يطمح الشباب والشابات، سواء الذين أكملوا الدراسة الجامعية أو الذين لم يكملوا الدراسة الجامعية في الحصول على عمل مناسب لهم؛ لإعالة أسرهم أو لبناء حياتهم الشخصية وتكوين أسرهم الخاصة. بل قد يكون الهدف الأساس من إكمال الدراسة والحصول على شهادة أعلى هو الحصول على عمل في تخصص معين، إلا أن الشباب والشابات قد لا يواجهون تحديا في حياتهم أكبر من تحدي الحصول على عمل أو تحدي الحصول على عمل ملائم للتخصص الدراسي الذي قضوا فيه سنوات طويلة من عمرهم، وأنفقوا عليه أموالا طائلة، أكانت تلك الأموال خاصة أو عامة.

ما هي مشكلة عدم تمكن الشباب من الحصول على فرصة عمل أو فرصة عمل مناسبة؟ وكيف يمكن تزويد الشباب بالتعليم والمهارات المناسبة حتى يصبحوا قيادات فعالة؟ كيف تعالج الحكومات مسألة التعليم والتدريب خارج إطار المدرسة؟ كيف يمكن للشباب أنفسهم الإسهام في توسيع نطاق معارف ومهارات أقرانهم؟ كيف يمكن للشركاء الإنمائيين والحكومات والشباب التعاون في هذا المجال؟

لا شك أن أسباب عدم حصول الشباب والشابات على فرص عمل تختلف من بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة، وقد يكون أحد أهم أسباب عدم حصول الشباب والشابات على العمل، بالإضافة إلى قلة فرص العمل المتاحة هو عدم ملائمة الدراسة لمجال العمل المتاح، أو عدم تمتع هؤلاء الشباب الخريجين الجدد بمعارف ومهارات تتطلبها الوظائف المتاحة، لاسيما تلك الوظائف في القطاع الخاص.

يرى المختصون أن مشكلة الشباب والشابات في الحصول على فرصة عمل لا تبدأ من سوق العمل نفسه كقلة فرص العمل المتاحة فقط، بل تبدأ من النظم التعليمية بالأساس؛ حيث أن كثــيرا مــن النظــم التعليميــة لم تأخذ بنظر الحسبان إعداد شباب وشابات لسوق العمل، ولم تســــتجب بـــالصورة المناســـبة للمشاكل الــتي يعانيها الشـباب، ولم تستجب إلى متطلبات السوق الحديثة. كمـا أن مشـاركة الشـباب في نظـم التدريـب المـهني ليسـت كافيـة في كثـير مـن الأحيــان، وقد لوحظ أن العديد من الشباب بلغوا سن العمل دون أن اكتسبوا المهارات الأساسية، بما فيها الإلمام بالقراءة والكتابة والحساب.

تذكر تقارير منظمة العمل أنه (رغم أن الشباب يميلون بشكل متزايد إلى السعي لاستكمال تعليمهم الرسمي، فهم عادة ما يجدون أنفسهم غير مستعدين تماما لدخول عالم العمل؛ ولأنه عادة ما تكون المهارات التقنية والشخصية المطلوبة في القطاعات النامية في الاقتصاد الحديث غير مشمولة في نظم التعليم التقليدية، يجد المشغلون عدم توافق في المهارات بين الكفاءات التي يحتاجها الشباب لنجاحهم في مكان العمل والكفاءات التي يملكونها بالفعل. وهذا يشكل تحديا كبيرا لشباب اليوم).

يمكن التخفيف من الصعوبات التي تصاحب الانتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة العمل إذا انتهى المطلب بالشباب والشابات باقتناء المهارات التي يطلبها أصحاب العمل. وأحد النهج لتحقيق ذلك هو وضع مناهج دراسة تناسب الاحتياجات المتغيرة لسوق العمل أو كخيار بديل- الجمع بين التعلم النظامي والتدريب العملي. كما أن هناك حاجة أيضا إلى أشكال مختلفة من التدريب لمعالجة مشكلة محدودية مهارات الشباب عند النزول إلى سوق العمل. حيث يمكن أن توفر الحكومات التدريب عن طريق التمويل العام، أو عن طريق تقديم دعم مالي لتمكين القطاع الخاص من توفير مرافق التدريب التي تركز، إما على التدريب العام، وإما على مهارات مهنية أكثر تحديدا.

إن التدريب كلمة مشتقة من "كلمة درب، والدرب هو الطريق، فإن ذلك يعني وضع الأفـراد والجماعات المستهدفة على الطريق السليم كي يسيروا فيـه ويتعـودوا عليـه" ويٌعرف التدريب اصطلاحا بأنه "نشاط مخطط له يهدف لتنمية القدرات والمهارات الفنية والسلوكية والإدارية لأفراد العاملين لتمكينهم من أداء فعال ومثمر يؤدي لبلوغ أهدافهم الشخصية وأهداف المنظمة بأعلى كفاءة ممكن".

يٌشكل التدريب أهمية كبيرة للأفراد، سواء كانوا من الباحثين عن عمل، أو كانوا من العاملين في القطاع العام أو الخاص، أو كانوا يملكون عملا مستقلا، حيث يساعد التدريب علـى تحسـين وتطـوير كفـاءات وقـدرات الأفـراد، كما يساهم في تطوير مهارات الاتصال بين الأفراد. كما يساعد الأفراد في تحسين قراراتهم وحل مشاكلهم في العمل، ويساعد في تحفيز العمال على تطوير أدائهم، ويسمح التدريب بالتقليل من نقاط الضعف لدى الأفراد ويوفر لهم الفرص للترقية والتطوير، علاوة على أن التــدريب يسمح بتخفــيض معــدل حــوادث العمــل ورفــع درجــة الــروح المعنويــة لــدى العــاملين.

ولا تنعكس آثار التدريب على الأفراد خاصة، بل على أداء وإنتاجية المؤسسة التي تعنى بتدريب وتطوير كفاءات وقدرات ومهارات العاملين فيها، وتتمثل هذه الأهمية في زيادة الإنتاجية والأداء التنظيمي، وربط أهداف العاملين بأهداف المؤسسة. ويساهم التدريب في انفتاح المؤسسة على العالم الخارجي، وذلك مـن خـلال مواكبتهـا للتطـورات والتغـيرات البيئية الخارجية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية، ويساهم التدريب في تجديد وإثراء المعلومات التي تحتاجها المؤسسة لصياغة أهدافها وتنفيذ سياستها، ويـؤدي التـدريب إلى توضـيح السياسـات العامـة للمؤسسـة، وبنـاء قاعـدة فعالـة للاتصـالات والاسـتثمارات.

يأخذ التدريب الذي يمكن أن يوفر المهارات اللازمة لسوق العمل صورا متعددة، فمثلا يمكن أن تكون هناك برامج تدريبية خاصة بفئة الشباب والشابات الذين لم يلتحقوا بالتعليم مع تهيئة فرص عمل معينة لمن يتمكن منهم من إتقان تلك المهارات المطلوبة. ويمكن أن تكون هناك برامج تدريبية خاصة للشباب والشابات الذين مازالوا في مرحلة التعليم، سواء من خلال تقسيم المناهج الدراسية إلى مناهج نظرية وأخرى تطبيقية، حيث أن من شأن تلك التوليفة التعليمية أن تزود الشباب بالمعارف والمهارات اللازمة لدخول سوق العمل مستقبلا دون المزيد من العناء. ويمكن أيضا توفير برامج تدريبية مكثفة للشباب والشابات الذين أنهوا دراستهم ويستعدون للدخول إلى سوق العمل. ويمكن توفير برامج تدريبية إضافية للشباب والشابات الذين تمكنوا من الحصول على عمل ولكنهم لا يمتلكون المهارات اللازمة للاستمرار في عملهم.

في الواقع، لقد ثبت أن برامج التدريب على المهارات الحياتية التي تستهدف الشباب في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحقق ما يلي:

- تحسين النتائج التعليمية للشباب: لقد أظهرت البحوث التي جريت حديثا أنه عندما يتاح للشباب خدمات توجيهية تشتمل على دعم غير أكاديمي من ناحية المهارات الاجتماعية المعرفية، تتحسن نتائج تعليمهم بالإضافة إلى زيادة نسبة التخرج؛

- تحسين النتائج الاقتصادية للشباب: ثبت أن برامج المهارات الحياتية تعزز من إمكانية تحقيق الشباب لعائدات مستقبلية أفضل، علاوة على ذلك، فهي تتيح للشباب فرصة الحصول على وظائف أفضل من الناحية النوعية والشكلية، والتي تقاس بالعقود الرسمية، والتأمين المدفوع من قبل المشغل؛

- رفع مستوى رضا المشغل عن الموظفين الجدد: تعزز برامج المهارات الحياتية من قدرات الشباب في مجالا عدة يعتبرها المشغلون على درجة من الأهمية عند تعيين موظفين جدد. فعادة ما يذكر المشغلون مستوى أعلى من الرضا عن الموظفين المبدئيين الذي حصلوا على تدريب في المهارات الحياتية بالمقارنة بغيرهم ممن لم يحصلوا على مثل هذا التدريب؛

- تغيير السلوك الشخصي والتوجهات الاجتماعية للشباب: تمكن برامج المهارات الحياتية الشباب من التخطيط الواضح لحياتهم كما وتزودهم بالمهارات اللازمة لاتخاذ خطوات تجاه تحقيق أهدافهم. كما أنها تساعد الشباب على فهم السلوكيات الشخصية السليمة على نحو أفضل مما يسهم في تقليص الحالات السلبية، مثل إدمان المخدرات والكحول، والعنف، وبذلك فهي تزيد من احترام الشباب لذاتهم، وترفع سقف توقعاتهم بالنسبة لمستقبلهم ومستقبل أولادهم.

وبناء على ما تقدم، ولكي يتمكن الشباب والشابات من الحصول على فرصة عمل أفضل لمستقبل أفضل، نخلص إلى ما يأتي:

1- لابد أن تتجه الدول والحكومات إلى وضـع سياسـات تعليميـة تناسـب حيـاة الشـــباب تسعى إلى تحسين احتمالات العمالة لدى الشباب، وتترك عليها تأثيرا إيجابيا في أسواق العمل.

2- تطوير التعليم الفني والتدريب المهني، وتسريع وتيرة النمو في التعليم المهني والتطبيقي بدرجة أسرع من النمو في التعليم العام والتعليم النظري التقليدي.

3- نشر الوعي – بمختلف وسائل الإعلام -بأهمية دور التدريب العاملين في إعداد الشباب للعمل وإعادة الاعتبار للعمل اليدوي والمهني.

4- تشجيع شركات القطاع الخاص على تقديم فرص تدريبية وفرص للعمل التطوعي للشباب لتمكينهم من الحصول على الخبرة اللازمة.

5- الترويج لثقافة العمل الحر والتوظيف الذاتي، والبحث عن أفضل السبل والآليات لتدريب الشباب العاملين في القطاع غير المنظم، وتشجيع الشباب على العمل الذاتي، والتخلي عن مفاهيم ربط الشهادة بالتوظيف في القطاع الحكومي، أو القطاع الخاص فقط.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0