بقلم: كريس جوتشنيك

سياتل- ان امدادات العالم من الطعام تتعرض للتهديد حيث جاء ذلك التحذير الواضح في تقرير اللجنة الدولية للتغيرات المناخية الاخير والمتعلق بالتغير المناخي والاراضي. ان هناك مؤشرات في كل مكان على ذلك حيث يعاني مئات الملايين من الناس حول العالم من الجوع وسوء التغذية وهذا الأمر يتسبب في واحدة من اكبر الهجرات الجماعية في التاريخ الحديث. ان تمكين الناس من البقاء في اماكنهم يتطلب اولا واخيرا تقوية حقهم بإن يكونوا هناك.

لقد استنتجت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية إن تحسين الامن الغذائي في خضم تغير مناخي متصاعد سيتطلب ثورة في استخدام الاراضي. ان المزارعين يحتاجون الى عمل امور من بينها تطبيق ممارسات زراعية-مثل تحسين الري والمدرجات الزراعية ونظم الحراجة الزراعية – والتي تحسن من القدرة على التعامل مع التغيرات المناخية وتحافظ على التربة والاشجار وتعزز الانتاج.

لكن هناك الملايين من قاطني الريف يفتقدون للاستقرار أو الفرص للاستثمار في مثل هذا التحول وهذا يعود بشكل كبير الى حقوق ملكية الاراضي غير الامنة وبينما يزداد التغير المناخي فإن سبل عيشهم تصبح غير قابلة للاستدامة بشكل متزايد كما يزداد النقص في امدادات الطعام. ان هناك العديد من العائلات الريفية بالكاد تجد قوت يومها ناهيك عن الهروب من براثن الفقر.

تتضح المشكلة على وجه التحديد في امريكا اللاتينية وهي منطقة تعاني من اشد حالات انعدام المساواة في توزيع الاراضي على مستوى العالم فأكثر من نصف الاراضي الخصبة في امريكا اللاتينية موجودة في 1% فقط من المزارع بينما من غير المرجح ان يستفيد سكان الريف والسكان الاصليون على وجه التحديد من حقوق ملكية آمنة مما يجعلهم غير قادرين على الاستفادة من ما يفترض ان يكون افضل ملكية منتجة بالنسبة لهم أو حتى التعويل على بقاءها في حوزتهم.

لقد تضررت امريكا الوسطى على وجه الخصوص بسبب الجوع الذي تسبب به انعدام المساواة في توزيع الاراضي والتغير المناخي وفي "الممر الجاف" والذي يمر من خلال غواتيمالا والسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا والذي يشكل نصف منتجي امريكا الوسطى الصغار لمحاصيل الحبوب الاساسية- فإن خمس سنوات من الجفاف المستمر قد أدت الى تسريع تدهور وضع الأراضي وهذا تسبب في التقويض الشديد لغلة المحاصيل والامن الاقتصادي.

أن حوالي 1،4 مليون شخص اليوم في الممر الجاف يحتاجون للمساعدات الغذائية ولكن فقط 160000 شخص حصلوا على الدعم لغاية الان. ان الهجرة – سواء كانت لمناطق حضرية ضمن بلدانهم الاصلية أو عبر الحدود لاماكن فيها امن غذائي اكبر- عادة ما تبدو كخيار وحيد وعليه فإنه ليس من المصادفة في شيء ان اغلبية الالاف المهاجرين اليائسين الذي يصلون الى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الامريكية ينتمون الى امريكا الوسطى.

إن مثل هذه الانواع من الهجرة على نطاق واسع سيترتب عليها نتائج تتعلق بحقوق ملكية الاراضي في الاماكن الحضرية والريفية على حد سواء فالناس الذين يهاجرون للمدن عادة ما ينتهي بهم المطاف في الأحياء الفقيرة بدون القدرة على الحصول على سكن ملائم ناهيك عن الخدمات الاساسية مثل النقل العام والمياه النظيفة والصرف الصحي والمدارس ومنشآت الرعاية الصحية. ان سكان الاحياء الفقيرة يواجهون مخاطر كبيرة تتعلق بالتشريد لأسباب ليس اقلها ان القليل منهم لديهم حقوق موثقة في الاراضي.

إن العودة للمناطق الريفية التي جاءوا منها عادة لا يشكل خيارا مناسبا لهولاء المهاجرين وذلك بسبب عدم تمتعهم بحقوق قانونية يمكن تطبيقها تتعلق بالأراضي التي تركوها خلفهم واولئك الذين يبقون في الاماكن الريفية قد يتم استهدافهم من اجل الاستيلاء على اراضيهم من قبل ملاك اراضي اغنى واقوى بحيث لا يتبقى للعائلات اي خيار سوى الهجرة وبينما يؤدي التغير المناخي الى تقليص الحجم الاجمالي للأراضي الصالحة للزراعة فإن الصراع على ما تبقى من تلك الاراضي يتزايد في امريكا اللاتينية وحول العالم.

إن المشكلة متشعبة ولديها ابعاد كثيرة ولكن الحلول غير معقدة وهي تتعلق بإصلاحات قانونية تعزز من حقوق الاراضي للمجتمعات الريفية. ان تمتع المزارعين بحقوق آمنة تتعلق بملكية الارض سيعطيهم الدافع للاستثمار في تعزيز قدراتهم على التعامل مع المناخ والانتاجية مما يحسن من الامن الغذائي لمجتمعاتهم وبلدانهم. ان الدعم المستهدف لمثل تلك الاستثمارات سيؤدي بالطبع الى تسريع هذه العملية.

إن مثل هذه الجهود- التي تقودها العديد من الجهات المانحة للمساعدات والمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية (بما في ذلك منظمتي لانديسا) يمكن ان تساعد كذلك في كسر حلقة الفقر مما يؤدي الى نتائج اقتصادية وتنموية افضل. ان اصلاحات الاراضي كانت الوصفة السرية التي أدت الى تقدم اقتصادات النمور الاسيوية. ان المعجزة الاقتصادية الصينية كانت قائمة على اساس حقوق الحيازة الفردية للمزارعين الريفيين علما ان اجراءات مماثلة كان لها تأثير كبير في تعزيز المداخيل الريفية حول العالم وذلك في اماكن متنوعة مثل الهند ورواندا وقيرغيزستان.

لقد أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب ان الزيادة في الهجرة من امريكا الوسطى هي عبارة عن "ازمة امنية "حيث تنوي ادارته التعامل معها وذلك من خلال احتجاز المهاجرين اليائسين ووضع الاطفال في اماكن منفصله عن عائلاتهم.

في واقع الامر فإن ما تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية على حدودها الجنوبية هو ازمة انسانية- وهي ازمة تتطلب مقاربة ايجابية فعوضا عن التركيز على الردع، فإنه يتوجب على الحكومة الامريكية وغيرها من الجهات المانحة التعامل مع الاسباب الجذرية للهجرة وهذا يعني الاستثمار في برامج التنمية التي تعزز من الامن الاقتصادي والغذائي وذلك من خلال ازالة العبء غير الظاهر الذي تلقيه مسألة حقوق ملكية الاراضي غير الامنة على عاتق الملايين من الاشخاص الاكثر فقرا في العالم.

* كريس جوتشنيك، الرئيس التنفيذي ورئيس لانديسا، هو المؤسس المشارك والمدير السابق لمركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومركز إكستروس دي ديريكوس إيكونوميك إي إس الاجتماعي ومقره إكوادور
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0