (سبحانه وتعالى) لم يكلِّفهم وهم أشرف المخلوقات بمهمَّة أخرى سوى التَّبليغ، ومن ثمَّ إذا استطاع الإنسان أن يكون مبلِّغا لدين الله، فهذا يعني أنَّه وضع أقدامه وخطاه في موضع أقدام الأنبياء(عليهم السلام) وسلك مسلكهم" (4).
وتؤسس هذه الرُّؤية لفهمٍ يجعل التَّبليغ موقعَ شرفٍ قبل أن يكون وظيفةً اجتماعيَّة، ويضع الإنسان في مسارٍ رسالي تتقاطع فيه حركته مع خطِّ الأنبياء (عليهم السلام)، ويمنحه دورًا في استمرار الهداية الإلهيَّة داخل الواقع الإنساني، من خلال الكلمة الصَّادقة، والسُّلوك المستقيم، والحضور الواعي في ميادين الحياة.
المطلب الأوَّل: التَّبليغ بين الواجب الكفائي والعيني.
يُطرح التَّبليغ في الرُّؤية الفقهيَّة بوصفه الغاية النِّهائيَّة لمسار التَّعلُّم الدِّيني، ولا تُفهم دراسة العلوم الإسلاميَّة باعتبارها نشاطًا معرفيًا مكتفيًا بذاته، وإنَّما إعدادًا منهجيًا لتأهيل الإنسان لحمل الهداية إلى المجال الاجتماعي. فالحوزة العلميَّة، ضمن هذا التَّصور مؤسسة لصناعة الوعي الرِّسالي القادر على الانتقال من التَّنظير إلى الممارسة، ومن الفهم إلى التَّأثير، ومن الذَّات إلى المجتمع. وعليه يصبح التَّبليغ الامتداد الطَّبيعي للدرس، والنَّتيجة العمليَّة للتَّحصيل، والإطار الذي تظهر فيه ثمرة العلوم الحوزويَّة.
وفي هذا المجال يبرز طرح سماحة المرجع الشيرازي، الذي يربط بين القيمة العلميَّة للدرس الحوزوي ووظيفته التبليغيَّة، فيجعل الدعوة إلى الله (سبحانه) محور الحركة العلميَّة، لا نشاطًا جانبيًا. فالمعيار في نضج العالم الدِّيني، وفق هذا المنهج يتحدَّد بقدرته على إيصال الهداية إلى النَّاس، ومعالجة أسئلتهم، وبناء صلتهم بالدِّين في واقع حياتهم. وبهذا المعنى يتَّخذ التبليغ بُعدًا حضاريًا؛ لأنَّه يعمل على إدخال القيم الإسلاميَّة في يوميات المجتمع، فتغدو الأخلاق والعقيدة والعبادة عناصر حاضرة في السُّلوك العام، لا مفاهيم معزولة في الوعي النَّظري.
كما يتَّسع نطاق الخطاب التَّبليغي ليشمل مختلف الفئات والبيئات، ويتجه إلى الإنسان بوصفه إنسانًا، أينما كان موقعه الاجتماعي أو الثَّقافي. فالحاجة إلى الهداية مشتركة، وتفاوت المستويات يفرض تنوّع الأساليب، مع بقاء الهدف واحدًا: بناء إنسان مرتبط بدينه وواعٍ لهويته الرساليَّة. ومن هنا يغدو التَّبليغ عمليَّة تفاعل مستمر بين الثَّابت الدِّيني ومتغيرات الواقع، بما يحفظ الأصالة ويضمن الفاعلية.
ويعبِّر سماحته عن هذه الرُّؤية بقوله: "ليعلم الإخوة الذين ينطلقون للتَّبليغ والإرشاد وهداية النَّاس في القرى والأرياف والمدن والبلاد الأخرى في شهر رمضان وغيره، أنَّ الهدف المقدَّس والغاية الأسمى من دراستهم ومن كلِّ ما تلقوه من علوم دينيَّة في الحوزات هو التَّبليغ" (5).
ومن النَّاحية الفقهيَّة، يتأسَّس هذا التَّصور على الجمع بين توصيفين للواجب: الكفائي والعيني. فإرشاد النَّاس، من حيث هو وظيفة لحفظ الدِّين في المجتمع، يُعدّ في أصله واجبًا كفائيًا، يطلب الشَّارع المقدَّس تحققه في الأمَّة بحيث إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. غير أنَّ هذا الحكم يتبدَّل تبعًا للواقع؛ فإذا خلا الميدان أو قصرت الجهود عن تلبية الحاجة، انقلب التَّكليف إلى صفة العينيَّة بالنسبة إلى القادرين، كلٌّ بحسب سعته العلميَّة وطاقته العمليَّة. وبهذا ينتقل الواجب من دائرة الاكتفاء الجماعي إلى دائرة اللزوم الشَّخصي، فيتحمَّل الفرد مسؤولية مباشرة في سدِّ الفراغ حيث يوجد.
ويشير سماحته إلى ذلك بقوله: "إرشاد النَّاس من الفرائض العينيَّة فعلًا، ومن الفرائض الكفائيَّة بذاته؛ لأنَّ علماء الإسلام يجمعون أنَّ الواجب الكفائي ينقلب عينيًّا إن لم يوجد من به الكفاية، كل على قدر سعته" (6).
وتتَّضح الأبعاد الاجتماعيَّة لهذا الفهم عند النَّظر إلى التَّجربة التَّاريخيَّة، فالتَّاريخ يُظهر أنَّ حركة التَّبليغ المخلصة تمتلك قدرة على إعادة تشكيل الاتِّجاهات العقديَّة والثَّقافيَّة للشعوب عبر الزَّمن. وأنَّ التَّحولات الكبرى في الانتماء المذهبي والالتزام الدِّيني كانت ثمرة جهود تراكميَّة نهض بها مبلِّغون جمعوا بين الإخلاص والصَّبر والحضور المستمر بين النَّاس. وقد أشار سماحته إلى هذا البعد بقوله: "إنَّ للتَّبليغ أهميَّة كبرى وتأثيرًا عظيمًا، فإيران والعراق اللتان تعدَّان اليوم مواليتين لأهل البيت(عليهم السلام) بأغلبية ساحقة، لم تكونا كذلك في السَّابق؛ بل تحولتا إليه بفضل التَّبليغ الذي نهض به رجال أفذاذ نذروا أنفسهم له وعقدوا العزم عليه" (7).
المطلب الثَّاني: خصائص المبلِّغ المثالي.
تتأسَّس فاعلية التَّبليغ الدِّيني على بناء الشَّخصيَّة لدى المبلِّغ، ويرتبط نجاح التَّبليغ ارتباطًا مباشرًا بالبُعد الأخلاقي لحامل الرِّسالة. فالمتلقي يتفاعل مع الفكرة في صورتها الذِّهنية من خلال وسيط إنساني تتجسَّد فيه معانيها، ويُقاس صدقها بمدى حضورها في سلوكه اليومي.
في ضوء هذا الفهم، تتقدَّم صفات الصِّدق والإخلاص وحسن الخلق وضبط النَّفس والاتِّزان الانفعالي بوصفها مرتكزات محوريَّة في الأصول التَّبليغيَّة. فالصِّدق يمنح الخطاب مشروعيته، ويُشعر المتلقي أنَّ ما يُعرض عليه صادر عن قناعة لا عن أداء وظيفي. والإخلاص ينقِّي العمل من الدَّوافع الذَّاتيَّة الضيِّقة، فيتحوَّل التَّبليغ إلى فعل عبادي مقصود لوجه الله (سبحانه)؛ الأمر الذي ينعكس صفاءً في النيَّة وطمأنينة في الأسلوب. أمَّا حسن الخلق، فيفتح القلوب قبل العقول؛ لأنَّ الإنسان يتَّجه إلى من يحسن معاملته ويحفظ كرامته، بينما يفضي التَّوتر والغلظة إلى إقامة حواجز نفسيَّة تعيق وصول المضمون.
وقد عبَّر سماحته عن هذا التَّرابط بقوله: "ينبغي للمبلِّغ أن يكون طلق الوجه بشوشا، ولكن هذا لا يعني أن يكون مفتوح الفم دائمًا يضحك ويقهقه لأتفه الأسباب؛ لأنَّه كما ينبغي للمبلِّغ أن لا يكون عبوسًا، ينبغي له أيضًا أن يكون وقورًا ولا يكون مبتذلًا" (8).
ويعكس هذا التَّوجيه فهمًا لطبيعة التَّأثير النَّفسي، فالبشاشة تقرِّب ولا تُسقط الهيبة، والوقار يحفظ المقام من غير أن يتحوَّل إلى جفاء، وبذلك تتحقَّق معادلة القرب والاحترام في آنٍ واحد.
ويمتد أثر هذه الصِّفات إلى دائرة أوسع من العلاقة الفرديَّة، ويتحمل المبلِّغ موقع القدوة بحكم وظيفته الاجتماعيَّة، سواء كان خطيبًا أو مدرِّسًا أو عالمًا أو واعظًا. فكلُّ حركة منه، وكلُّ أسلوب في تعامله، يدخل في مجال التَّلقي التربوي لدى من حوله، فيتشكَّل وعيهم وسلوكهم من خلال ما يشاهدونه بقدر ما يسمعونه. ولهذا يتضاعف لزوم تهذيب النَّفس بالنسبة إليه؛ لأن أثره يتعدَّى ذاته إلى دوائر بشريَّة قد تكون واسعة وممتدة عبر الزَّمن.
وفي هذا السياق يقول سماحته: "ترويض النَّفس من أهمِّ الواجبات العينيَّة بالنسبة إلى كلِّ فرد، ويتأكَّد بالنسبة لنا نحن الوعَّاظ والمبلِّغين وعلماء الدِّين؛ لأنَّ كلَّ واحد منَّا يتعلَّم منه أفراد وربما جماعات، ويتلقون منه ويقتبسون ويقتفون أثره، ويتأثَّرون بكلامه وحركاته وتصرفاته" (9).
وتُظهر هذه المعالجة أنَّ المبلِّغ المثالي مشروع تربية مستمر لنفسه قبل غيره، وإنَّ تهذيب النَّفس هو الأساس الذي تُبنى عليه فاعلية الخارج. وكلَّما ازداد التَّوافق بين التزكيَّة النَّفسيَّة والسُّلوك الظَّاهر، ازدادت قدرة الدَّعوة على النَّفاذ، وتحوَّل التَّبليغ من خطاب مسموع إلى تجربة مؤثِّرة تمتد آثارها في النُّفوس والبيئات الاجتماعيَّة المختلفة.
المطلب الثَّالث: أساليب التَّبليغ.
تتحدَّد فاعلية التَّبليغ الدِّيني بمدى وعي المبلِّغ بطبيعة الوسيلة وملاءمتها للسياق الذي يتحرَّك فيه؛ إذ إنَّ الرِّسالة الواحدة قد تفقد أثرها إذا قُدِّمت بطريقة لا تنسجم مع مستوى المتلقي أو حاجته المعرفيَّة والنَّفسيَّة. ومن هنا يُنظر إلى التَّبليغ بوصفه عمليَّة تواصل مرنة تتكيَّف مع تنوّع البيئات والثَّقافات ودرجات الفهم، مع الحفاظ على ثبات المضمون وأصالته. فالتَّغيُّر يقع في طريقة العرض لا في جوهر الرِّسالة؛ الأمر الذي يعبِّر عن وعي حضاري بطبيعة الإنسان واختلاف مسارات تلقيه للمعرفة.
وفي هذا الإطار، يؤكِّد سماحة المرجع الشيرازي على تنوّع الأدوار والأساليب تبعًا لاختلاف الحضور؛ حيث يقتضي الخطاب الموجّه إلى النخب الثقافيَّة مستوى من التَّحليل والمفاهيم يناسب خلفيتهم المعرفيَّة، بينما يتطلَّب الحديث إلى العامَّة لغةً أقرب إلى البساطة والوضوح والتَّمثيل الحسِّي. وهذا التَّفاوت لا يعكس اختلافًا في قيمة الجمهور؛ بل مراعاةً للمدخل المناسب إلى وعي كلِّ فئة؛ لأنَّ المقصود هو إيصال الهداية، لا استعراض القدرة العلميَّة. وهذه الرؤية نحصل عليها من قول سماحته: "قد تختلف أدوار التَّبليغ ووسائله باختلاف الحضور وتنوعه؛ فالخطيب إذا تحدَّث إلى جمهور من المثقفين تحدَّث بأسلوب يختلف عمَّا إذا كان حديثه إلى أناس أميين، لكن يبقى التَّبليغ يحظى بالأهميَّة في كلِّ حالاته" (10).
ويترتَّب على هذا الفهم أنَّ المبلِّغ مدعو إلى نشر الكلمة الطيِّبة في مختلف المواقع، من غير حصر لنشاطه في بيئة محدَّدة أو طبقة اجتماعيَّة بعينها. فالهداية شأن إنساني عام، والكلمة المؤثِّرة قد تُحدث أثرًا عميقًا في موضع لا يتوقعه الإنسان.
المطلب الرَّابع: أثر التَّبليغ على المجتمع.
يتجاوز التَّبليغ الدِّيني نطاق التَّأثير الفردي المحدود ليأخذ بُعدًا اجتماعيًا ممتدًا؛ إذ يُساعد على تشكيل المنظومة العقديَّة والثقافيَّة للمجتمعات عبر مسار تراكمي طويل الأمد. فالتَّبليغ المخلص يؤسِّس لتحوّلات داخل الوعي الجمعي، تبدأ بتغيير قناعات أفراد، ثمَّ تتحوَّل إلى اتِّجاهات أسريَّة، ثمَّ تستقر في صورة هوية ثقافيَّة ودينيَّة متوارثة عبر الأجيال. وبهذا المعنى يُفهم التَّبليغ بوصفه آلية حضاريَّة لإعادة توجيه المسار الفكري والأخلاقي للمجتمع، من خلال بناء الإنسان الذي يشكِّل اللبنة الأولى في أيِّ بناءٍ اجتماعيّ.
إنَّ قدرة المبلِّغ على التَّأثير تمتد آثارها إلى دوائر زمنيَّة لاحقة، ولا تنحصر في نطاق الحضور المباشر؛ لأنَّ الفكرة حين تستقر في نفس الإنسان تتحوَّل إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسُّلوك إلى تربية داخل الأسرة، فتنتقل القيم إلى الأبناء بوصفها جزءًا من البيئة الطبيعيَّة التي ينشؤون فيها. ومن هنا تصبح الكلمة الصَّادقة نقطة انطلاق لسلسلة من التَّحولات غير المرئية آنذاك؛ لكنَّها بالغة العمق في نتائجها المستقبليَّة. فالتَّبليغ، في جوهره استثمار في الإنسان بما هو كائن ممتد في الزَّمان، لا فرد معزول في لحظة آنية.
ويُبرز هذا البعد التَّاريخي ما أشار إليه سماحته من أن كثيرًا من البيئات الإيمانيَّة المعاصرة لم تكن في أصولها على هذا المسار العقدي، وإنَّما وصلت إليه عبر جهود تبليغيَّة متواصلة نهض بها أفراد حملوا الرِّسالة بإخلاص وثبات. فقد قال: "لو تعمقت في التَّاريخ والسِّير، وبحثت في أنساب كثير من المؤمنين وتسلسلت في أجدادهم لرأيت أنَّ كثيرًا منهم ينحدر من أجداد لم يكونوا في خطِّ أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولكنهم تحوَّلوا إليه بفضل التَّبليغ، وقد استمر الخط في أولادهم وأعقابهم إلى يومنا هذا" (11).
وتكشف هذه الإشارة أنَّ أصل التَّحول العقدي نتيجة تفاعل طويل بين الكلمة المؤثرة والواقع الإنساني. فالمبلِّغ حين يزرع بذرة الهداية في بيئة ما، قد لا يشهد بنفسه جميع ثمارها، غير أنَّ الأثر يستمر في الامتداد عبر الأبناء والأحفاد، حتَّى يتحوَّل إلى مسار مستقر في العائلة والمجتمع. وبهذا يتداخل الفعل الفردي مع البناء التَّاريخي، ويصبح التَّبليغ مساهمة في صياغة مستقبل الأمَّة، لا يقف عند حدود الموعظة العابرة.
المطلب الخامس: التَّحصينات العلميَّة للمبلِّغ.
تفرض طبيعة العصر الرَّاهن على العمل التَّبليغي بيئةً مركَّبة تتَّسم بتسارع المعلومات، وتعدُّد المرجعيات الفكريَّة، واتِّساع دائرة التَّساؤلات؛ الأمر الذي يجعل المبلِّغ في مواجهة مستمرة مع إشكالات عقائدية وفكريَّة وسلوكيَّة تتفاوت في عمقها ومستواها. ومن هنا يقتضي المقام إعدادًا علميًا راسخًا، وتأهيلًا نفسيًّا يتيح التَّعامل مع الأسئلة والاعتراضات بهدوء واتِّزان. فالمبلِّغ يتحرَّك في ميدان حواري مفتوح، لا في فضاء أحادي الاتِّجاه، ما يجعل الاستعداد المسبق جزءًا من صميم المسؤوليَّة العلميَّة.
وفي هذا الباب، يؤكِّد سماحة المرجع الشيرازي على ضرورة التَّهيؤ الذِّهني والعملي لمواجهة تنوّع الأسئلة، سواء كانت عميقة أو بسيطة في ظاهرها؛ لأنَّ السُّؤال – مهما بدا ساذجًا – قد يعكس حيرة حقيقيَّة أو نقصًا في الفهم يحتاج إلى معالجة تربويَّة لا إلى استهانة. وفي هذا قال: "على الإخوة الذين يتوجهون إلى التَّبليغ التَّأهب والتهيؤ للأسئلة المتنوعة التي قد يواجهون بها، وأن لا يبرموا حتَّى من الأسئلة السَّاذجة وربما السَّفيهة التي قد يواجهون بها أحيانًا"(12)، ويُفهم من ذلك أنَّ الصَّبر على السُّؤال جزء من احترام السَّائل، وأنَّ التَّربية التَّبليغيَّة تقتضي سعة صدر تعكس أخلاق الرِّسالة قبل مضمونها.
ويمتد التَّحصين إلى البعد النَّفسي المرتبط بالنيَّة والدَّافع؛ إذ يشكِّل حبُّ الظُّهور أو السَّعي إلى الثَّناء خطرًا خفيًا قد يُفرغ العمل من روحه العباديَّة. فالنَّجاح الظَّاهري ليس معيارًا كافيًا إذا انفصل عن الإخلاص؛ لأنَّ التَّبليغ في جوهره عبادة تُقصد بها مرضاة الله (تعالى) لا تحقيق المكانة الاجتماعيَّة. وفي هذا المعنى يوجِّه سماحته إلى محاسبة النَّفس فيقول: "لينظر الخطيب إلى حديثه عندما يجذب الآخرين هل أتعب نفسه وعني بعباراته ونمَّق أسلوبه لكي يقال عنه أنَّه خطيب ناجح أم كان كله لله، أم بعضه لله وبعضه لنفسه، وهكذا الكاتب والمدرِّس والمبلغ والمجتهد..." (13).
ومن جهة أخرى، يبرز التَّحدي المعرفي بصورة خاصَّة في أوساط الشَّباب والطلبة، الذين يعيشون في بيئة تعليميَّة وإعلاميَّة تولِّد أسئلة متشابكة حول العقيدة والشَّريعة والهوية. فهؤلاء يبحثون عن خطاب يراعي مستوى وعيهم ويجيب عن تساؤلاتهم بلغة مفهومة ومنهج منظم، ولا يكتفون بالإجابات السَّطحيَّة. وقد أشار سماحته إلى ذلك بقوله: "النَّاس في هذا الزَّمان خصوصًا الشَّباب ولا سيَّما طلاب المدارس والجامعيين منهم بأمس الحاجة لمن يقول لهم ما هي الواجبات، وما هي المحرَّمات، فأكثر أذهانهم محشوة بعشرات؛ بل مئات الأسئلة حول الإسلام بانتظار من يجيبهم، وهذا يحتاج إلى علم ودراسة وتعزيز علمي، فلا يتمكَّن كلُّ شخص أن يجيب عن أسئلتهم بسهولة ويعرِّض نفسه للجواب والخطاب والكتابة والنقاش من دون علم؛ بل إنَّ ذلك يحتاج إلى أرضيَّة وتعبئة علميَّة ومقدِّمات" (14).
لقد أظهرت دراسة ركائز المشروع التَّبليغي في سيرة المرجعيَّة، وتحليل المنهج التَّبليغي عند سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، أنَّ فاعلية التَّبليغ تقوم على تلازم ثلاثة عناصر كبرى: أصالة البناء المعرفي، وصدق الالتزام العملي، وتنوّع الأدوات والوسائل. فالقدوة الحسنة تمنح الخطاب مصداقيته، والقول الحسن والحكمة يفتحان القلوب والعقول، والتَّعليم يؤسِّس للوعي المنهجي، والوعظ يوقظ البعد الوجداني، والحوار يعالج الإشكالات بروح إنسانيَّة، والإعلام يوسِّع دوائر الوصول، في صورة منظومة متكاملة التَّأثير.
كما يتَّضح أنَّ التَّبليغ يحمل بعدًا تاريخيًا ممتدًا؛ إذ يسهم في تشكيل الهوية العقديَّة والثقافيَّة للأجيال، من خلال عمليَّة تراكميَّة تتحوَّل فيها الكلمة الصَّادقة إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة اجتماعية راسخة. ومن هنا يغدو العمل التَّبليغي استثمارًا بعيد المدى في الإنسان والمجتمع، وجزءًا من صناعة المسار الدِّيني للأمَّة. وبذلك يتأكَّد أنَّ التَّبليغ تكليف مستمر يقتضي إعدادًا معرفيًا عميقًا، وتهذيبًا نفسيًّا دائمًا، ليبقى الخطاب الدِّيني مصدر طمأنينة فكريَّة وأخلاقيَّة، وجسرًا موصلًا بين الهداية الإلهيَّة والواقع الإنساني.



اضف تعليق