العمل هو كل حركة أو جهد عضلي يبذله الفرد لإنتاج سلعة ما، أو تحقيق منجز مادي ملموس، وهناك نوعان من العمل، أحدهما لا يتطلَّب مهارة بعينها، وإنما العنصر الرئيس في هذا النوع هو الجهد أو القوة العضلية المبذولة، أما النوع الثاني فهو العمل التخصصي الذي لا يمكن إنجازه إلا بوجود مهارات محددة يتحلى بها العامل وفي حال ضعفها أو فقدانها فإن إنجاز السلعة أو العمل لا يتحقق، لذلك تكون هناك وفرة بالأيدي العاملة غير الماهرة، وندرة في النوع الثاني من العمالة التي يتم تدريبها نظريأ وعمليا في دورات متخصصة.

يعرّف العلماء المختصّون المهارة بأنها التمكن من انجاز مهمة بكيفية محددة وبدقة متناهية، وسرعة في التنفيذ. إذاً العامل الماهر يمكنه إنتاج سلعة بمواصفات محددة وفق أدق المواصفات المطلوبة ويقترن ذلك بجانب مهم هو سرعة الإنجاز، وسلعة من هذا النوع ووفق هذه المواصفات لا يمكن إنتاجها إلا بوساطة عامل ماهر أتقن صنعته باكتساب مهارات معينة تم إتقانها بالتدريب وخبرات العمل المتراكمة.

هناك مهارات العمالة المدرَّبة، ومنها على سبيل مهارة يدوية كالبناء والنجارة والحدادة وغيرها، وهذه المهن لا يمكن الشروع باحترافها إلا بعد تعلّم مهارات معينة تسمح للعامل بأن يكون نجّارا أو بنّاءً أو حدّدا وغير ذلك مما يمكن أن يخوض فيه العمال المهَرَة من أعمال ومهن، ويوجد نوع آخر من المهارات ونقصد به المهارة العقلية وتكمن أهميتها في توجيه المهارة اليدوية نحو الأفضل وتوجد أشكال معينة من هذا النوع، منها المهارة الإبداعية، والمهارة التنظيمية، والمهارة الوصفية، وهذه المهارات فكرية وليست يدوية أو حركية، لذلك لا يمكن للعامل أن يكون ماهراً ما لم يزاوج بين المهارة العقلية والعملية.

مشكلة العمالة الماهرة في العراق

أما ما يخص تعريف القوى العاملة، أو قوة العمل في مجتمع ما، فهي تعداد الأشخاص الذين يعملون أو الذين يبحثون عن عمل مدفوع الأجر في ذلك المجتمع من بداية مرحلة الشباب إلي سن التقاعد، ولا يحتسب ضمن القوة العاملة، الطلبة والمتقاعدين وربات البيوت والعاطلين (الذين لا يبحثون عن عمل) ونزلاء السجون، مجموع الأفراد الذين يعملون يساوون قوة العمل، وتنقسم إلى قسمين الأول العمالة الماهرة، والثاني العمالة التقليدية أو تلك التي يمكن للجميع القيام بها وانجازها.

في العراق هل توجد لدينا مشكلة في العمالة الماهرة؟، يجيب الواقع الراهن بالإيجاب، ويؤكد المختصون أن المشكلة الأكبر التي تعاني منها حركة العمل في العراق، هي وفرة العمالة غير الماهرة وندرة العمالة المتخصصة المدرَّبة القادرة على إنتاج سلع وأشياء، تحتاج إلى مواصفات عقلية عملية خاصة يمكن اكتسابها بالدورات التدريبية، وعبر الاستمرار بالعمل واكتساب خبرات ومهارات متراكمة، هذه المشكلة تتفرع منها مشكلات كثيرة يمكن أن تتسبب بخسائر اقتصادية هائلة.

إن خبراء الاقتصاد العالميون والمحليون والشركات الربحية ترى في العراق كدولة ذات ثروات كبيرة، مقدرة على أن تقفز إلى مصاف الدول الصناعية نظرا لتوافر العناصر الداعمة لهذا الهدف، فالأموال اللازمة يمكن توفيرها، ويمكن التعاقد مع شركات متخصصة لبناء مصانع ومشاريع إنتاجية تحوّل العراق من دولة ريعية وحيدة المورد، إلى دولة متعددة مصادر الموارد، ولكن هناك مشكلة لا يمكن حلّها بشكل آني أو سريع لأنها تتعلق باكتساب مهارات العمل، هذه المشكلة حتى هذه اللحظة لم تنظر إليها الدولة بعين المسؤولية ولا الحكومات المتعاقبة، لذلك هناك حاجة لرؤية آنية ومستقبلية معا، تعالج مشكلة المهارات التي تفتقد لها العمالة وخصوصا الشباب في العراق.

فتح دورات تخصصية للمهارات

تتسبب قلّة العمالة المهارة بمشكلات أخرى منها كثرة البطالة بسبب عدم تنوع قدرات العمل وتعدد التخصصات، فالعامل غير الماهر يمكن أن نعثر عليه بسهولة ويسر، ويمكن أن نجد منه الكثير، وهذا هو السبب الذي يجعل من الشباب العراقي معانيا من البطالة، أما العمال الماهرون فإنهم مطلوبون دائما، وأنهم لا يعانون من ندرة العمل لأنهم مطلوبون دائما وقليلون في نفس الوقت، لذلك تجد (مساطر) العمال غير الماهرين متوفرين بكثرة تفيض عن الحاجة، حتى أن عامل البناء (غير الماهر) لا يحصل على عمل ثابت، لأنه يعمل اليوم وقد لا يجد من يحتاجه لأسبوع أو أكثر، مما يتسبب بمصاعب اقتصادية وفقر وبطالة وفراغ مؤذٍ.

كيف يمكن معالجة هذا الخلل المهاري ذي التبعات المعقدة، إن الخطوة الحاسمة في هذا المجال وضع خطط علمية مدروسة لتحويل الأيدي العاملة في العراق إلى عمالة ماهرة متخصصة، يمكن ذلك من خلال تقديم رؤية للمعالجة يضعها مختصون بعلمية وإحصائيات دقيقة، والمباشرة بإدخال الشباب والعاطلين وغيرهم في دورات منتظمة حسب الاحتياج، ويتم تنظيمها تنظيما دقيقا، ويتم تمويلها من الجهات الرسمية المختصة مثل وزارة العمل أو الجهات المعنية بالقطاع الخاص، على أن تكون الخطط الموضوعة قابلة للتطبيق ويتم الشروع بها تمهيدا لتكوين عمالة ماهرة يتم زجّها في معامل ومصانع ومشاريع إنتاجية تكون قادرة على المشاركة في تعدد مصادر الموارد وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد كما هو الحال الآن، حيث يعدّ العراق من الدول التي تعاني من الطابع الريعي الأحادي.

إن البدء بوضع وتطبيق مستلزمات صنع العمالة الماهرة، سوف تحلّ الكثير من المشكلات التي يعاني منها العراق، مثل امتصاص البطالة، تفوق العمالة الماهرة على نقيضها، التحوّل تدريجيا من الاقتصاد الأحادي المصدر، الريعي، إلى اقتصاد متعدد الموارد، التقليل من العمالة الوافدة، بناء قاعدة صناعية رصينة تستوعب العمالة الماهرة، ازدهار القطاع الخاص، انكماش حلقات الفساد في القطاع العام، تخفيف المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، التأسيس العملي الصحيح للأجيال القادمة التي ستجد أمامها خبرات ومهارات كبيرة، مع قاعدة صناعية ضخمة تنمو تباعا، وهكذا يصبح مشروع تطوير المهارات حافزا لصناعة متقدمة بعمالة ماهرة، تنقذ العراق من شبح الاقتصاد الأحادي المورد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2