الفقراء موجودون في كل الازمنة، وكذلك المعدمون والمحرومون. من الفلاح في مصر القديمة، الى البدو في الصحارى، من القن في القرون الوسطى الى الحانوتي الصيني الصغير، لقد عاشت جماهير الشعب الكبرى وباستمرار حالة من العوز الشديد. الا انه ثمة فقر وفقر. فالى جانب جماهير الفلاحين العريضة، والحرفيين وصيادي الاسماك ومربي الحيوانات الذين يعيشون حالة فقر من دون وسائل كبرى، نجد عالما اخر اكثر فقرا وتعاسة: عالم المنبوذين والمتسولين والمعدمين الذين لا ارض لهم ولا مواشي ولامسكن، والذين يتوجب عليهم العيش من التسول او السلب.

لقد خصص المؤرخ لبولندي المؤرخ الاجتماعي والسياسي. برونيسلاو جرميك العديد من الدراسات للفقر والتهميش الاجتماعي في القرون الوسطى وفي العصر الحديث.

وقد ابدى اهتمامه بالنظرة التي يوليها المجتمع للمعدمين والمتسولين الذين يتأرجحون بين الخوف والشفقة، كما يشير الى ذلك في احد عناوين كتبه. كما ان الحياة الصناعية قد اوجدت نمطا اخر من التفقير في الغرب.

يشكل الفقر والاقصاء جزءا من الموضوعات الكبرى التي تعالجها ادبيات العلوم الاجتماعية. ففي الولايات المتحدة حيث ظهر علم الاجتماع الامريكي، عالجت اولى الدراسات الكبرى الحياة الاجتماعية لمن هم دون مأوى آنئذ والمجرمين والمنحرفين الاحداث.

في كل مكان يسيطر فيه الفقر نجد الرذيلة مرافقة له. فهل من علاقة لانفكاك منها بين الفقر والشقاء الاخلاقي؟ هذا ماتوحي به عبارة ثقافة الفقر التي تعزى الى الانثروبولوجي اوسكار لويس في احد كتبه.

حيث يصف حياة اسرة فقيرة من الهنود المهاجرين الذين يعيشون في مكسيكو. وهو يرى ان الفقر ينتج شخصية خاصة من معالمها الرئيسة مايلي: الشعور بالتبعية والدونية، القدرية، غياب رقابة الذات، ضعف القدرة على التوجه المستقبلي والبقاء في الحاضر. وابان دراسات اخرى اجريت في بورتوريكو او في الاحياء الفقيرة في نيويورك، يشير لويس الى تشابه ملحوظ بين البنى الاسرية، وسلوكات الافراد وقيم الفقراء. وهذا مايطلق عليه اسم (ثقافة الفقر).

عادة ما يتم النظر إليه من وجهة النظر الاقتصادية...الخ. ولذلك تركز بعض تعريفات الفقر على العتبة أو الحد الأدنى النقدي: فعلى سبيل المثال، الفرد "الفقير جدا" هو من يملك دخلا لا يتعدى دولار يوميا، أو ان الفرد الفقير هو الذي يكون دخله لا يتعدى دولارين في اليوم الواحد...الخ.

أيضا يمكن قياس الفقر الاقتصادي من خلال التمييز بين عدم إشباع الحاجات الفيزيولوجية الأساسية (الجوع) والوضعية النسبية للفقر (عدم كفاية الدخل في عالم من الوفرة). وهو أمر يمكن ملاحظته أيضا لدى أصناف مختلفة من الأفراد يمكن بصفة عامة تعريفهم من خلال مصطلح العجز الاجتماعي.

وضعية الفقر تعرف على أنها وضعية العجز الاجتماعي، حيث يشير الاجتماعي نفسه إلى وضعيات مختلفة من الأضرار والدونية. ومن بين أشكال العجز الاجتماعي يمكن الإشارة إلى الإعاقات الحسية والبدنية، المحركات، أولائك الذين يعانون من الوضعية الخاصة للعجز البدني.

إنها يمكن أن تحدد من زاوية نظر قانونية، سياسية ...الخ.

ثمة مقترب أخر يحدد الفقر في وضعيات الحرمان بمعنى الشعور بنقص إلى حد ما كبير في الحاجات الأساسية.

كثيراً ما يكون الفقر ناتجاً عن المستوى المنخفض للتنمية الاقتصادية أو للبطالة المنتشرة، والأفراد الذين لا يملكون القدرة الأقل من المتوسطة للحصول على دخل -لأي سبب كان - غالباً ما يكونون فقراء والتعريف السابق للفقر يحمل بين طياته إحدى التعريفات الثلاثة التي يُعرَّف بها الفقراء، والتي حُددت في منتدى العالم الثالث 1994.

أولها: وهو التعريف الموضوعي الذي يركِّز على كونهم غير القادرين على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة. ويعتبر كلاً من دخل الأسرة ومتوسط نفقات الفرد مقياسين كافيين لمستوى المعيشة، وهنا يكمن الفرق بين الفقر وعدم المساواة، فكما ذكر البنك الدولي في تقرير التنمية في العالم (1990) أن الفقر يعبر عن المستوى المطلق لمعيشة جزء من السكان وهم الفقراء، بينما يعبر عدم المساواة عن المستوى النسبي للمعيشة في المجتمع ككل أما التعريفان الآخران للفقراء فهما: التعريف الذاتي للفقراء والتعريف السوسيولوجي للفقراء.

التعريف الذاتي:

يعرف فيه الفقراء من وجهة نظر الفرد ذاته؛ فإذا شعر بأنه لا يحصل عما يحتاج إليه -بصرف النظر عن احتياجاته الأساسية- يُعد فقيراً. وأما السوسيولوجي: فيعرفهم بكونهم من يحصلون من المجتمع على مساعدة اجتماعية، ويعتبر الحد الفاصل للفقر هو الحد الأدنى الرسمي للدخل الذي يحصل عليه الفرد عندما يعتمد في معاشه على المعونة الاجتماعية.

ومن التعريفات التي تأتي مصاحبة لتعريف الفقر هو تعريف حد الفقر وهو الحد الأدنى من الدخل اللازم لتلبية النفقات الضرورية للغذاء والبنود غير الغذائية لأفراد الأسرة، بحيث يعتبر هذا المستوى من الدخل أو الإنفاق هو الحد الفاصل بين الفقراء وغير الفقراء؛ فمن يقعون عند الحد الفاصل أو أدنى منه يوصفون بأنهم فقراء، ومن يقعون فوق الحد الفاصل هم غير الفقراء. وقد حدده البنك الدولي في تقرير التنمية عام 1992 بأنه 400 دولار للفرد عام 1990 وما يوازيها من دولارات حتى عام 2000 أما برنامج الأمم المتحدة للتنمية فقد عرَّف الفقراء ببعد إنساني أعمق؛ وهو أنه إنكار ورفض للعديد من الاختيارات والفرص الأساسية لتنمية الإنسان، ويتضمن ذلك القدرة على عيش حياة طويلة مبدعة وصحية وعلى اكتساب المعرفة ونيل الحرية والكرامة واحترام الذات واحترام الآخرين، والتوصل إلى المصادر المطلوبة لمستوى معيشة كريم.

وفي تقرير تنمية الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة (عام 1977) قُدّم مقياس للفقر الإنساني تحت اسم "دليل الفقر الإنساني"، ويقيس هذا الدليل الحرمان والفقر بالنظر لخمس خصائص للفقر من واقع الحياة وهي: الجهل وسوء التغذية بين الأطفال والوفاة المبكرة وفقر الرعاية الصحية وعدم القدرة على الوصول إلى المياه الآمنة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0