تعاني معظم المحافظات العراقية خصوصاً الوسطى والجنوبية من واقع مؤلم ومزري، حيث تعيش قطاعات كبيرة من المجتمع العراقي في أحياء عشوائية ذات مساكن غير منتظمة ورديئة في بنائها وتفتقد إلى أبسط مقومات الحياة الحضارية.

يعتبر انتشار الأحياء العشوائية أحد المظاهر السلبية لفشل السياسات الحكومية للإسكان منذ عقود طويلة، وبلغت ذروتها بشكلٍ ملحوظ خلال العقود الأربعة الماضية، بسبب الحروب والكساد الاقتصادي وتزايد الفقر وانتشار البطالة والهجرات المستمرة من الريف إلى المدينة نتيجة تدني مستوى القطاع الزراعي وكذلك عجز الأجهزة الخدمية الحكومية عن تطوير القرى والأرياف وتوفير الخدمات الرئيسية لها وصعوبة استيعاب المدن الرئيسية للقادمين الجدد، بسبب تخلف البرامج الإسكانية وغياب التخطيط العمراني.

وتشير معظم الدراسات في مجال الإسكان في العراق، بأن العديد من الأحياء السكنية الجديدة التي شيّدت في المحافظات العراقية هي أحياء سكنية عشوائية تعاني من المشاكل العديدة والنقص الحاد في خدمات البنى التحتية، كالطرق المبلطة وشبكات مياه الصرف الصحي وتمديدات المياه الصالحة للشرب وخطوط الكهرباء وانعدام المساحات الخضراء والمراكز الخدمية إضافة إلى تدني مستوى الخدمات البيئية.

ونظراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية السيئة التي يعيش فيها سكان الأحياء العشوائية وزيادة الإحساس بالعزلة والاغتراب عن المجتمع، فإن الدعوات الرافضة تنطلق من هذه الأحياء، بسبب الشعور بالظلم الاجتماعي وعدم اهتمام الأجهزة الرسمية لإيجاد الحلول اللازمة لهذه المشكلة المزمنة والتي تمّ تجاهلها لفترة طويلة. وأصبح رفض وجود الأحياء العشوائية وإزالتها هي السياسة السائدة لدى الجهات المسؤولة متجاهلةً الآثار الاجتماعية والسلبية، ودون توفير البدائل، انطلاقاً من أن هذا النوع من السكن ينطوي على رداءة البناء وعلى مخالفات قانونية لأصوله، حيث اضطرت قطاعات واسعة من المجتمع العيش في مناطق متعددة من دون الحاجة إلى ملكية الأرض أو الحصول على تصاريح البناء من أية جهة حكومية، وكذلك فإن هذه الأحياء تنطوي على مخاطر أمنية متزايدة في المستقبل.

واختلف التعاطي من قبل الجهات الرسمية مع هذه المشكلة المزمنة خصوصاً في السنوات الأخيرة، وذلك بسبب ضعف هذه المؤسسات والانفلات الأمني، مما جعل مشكلة الأحياء العشوائية تظهر من جديد وبشكل أكثر حدة، وقد أفرزت هذه المرحلة بوجه الخصوص وجود شريحة واسعة من المجتمع عجزت عن إمكانية تأمين سكن أو مأوى لائق لعوائلها.

والمأوى ليس هو سقف يحمي الأسرة من العوامل الطبيعية فحسب، بل ما يجب توفيره من حماية الخصوصية والجوانب الاجتماعية الأخرى التي تعتبر أساسية لأسلوب الحياة إضافة إلى المأكل والملبس، فإن السكن يُعطى دائماً أولوية كبرى في أية مناقشات عن الاحتياجات الإنسانية، كما يعتبر حقاً من حقوق الإنسان الرئيسية التي أُعلن عنها في عدّة مؤتمرات دولية. والمأوى يجب أن لا يؤخذ على شكل غرفة أو خيمة أو صريفة من سعف النخيل أو قصب البردي، إنما يمثل جانباً من جوانب مشكلة الإنسان الحضري، فالمسكن يمثل العديد من العلاقات والخدمات التي يجب أن تتوفر فيه وأن تؤخذ عند تصميمه وتخطيطه.

إن إستراتيجية الإسكان تعتبر من أهم الهياكل الأساسية لبناء الدولة والمجتمع، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحضر والتمدن وبعملية تطور المجتمعات بمختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية على مرّ العصور، وإن مفهوم التمدن في عالمنا المعاصر يُحتّم على الدولة توفير السكن المناسب للمواطنين خصوصاً الفقراء منهم وبدون مقابل، وهذا حق يضمنهُ القانون والعُرف والضمير، وهو من أهم واجبات وأولويات الحكومة. فالمواطن العراقي المعدم له الحق في الحصول على السكن الملائم واللائق الذي يحفظ له ولعائلته إنسانيته وكرامته، بغض النظر عن انتماءاته الحزبية والقومية والدينية والمذهبية ووضعه الاجتماعي، لأنّ العقبة الأساسية أمام الكثير من عوائل ذوي الدخل المحدود خصوصاً الطبقات المعدمة والفقيرة، هي عجزها تماماً عن تدبير المال اللازم لبناء بيوت ذات تصاميم هندسية ملائمة ولائقة تتوفر فيها كافة الخدمات الضرورية، وتراعي القيم الجمالية والكلفة القليلة، وتحقّق الراحة والطمأنينة المفقودة في المساكن التي تأويها حالياً.

لذلك نجد كمعماريين ومتخصصين في هذا المجال وممّن عملوا في مجال الخدمات الاجتماعية والإنسانية ضرورة رفض إزالة الأحياء العشوائية قبل إيجاد البدائل الحضارية المناسبة لسكانها، والاهتمام الجدي بإعطاء الأولوية والاستجابة لاحتياجات ملايين الفقراء من العمال والفلاحين وصغار العاملين والعاطلين عن العمل الذين يسكنون المدن والقرى والأرياف وفي مساكن رديئة ويكوّنون غالبية المجتمع العراقي بإعطاء البيوت العراقية المنتظمة واطئة الكلفة حقّها من الاهتمام والجدية من أجل بناء مجتمع يسوده العدل والرفاه والإنسانية.

ومن الغريب أن تأخذ الممارسة المعمارية جانباً واحداً وهو رؤية بعض النخب المثقفة للفنون والقيم الجمالية من جانب واحد فقط وعدم الاهتمام بالذوق الفني لجماهير واسعة من قطاعات المجتمع.

إنّ أهم نقطة يجب أن يتفهّمها المعماريون هي أن لا تكون الجوانب الجمالية مقصورة على أبنية الطبقة الميسورة والمتوسطة، بل يجب أن تتّجه التصاميم المعمارية إلى الاهتمام بالبيوت العراقية واطئة الكلفة حتى تأخذ نصيبها من الجمال والتراث، بالإضافة إلى تكلفتها الاقتصادية القليلة.

إن تأجيل ايجاد الحلول اللازمة للأحياء العشوائية لفترة طويلة وعدم الاهتمام بها، وإيجاد البديل الحضاري المناسب، سوف يزيد من معاناة سكانها، وسوف تتحول هذه الأحياء إلى بيئة خصبة تحتضن عناصر الجريمة والتطرف والإرهاب في المستقبل وحاضنة للأمراض الخطيرة، وبذلك تنقلب من مشكلة تخطيط عمراني وبناء عشوائي إلى مشكلة أمن واستقرار البلد.

وعلى الرغم من أن الأحياء العشوائية تعتبر من أهم التحديات التي تنطوي عليها أزمة السكن في العراق حالياً، ولكن تبريرات الجهات الرسمية المعنية بكون إيجاد البدائل لسكانها أو ايجاد الحلول اللازمة لها، يكلّف الدولة مبالغ طائلة تعجز عن توفيرها مما يجعل الأفق مغلقاً أمام هذه القضية. إن هنالك طرق عديدة لتطوير هذه الأحياء وعلى مراحل أو إيجاد البديل المناسب لها دون أن تكلّف الدولة مبالغ كبيرة لو اعتمدت الأساليب والطرق العلمية السليمة، وبالاعتماد على الخبراء والمتخصصين في هذا المجال.

إن العراق مقبل على زيادة ظاهرة الأحياء العشوائية في السنوات القادمة بسبب السياسات الخاطئة التي تعتمدها الحكومة في توزيع قطع الأراضي السكنية لقطاعات واسعة من المستحقين دون توفير خدمات البنى التحتية وتخصيص المبالغ بشكلٍ كافٍ ووضع تصاميم لائقة لبنائها، مما تدفع أصحابها لبناء مساكن رديئة لا تتوفر فيها أبسط الشروط البيئية والعمرانية والصحية.

وعلى الرغم من أن بعض المؤسسات والدوائر تعتبر التوسع في بناء السكن العمودي يمثل الاستغلال الأفضل للأراضي، والحل الأمثل لتوفير السكن لقطاعات واسعة من المجتمع، ولكن هناك تجارب عديدة خصوصاً في الدول الأوروبية ومنها بريطانيا أظهرت بأن هذا النمط من البناء قد تسبّب في مشاكل اجتماعية وإنسانية جمّة في بلدانها، حيث أُزيلت العديد من العمارات السكنية المتعددة الطوابق التي تمّ بناؤها للعوائل ذات الدخل المحدود وأقامت بديل عنها بيوتاً ومبانياً لا تتعدى ارتفاعاتها الطابقين ما عدا الطابق الارضي (الارضي+ الاول+ الثاني)، أما بالنسبة لبلدٍ كالعراق فإن بناء السكن العمودي لا يتلاءم مع الظروف المعيشية والمناخية والتقاليد الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العراقي، إلا في نطاق محدود ومناطق معينة من العاصمة بغداد وبعض المدن العراقية الكبيرة كالبصرة والموصل وغيرها.

ان نمط المساكن المنخفضة والمنتظمة والمقدمة من قبلنا في مشروع «البيوت العراقية واطئة الكلفة» المتأثرة بشكل عميق بالنموذج المعماري الإسلامي وهو أكثر انسجاماً مع الحياة الحضارية والاجتماعية لمجتمعنا آخذة بكافة ميزات هذا النمط من سلامة في التخطيط وملائمة للظروف المناخية والبيئية والاجتماعية. وإن الثقافة المعمارية الإسلامية للسكن هي أكثر استجابةً مع متطلبات الحياة العائلية العراقية اليومية.

وحينما نتكلم عن الاتجاه والعودة إلى التراث المعماري الإسلامي في تخطيط المدن ذات المساكن المنخفضة في البلاد العربية والإسلامية، نرى لزاماً علينا الأخذ بنظر الاعتبار حاجة العراق إلى ضرورة التوسع الأفقي لمدنه وتجمعاته السكنية ذلك لتوفر الأراضي خصوصاً في المناطق الواقعة خارج المدن الكبيرة، وكذلك فإنها تتناسب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

ومن الضروري وضع خطط مستقبلية تتفاعل مع متغيرات العصر الاجتماعية والاقتصادية، ومع لجوء السلطة التشريعية إلى إصدار عدد من القوانين التي تعالج المشاكل المتعلقة بالأحياء العشوائية. إلا أن استمرار هذه الظاهرة وتفاقمها يؤكد عدم الجدية في تنفيذها ومتابعة الإجراءات الخاصة بالمراقبة والتنفيذ. وعجز هذه التشريعات عن معالجة الظاهرة والتركيز على الجانب القانوني وافتقارها للمحتوى الاجتماعي والاقتصادي والإنساني.

وأبرزت دراسة مهمة أعدها الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي في العراق إن ما يقارب من 23 في المائة من المجتمع العراقي يعيشون دون مستوى خط الفقر، أي ما يقارب من (7) سبعة ملايين شخص، وهذه الشريحة تعيش في مساكن رديئة لا تصلح لسكن الإنسان.

ولو افترضنا بأن معدل عدد الأشخاص في العائلة الواحدة يقدر ما بين 5–7 أشخاص، فإن العراق بحاجة ماسة حالياً إلى أكثر من مليون وحدة سكنية لإسكان هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع، وتوفير مستوى معيشي مقبول لهم.

وقد أثبتت تجارب بعض الدول بأن المشاركة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والمشاركة الدولية، بإمكانها تقديم المساعدة والعمل على رفع معاناة سكنة الأحياء العشوائية ولو بشكل جزئي من خلال المساهمة الإيجابية والفعالة، خصوصاً في مجال تحسين البيئة، كإيجاد الحلول لرفع النفايات وتنظيم المساحات الخضراء ورعاية العجزة والمسنين واليتامى وذوي الاحتياجات الخاصة والقيام بحملات توجيهية لتوعية السكان بما يتعلق بالأمور الصحية والاجتماعية والبيئية.

أما بخصوص الاعتماد على الشركات الاستثمارية في توفير بناء المجمعات السكنية لذوي الدخل المحدود، فهي سياسة خاطئة وتكلف البلد مبالغ طائلة ترهق ميزانية الدولة، وذلك لأن هذه الشركات تطمح إلى الربح العالي بأي شكلٍ من الأشكال، وإن الأسعار التي ستطرحها هذه الشركات لا تستطيع قطاعات واسعة من المجتمع خصوصاً الفقراء والمعدمين منهم من دفع أثمانها حتى لو كانت على شكل دفعات (أقساط) وفي فترات زمنية.

لذلك نجد بأن على الحكومة إيجاد الحلول الناجعة لتوفير عشرات الآلاف من البيوت العراقية المنتظمة واطئة الكلفة للعوائل الفقيرة والمعدمة المفتقدة للسكن اللائق، عن طريق المؤسسات والدوائر المعنية كوزارة الإسكان والتعمير والتي أثبتت خلال السنوات الماضية عدم قدرتها على الالتزام بعهودها لإسكان الأعداد الهائلة من هذه العوائل المنتشرة في أرجاء العراق خصوصاً في المناطق الوسطى والجنوبية منه، أو عن طريق الجمعيات التعاونية السكنية التي ستأخذ على عاتقها عملية الإدارة والتنظيم والاعتماد على الخبراء والمتخصصين والشركات الهندسية المؤهلة في هذا المجال، والتي حقّقت مثيلاتها في عدد من الدول العربية والإسلامية نجاحات باهرة في هذا المجال.

البيوت العراقية واطئة الكلفة لمعالجة مشكلة السكن

تُعتبر البيوت العراقية واطئة الكلفة البديل الحضاري للأحياء العشوائية التي انتشرت بصورة كبيرة قد لا يمكن السيطرة عليها في المستقبل خصوصاً من ناحية توفير الخدمات الرئيسية الضرورية لها، إذا لم تبادر الجهات الحكومية أو المؤسسات المعنية لإيجاد الحلول اللازمة لمثل هذه الظاهرة الإنسانية والاجتماعية والعمرانية المتفاقمة.

إن التصميم المعماري للبيوت العراقية واطئة الكلفة المقدم من قبلنا هو الأفضل والمناسب لحل مشكلة السكن في العراق للأسباب التالية:

لبساطته وملائمته لمتطلبات العائلة العراقية وبأقل مساحة ممكنة.

عدم وجود مساحات ضائعة فيه.

لامتلاكه خصائص وسمات الطابع المعماري العراقي في البناء.

ملائمته للبيئة العراقية.

المواد الانشائية المستعملة فيه مواد محلية الصنع.

كلفة تنفيذه واطئة.

إمكانية سرعة تنفيذه لسهولة فقرات الانهاء فيه.

وتتميز هذه البيوت بخصائص تخطيطية وإنشائية ذات طابع معماري تقليدي واحد يتمثل بالساحة المكشوفة التي يطلق عليها بالعامية (الحوش) المكان الأول في التخطيط وتأتي الغرف لتطل عليها. وتعتبر هذه الساحة مكان لعب آمن للأطفال، وكذلك تستخدم كمكان لجلوس العائلة صباحاً ومساءً عندما يكون الطقس مناسباً. ويمكن زراعة بعض الزهور والأشجار أو النخيل في جزء من هذه الساحة. بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في توزيع الإضاءة والتهوية الطبيعية للغرف المطلّة عليها. وتُفرش هذه الساحة عادةً ببلاطات لا تتأثر كثيراً بالحرارة العالية في فصل الصيف.

وتحتوي البيوت العراقية واطئة الكلفة على صالة للضيوف تكون معزولة عن مرافق البيت الاخرى ومرتبطة بها في آن واحد، ولها مدخل خاص ومرفق صحي، وتستخدم الصالة أيضاً من قبل العائلة في حالة عدم وجدود الضيوف. أما غرف النوم فتوجد غرفتين أحدهما كبيرة للعائلة والأخرى صغيرة للأطفال مع حمام، وتكون غرف النوم معزولة وبعيدة عن صالة الضيوف.

أما المطبخ فمساحته مناسبة وله مدخل آخر يرتبط بالجانب الخلفي من البيت.

ويحتوي البيت على سُلّم (درج) يؤدي إلى سطحه الذي يُستخدم ليلاً للنوم في فصل الصيف عندما يكون الطقس مناسباً.

لقد تم توزيع البيوت بصورة منظمة وفق أسس تخطيطية مسبقة أُعدّت من قبل المؤسسات ذات العلاقة.

أما المواد المستخدمة في بناء هذه البيوت فعظمها مواد بناء محلية كالطابوق الطيني المفخور والجص والاسمنت والحديد.

علماً ان كلفة المتر المربع الواحد من البيوت العراقية واطئة الكلفة في المشروع المقترح يقدر بحدود 350 الف دينار عراقي.

اما مساحة بناء البيت الواحد= 80 متر مربع

اذا يكون كلفة بناء البيت الواحد= 28 مليون دينار عراقي

انقر لاضافة تعليق
dr.azadshekhany@gmail.com
Uk
Excellent work dr raouf, my ph,d was on this issue 25 years ago in Italy, I understand your effort and the dimension of the problem2018-11-22

مواضيع ذات صلة

1