كتب كثير من المفكرين والعلماء المختصين عن تأثير الفوارق الطبقية على المجتمع، وذهب عدد من الاقتصاديين الى أهمية القضاء على الطبقية، وردم الهوّة الفاصلة بين اغنياء العالم وفقرائه، ووضع هؤلاء عدد من الحلول الاقتصادية والفكرية لكي يتم تطبيقها في المجالين الاقتصادي والسياسي، لكي يتمكن قادة العالم من معالجة الفقر والمجاعات الموسمية والسنوية والفصلية التي تنهش بملايين البشر، في افريقيا وغيرها من القارات والدول، ويتخذ الجوع اشكالا وصورا ومضامين شتى، جاله حال البطالة التي تعد سببا مهما من اسباب الجوع، فإذا كان هناك مصطلح تحت عنوان (البطالة المقنعة)، وتعني وجود فائض في العمال او الموظفين، فإن المجاعة استطاعت ان تسرق هذا المصطلح لنفسها ايضا، فصار هناك مصطلح تحت عنوان او تسمية (الجوع المقنّع)، وهو يعني حصول الانسان على الغذاء ظاهرا لكنه غذاء يفتقد على الفيتامينات اللازمة لدعم جهاز المناعة، فيبقى الانسان المصاب بالجوع المقنع معرضا لخطر مشابه للخطر الذي يصاب به الانسان الجائع فعلا، وبالنتيجة يتساوى الاثنان، وكأنهما لم يأكلا شيئا، ومع كل الجهود التي بذلتها الدول والمنظمات الدولية المعنية بمكافحة المجاعة، (وهناك تجارب مشجعة واخرى ناجحة في هذا المجال)، لكن يبقى الجوع خطرا قائما لا يزال يهدد ملايين البشر في الكرة الارضية، على مرأى ومسمع من الاغنياء والاثرياء والساسة ايضا.

فقد أظهر مؤشر سنوي نشر مؤخرا ان 16 دولة تعاني من مستويات مقلقة للجوع وان بوروندي هي الاكثر تضررا وان ملياري شخص على مستوى العالم يعانون من "جوع مقنع". والجوع المقنع هو نقص في الفيتامينات والمعادن يضعف جهاز المناعة ويعوق النمو البدني والذهني ويمكن ان يفضي الى الموت. وتصدرت بوروندي المؤشر العالمي للجوع للعام الثالث على التوالي وتعقبها اريتريا وتيمور الشرقية وجزر القمر. وجاء في التقرير ان هناك نحو 805 ملايين شخص في أنحاء العالم يعانون من سوء تغذية مزمن رغم التقدم الذي تحقق في مكافحة الجوع. وقبل ثلاث سنوات أظهر المؤشر ان هناك 26 دولة تعاني من مستويات جوع "مقلقة" او "مقلقة للغاية". ويواجه جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء أعلى مستويات للجوع بحسب رويترز.

وكان من بين الدول التي حققت أكبر تحسن منذ عام 1990 انجولا وبنجلادش وكمبوديا وتشاد وغانا ومالاوي والنيجر ورواندا وتايلاند وفيتنام. وجاء في التقرير ان الجوع المقنع لا يؤثر فقط على سلامة الافراد بل له أثار اقتصادية منها قوة انتاجية ضائعة والفقر الدائم وانخفاض اجمالي الناتج المحلي في كثير من الدول النامية.

جوعي العالم في حالة تناقص

من ناحية اخرى قالت ثلاث وكالات للغذاء والزراعة تابعة للأمم المتحدة إن عدد الجوعى في العالم هبط بشدة في العشر سنوات الماضية لكن 805 ملايين نسمة أو واحدا من كل تسعة من سكان العالم ما زال لا يجد طعاما يكفيه. وقال تقرير اعدته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) وبرنامج الأغذية العالمي إن عدد من يعانون نقصا مزمنا في التغذية انخفض أكثر من 100 مليون أو ما يعادل حجم سكان الفلبين.

وتحت عنوان "حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم" قال التقرير ان جهود الحكومات لتحسين أوضاع التغذية ساعدت البلدان النامية على التحرك نحو بلوغ هدف الأمم المتحدة خفض عدد الجوعى بمقدار النصف بين عامي 1990 و2015. غير ان قصص النجاح التي حققتها بلدان مثل البرازيل تخفي المصاعب التي تعانيها بلدان مثل هايتي التي زاد فيها عدد الجوعى من 4.4 مليون في 1990-1992 إلى 5.3 مليون في 2012-2014. وقالت إرثارين كازين المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي "لا يمكننا بعد الاحتفال لأنه يجب علينا الوصول إلى 805 ملايين شخص لا يجدون طعاما كافيا لأن يحيوا حياة صحية منتجة." وأضافت قولها إن الفيروس إيبولا يعرض للخطر الأمن الغذائي في غرب أفريقيا وان الصراعات في أماكن منها العراق وسوريا ينذر بأن من كانوا يوما يجدون طعاما يكفيهم قد يفقدون إمكانية الحصول على إمدادات يعول عليها "في ظرف أسابيع قليلة."

وقال التقرير إن الهدف الطموح تحقيق خفض بمقدار النصف للعدد المطلق لمن يعانون من نقص مزمن في التغذية بين عامي 1990 و2015 حققته 25 دولة نامية ولكن يوجد متسع من الوقت أمام العالم كله للوصول إلى هذه الغاية العام القادم. وكانت البرازيل وإندونيسيا ومالاوي من بين بلدان اخرى حققت بالفعل هدف التنمية بخفض نسبة من يعانون نقص التغذية بين سكانها بمقدار النصف من خلال الاستثمارات ووضع السياسات في مجالات من الزراعة إلى الوجبات المدرسية. وحثت وكالات الأمم المتحدة الثلاث على بذل مزيد من الجهود في أماكن أخرى ولاسيما في افريقيا جنوب الصحراء الكبري وجنوب آسيا وغربها لتقليل نسبة الجوعي بين سكان العالم إلى 11.7 في المئة من 13.5 في المئة بنهاية عام 2015.

14 مليون شخصا مهددين بالمجاعة

في السياق نفسه يهدد الجفاف والنزاعات في شرق أفريقيا أكثر من 14 مليون شخص بالمجاعة بعد ثلاث سنوات على موجة جفاف مدمرة في المنطقة، وتفيد الإحصاءات أن أكثر من 3 ملايين شخص في أثيوبيا وكينيا، معظمهم من اللاجئين الصوماليين، يحتاجون إلى مساعدة عاجلة. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن المجاعة قد تصيب الملايين من السكان في عدة مناطق من القارة الأفريقية، وذلك عقب ثلاث سنوات على موجة جفاف مدمرة في المنطقة، وقال ماتيو كونواي المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في شرق أفريقيا إن "الوضع مقلق جدا". وأضاف "ثمة وجوه شبه في الوضع الراهن مع ما أدى إلى حصول أزمة 2011"، موضحا أن الأمم المتحدة تحتاج إلى 1,94 مليار دولار من المساعدات.

وتفيد الإحصاءات الأخيرة التي نشرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الخامس من آب/أغسطس، أن حوالي 2,7 مليوني شخص في أثيوبيا و1,3 مليون في كينيا، معظمهم من اللاجئين الصوماليين، يحتاجون إلى مساعدة عاجلة. وفي السودان، يواجه خمسة ملايين شخص المجاعة، فيما يوجد 3,5 ملايين في جنوب السودان على حافة المجاعة. ويواجه حوالي 120 ألف شخص أيضا وضعا غذائيا صعبا في جيبوتي وعشرات الآلاف في بوروندي ورواندا وأوغندا. ويتوزع في تسعة بلدان 14,4 مليون شخص قالت الأمم المتحدة إنهم يواجهون وضعا غذائيا صعبا. ويؤكد العاملون في المجال الإنساني في جنوب السودان منذ أسابيع أن البلاد قد تواجه المجاعة إذا ما استمرت المعارك بحسب فرانس بريس.

من جهة أخرى، حذرت الأمم المتحدة الشهر الماضي من أن الصومال الذي تتفشى فيه الفوضى وتستعر فيه المعارك منذ 1991، قد يواجه المجاعة من جديد. وذكرت منظمة أوكسفام غير الحكومية أيضا أن نقص الأمطار والنزاعات والجفاف ساهمت في هشاشة الوضع الغذائي في المنطقة الشرقية من أفريقيا.

الجوع والجفاف يطاردان زيمبابوي

وثمة مؤشرات تؤكد أن الحياة صعبة حتى في أحسن الاحوال في سياجيجيما وهي قرية منعزلة في جنوب غرب زيمبابوي. وبعد أسوأ موجة جفاف تتعرض لها المنطقة في نحو عشر سنوات وعدم تحقيق المحاصيل الزراعية الإنتاجية المرجوة ستصبح الحياة أصعب على الارجح. وبعد هلاك محصول القطن والذرة لن تجد ميجوري تريراي (31 عاما) شيئا لتطعم به أطفالها الا أقل القليل من الذرة والفول السوداني. وهي تقول انها ستكون محظوظة اذا حصلت هذا العام على 50 كيلوجراما من الذرة وهو ما يكفيها لمجرد شهر. اما محصول القطن فهو مرهون لتسديد دين قدره 27 دولارا للشركة التي وفرت لها الكيماويات. فاذا فشلت في الدفع ستبيع الشركة دجاجها او الماعز الوحيد الذي تملكه او تصادر سقف منزلها المعدني المتموج. وهي تأمل ان توفر لها حكومة الرئيس روبرت موجابي الاحتياجات الاساسية لكنها لا تعرف ما اذا كان هذا الأمل سيتحول الى حقيقة. وقالت من قريتها المنعزلة التي تبعد 400 كيلومتر عن العاصمة "طلبنا هو اننا نحتاج الى مساعدة لتوفير الطعام حتى يتمكن أطفالنا من الذهاب الى المدرسة والتركيز. "في العام الماضي كان لدينا محصول وافر لكن هذا العام لا نملك الا القليل. الجو كان شديد الحرارة والمطر قليل."

وقال برنامج الاغذية العالمي إن الجفاف سيدمر على الارجح المحاصيل في الجنوب الأفريقي كله من انجولا الى بوتسوانا وليسوتو ومالاوي الى موزمبيق وناميبيا بحسب رويترز. وتأثير ذلك يبدو خطيرا على زيمبابوي بشكل خاص حيث يعاني الاقتصاد منذ خمس سنوات للتعافي من كساد كارثي صاحبه ارتفاع قياسي في نسبة التضخم ونقص واسع النطاق في الطعام. ولا تزال الحكومة ووكالات الاغاثة الاجنبية تقيم الاحتياجات لكن مسؤولا قال ان ما يصل الى 1.8 مليون شخص أي أكثر من عشر سكان زيمبابوي قد يحتاجون الى مساعدات غذائية. ويقدر محصول الذرة لعام 2015 بنحو 950 ألف طن وهو أقل كثيرا من احتياجات سكان زيمباوبي التي تصل الى 1.8 مليون طن. وتكافح الحكومة لتوفير مصاريف أساسية مثل رواتب موظفي القطاع العام ولا تعتزم تخصيص مبالغ للاستيرد في ميزانية عام 2015.

الجفاف يزرع الجوع في أمريكا الوسطى

فيما ذكر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إن الجفاف الشديد دمر المحاصيل في أمريكا الوسطى كما أن 2.81 مليون شخص يواجهون صعوبة في توفير الغذاء لأنفسهم رغم أن محصول البن الذي تنتجه المنطقة لم يتأثر بشكل كبير. وكان الجفاف الذي يؤثر أيضا على أمريكا الجنوبية شديدا بشكل خاص فيما يطلق عليه "ممر الجفاف" بأمريكا الوسطى والذي يشمل جنوب جواتيمالا وشمال هندوراس وغرب السلفادور. وقال اولمان فونيز وهو مزارع يبلغ من العمر 22 عاما يعيش في أوروكوينا وهي بلدة ريفية في جنوب هندوراس إن‭ ‬"الجفاف يقتلنا. فقدنا محاصيلنا من الذرة والفاصوليا." وسمح رئيس نيكاراجوا دانييل أورتيجا في الأونة الأخيرة باستيراد 40 ألف طن من الفاصوليا الحمراء و73 ألف طن من الذرة البيضاء للمساعدة في خفض الأسعار.

وأعلنت جواتيمالا حالة الطواريء بعد فقد 256 ألف عائلة محاصيلها الزراعية. ويقدر مزارعو البازلاء والفاصوليا الخضراء والبروكلي خسائرهم بما يتراوح بين 30 و40 في المئة من محاصيلهم. وقالت الجمعية الوطنية للبن في جواتيمالا في وقت سابق من الشهر الجاري إن مسحا مبدئيا لمنطقتي زراعة البن في البلاد وهما سانتا روزا وجوتيبا كشف أن الجفاف سيؤدي إلى خفض الانتاج الموسم المقبل بنسبة ثلاثة في المئة. ولكن لم تقم أي من الدول الأربع الرئيسية الآخرى المنتجة للبن في أمريكا الوسطى وهي هندوراس وكوستاريكا والسلفادور ونيكاراجوا بتعديل توقعاتها للإنتاج خلال الموسم المقبل بسبب الجفاف.

وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي أحرز والذي سمح بانتشال 100 مليون شخص من براثن الجوع في خلال 10 سنوات، لا يزال أكثر من 800 مليون شخص يعانون من الجوع ولا يزال من الممكن بذل مزيد من الجهود، بحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو). وجاء في تقرير أن نحو 805 ملايين شخص يعانون من الجوع، أي أقل بمئة مليون شخص من العدد المسجل قبل 10 سنوات وأقل بـ209 ملايين من ذاك المسجل قبل 20 عاما. وينبغي ألا يؤدي "هذا التقدم" إلى تناسي الهدف الذي وضعته الأمم المتحدة سنة 2000 للتخفيض إلى النصف عدد الجياع في البلدان النامية بحلول العام 2015، على ما صرح جوزيه غرازيانو دا سيلفا المدير العام للفاو.

واعتبر دا سيلفا خلال مؤتمر صحافي عقد في روما أنه "بفضل الجهود التي يبذلها الجميع، لا سيما المنظمات الأممية الثلاث التي تتخذ في روما مقرا لها (أي الفاو وبرنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية)، يمكن لنا معا أن نحرز تقدما أكبر وأفضل". فخلال العقد الأخير، انخفضت نسبة الأشخاص الذي يعانون نقصا في التغذية من 18,7 % من إجمالي سكان العالم إلى 11,3 %. والتقدم بعد أكبر في البلدان النامية حيث تراجعت هذه النسبة من 23,4 % إلى 13,5 %. لكن نتائج هذا التقدم اختلفت باختلاف البلدان. واعتبرت إرثارين كازن المديرة العامة لبرنامج الأغذية العالمي أنه "بغية القضاء على الجوع بالكامل، لا بد من مواجهة النزاعات التي تستحيل أزمات غذائية، كما هي الحال في العراق وسوريا وجنوب السودان وافريقيا الوسطى". ولفتت إلى أن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "يسيطرون على مركزين من المراكز الكبيرة لتوزيع القمح" في العراق بحسب فرانس بريس. كما أن "الأوضاع الطارئة السائدة في غينيا ونيجيريا وسيراليون إثر فيروس إيبولا" باتت تتحول إلى أزمة إنسانية تطال 1,3 مليون شخص.

تفاقم خطر الجوع بسبب وباء الإيبولا

في سياق آخر أسفر انتشار وباء الإيبولا في غرب افريقيا عن تفاقم خطر الجوع حيث يقتل المرض المزارعين وأسرهم ويدفع العمال إلى ترك الحقول ويتسبب في نقص الغذاء. وفي الدول الأكثر تضررا من الوباء وهي ليبيريا وسيراليون وغينيا يدمر الإيبولا مناطق إنتاج الغذاء حيث يحول دون ممارسة أنشطة الزراعة وجمع المحاصيل ويعطل طرق الامداد ويضر بالأسواق. وقال با سوري وهو مزارع يبلغ من العمر 61 عاما في بورت لوكو بشمال سيراليون "سيقتلنا الجوع حيثما عجز الإيبولا عن ذلك." ويقول سوري وهو أب لستة أبناء وله أربعة أحفاد إنه فقد بالفعل ثلاثة من أقاربه بسبب الإيبولا. ويقول برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إن اغلاق الحدود والاسواق والحجر الصحي وفرض قيود على التحركات وانتشار الفزع من الإيبولا أدى إلى ندرة الغذاء والتهافت على الشراء بدافع الخوف وارتفاع الأسعار خاصة في سيراليون وليبيريا. وقتل مرض الإيبولا 3338 شخصا منذ اكتشافه للمرة الأولى في منطقة الغابات بغينيا في مارس اذار. وانتقل المرض إلى ليبيريا وسيراليون وانتشر على نطاق أضيق وظهرت حالات اصابة به في نيجيريا والسنغال وحتى في الولايات المتحدة مما دفع منظمة الصحة العالمية إلى اعلان حالة طوارئ دولية في الصحة العامة في الثامن من أغسطس آب. وقالت ماري هاوا جون-ساو نائبة رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين في سيراليون "سيجوع هذا البلد". وضرب الاهمال والتلف حقول ماري في منطقة كايلاهون التي وضعت تحت الحجر الصحي. ويحاول برنامج الأغذية العالمي توفير الغذاء لنحو مليون شخص في الدول الثلاثة الأكثر تضررا.

وقد يبدو العالم مزدحماً بتواجد أكثر من سبعة مليارات إنسان على سطح الأرض، ولكن المشكلة المستقبلية تكمن بأنه وخلال أقل من قرن سيزداد عدد سكان الأرض بحوال 50 في المائة، ومع هذا الارتفاع الهائل يمكن أن تظهر بعض الأسئلة، أهمها: هل سيتمكن العالم من توفير ما يكفي من طعام لسكانه؟ وقد احتفل العالم بيوم الغذاء العالمي، الخميس، ويبدو هذا الوقت مناسباً لمناقشة هذا السؤال، وللمرة الأولى يبدو وأن هنالك بعض الأخبار الطيبة لمحاربة قضية المجاعة حول العالم. ولكن أي محاولة لتفهم حجم المشكلة كلياً ومحاولة حلها يكمن في البحث في خمسة محاور أساسية:

805 مليوناً: هو عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الشديد، ورغم أن هذا الرقم تناقص بنسبة 11 في المائة خلال العقد الماضي، إلا أنه يشكل نسبة غير مقبولة من عدد سكان العالم.

10.95 مليار: هو عدد الأشخاص الذي تتنبأ الأمم المتحدة بحاجتهم للمساعدات الغذائية بحلول عام 2100، وهو رقم أكبر من الأرقام التي طرحت سابقاً والتي توقعت بأن عدد سكان العالم بحلول عام 2050 سيبلغ 9.5 مليار شخص، وسيأتي معظم هذا النمو من المناطق الأفريقية النامية، حيث يكثر عدد أفراد الأسرة وتقل نسبة الوفاة جراء الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، الإيدز.

33 في المائة: هي نسبة الغذاء المهدور حول العالم للخص الواحد، وفي الجزء الجنوبي من الأرض، يأتي هدر الطعام بسبب عدم التخزين الملائم، وأما في الجزء الشمالي من العالم، فإنه يمكننا لوم المصنعين، إذ قدرت الأمم المتحدة سعر الطعام المهدور سنوياً بحوالي 2.6 تريليون دولار.

2.512 مليار: هي عدد الأطنان المحصودة التي تتوقع الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة "فاو" خلال هذا العام، وإن صح هذا الرقم فإننا سنزيد بنسبة 50 في المائة عن أكثر الأعوام المسجلة وفرة في الغذاء.

2.868: هو عدد السعرات الحرارية التي استهلكها كل شخص يومياً عام 2011، وخلال العام الماضي، ووفقاً للأرقام المتوفرة، تزايد هذا العدد، مما يعني بأن نسبة إنتاج الطعام لكل فرد قد ازدادت بشكل مستقر (في التسعينيات كانت نسبة الاستهلاك اليومي الفردي للسعرات الحرارية تبلغ 2.619)، ومن المذهل مشاهدة النمو في الإنتاج خاصة عند النظر إلى ازدياد عدد سكان الأرض بنسبة مليارين خلال تلك الفترة، ومن المهم أن ندرك بأن ازدياد نسبة السعرات الحرارية الفردية اليومية يمكنها أن تشير إلى وجود ما يكفي من الطعام على الأرض لنا جميعاً.

تجربة غانا في مكافحة الجوع مفيدة لشعوب أخرى

من جهة اخرى يمكن للهند -أكبر دولة ديمقراطية من حيث عدد السكان- وهي في مستهل حملتها المستوحاة من حملة البرازيل الشهيرة للقضاء على الجوع أن تستمد بعض الإلهام من تجربة غانا بحسب رويترز. وقال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة جوزيه جرازيانو دا سيلفا يوم الخميس إن غانا تمكنت من "القضاء على الجوع". ويعود الفضل في هذا جزئيا على الاقل إلى الرئيس الغاني السابق جون كوفور. وبدأت المسألة بخطوة بسيطة بتغيير قانون الضرائب عندما تولى كوفور السلطة لأول مرة في عام 2001. وكانت الضرائب على الكاكاو الذي يعد سلعة تصدير رئيسية بلغت 60 بالمئة من سعر السوق ليحتفظ المزارعون بنسبة 40 في المئة فقط من قيمة انتاجهم.

وقال كوفور في مقابلة مع مؤسسة تومسون رويترز "عكسنا ذلك لنعطي المزارعين 60 بالمئة من الربح." واضاف "الدولة كانت تفرط في فرض الضرائب على المزارع." وتابع قائلا "المزارعون كانوا يحتاجون المواد الكيماوية لمحاربة الآفات والأسمدة والحكومة دفعت مقابل ذلك." وأتت الاستثمارات أكلها وتضاعف إنتاج الكاكاو خلال أربعة أعوام وتم ضخ المزيد من الأموال في خزينة الدولة والتي استثمرت في البنية التحتية. وحولت الحكومة حينئذ اهتمامها لمحاولة التخفيف من أثر ازالة الغابات. وفي عام 1960 كان أكثر من 60 في المئة من البلاد مغطى بالغابات لكن ازالة الغابات قلصت النسبة الى 21.7 في المئة الآن. وسمحت الدولة للعائلات التي لا تحوز أرضا وللعاطلين عن العمل باستغلال الأراضي التي أزيلت منها الغابات لزراعة محاصيل تتخللها أشجار جديدة. وبعدما دربت الدولة السكان المحليين أصبح في مقدورهم تحقيق دخل من الأشجار مما منع قطع الاشجار من مزيد من الأراضي وساهم في تحسين الأمن الغذائي لبعض مواطني غانا الأكثر ضعفا.

وأخيرا حاولت غانا الارتقاء بقيمة إنتاجها من الكاكاو. وقال كوفور "رأينا دعوة كبرى شركات تصنيع الشوكولاتة إلى غانا." وانتقلت بعض شركات تصنيع الحلوى إلى غانا وأقامت مصانع هناك رغم أن البلاد لا تزال تصدر من حبوب الكاكاو أكثر مما تصدر من الشوكولاتة. وقال كوفور "الهدف كان الحصول على القيمة المضافة محليا حيث تتم معالجة 70 بالمئة من الكاكاو محليا وتصدير 30 بالمئة من الخام. نحن نسير في هذا الاتجاه." وقفز متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 1300 دولار في عام 2007 بعد أن كان 400 دولار في عام 2001 فيما يرجع الى حد كبير الى النمو في القطاع الزراعي والأسعار المرتفعة للسلع واكتشاف النفط الذي سمح بالوصول إلى الشرائح صاحبة الدخول الأقل وتحقيق أهداف الألفية فيما يتعلق بتقليص الفقر قبل الموعد المحدد. وقال ممثل منظمة الأغذية والزراعة في غانا لامورديا ثيومبيانو في مقابلة مع تومسون رويترز "أحد العوامل الأساسية في نجاح غانا كان الالتزام السياسي القوي على أعلى مستوى. واضاف "قدموا الدعم للانتاج. وخصصوا الموارد لرفع القدرة واستثمروا في تقديم الخدمات للمزارعين." وتابع قائلا "أدت زيادة الانتاج إلى تحسين القدرة على الحصول على الغذاء." ولا تزال هناك تحديات كبيرة أمام التنمية بالرغم من التحسن في الزراعة وجاءت غانا في الترتيب رقم 138 من بين 187 دولة شملها تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في عام 2014. ويلقي كوفور الآن كلمات في مناسبات تنظمها الأمم المتحدة ويدير مؤسسة خاصة به وهو متفائل بأن "أشعة الأمل" والسياسات الجيدة ستستمر في تحسين الأمن الغذائي في عالم ما يزال واحد من كل ثمانية أشخاص به يعاني من سوء تغذية مزمن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0