المحاكاة في المعجم العربي تعني في مدلولها العام على المماثلة والمشابهة في الفعل والقول، ويعود أصل لفظ المحاكاة إلى فعل حكى. ففي معجم "لسان العرب" نجد أنها جاءت من "حكي: الحكاية: ﻛﻘﻮﻟﻚ ﺣﻜﻴﺖ ﻓﻼﻧﺎ ﻭ ﺣﺎﻛﻴﺘﻪ، ﻓﻌﻠﺖ ﻣﺜﻞ ﻓﻌﻠﻪ ﺃﻭ ﻗﻠﺖ ﻣﺜﻞ ﻗﻮﻟﻪ سواء لم ﺃﺟﺎﻭﺯﻩ، ﻭﺣﻜﻴﺖ ﻋﻨﻪ الحدﻳﺚ ﺣﻜﺎﻳﺔ، ﻭﺣﻜﻮﺕ ﻋﻨﻪ ﺣﺪﻳﺜا في معنى ﺣﻜﻴﺘﻪ، وفي الحديث: ﻣﺎ ﺳرني أني ﺣﻜﻴﺖ ﺇﻧﺴﺎﻧﺎ ﻭﺃن لي ﻛﺬﺍ ﻭﻛﺬﺍ ﺃﻱ ﻓﻌﻠﺖ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ فعله. ﻳﻘﺎﻝ: ﺣﻜﺎﻩ ﻭﺣﺎﻛﺎﻩ، ﻭﺃﻛﺜﺮ ﻣﺎ يستعمل في القبيح المحاكاة، والمحاكاة المشابهة ﺗﻘﻮﻝ : ﻓﻼن يحكي الشمس حسنا ويحاكيها بمعنى"[1].

وفي "المعجم الوجيز" نجد أنها تعود إلى فعل حكى، "يقال: حكى الشيء ـ حكاية أي أتى بمثله وشابهه والمضارع يحكى أي يشابهه ويماثل وحكاه أي شابهه في القول والفعل أو غيرهما"[2].

أما في المعجم "القاموس المحيط"، فقد ورد أن لفظ المحاكاة مأخوذة من "حكوت الحديث أحكوه، يقال: كحكيته أحكيه وحكيت فلانا وحاكيته: شابهته وفعلت فعله أو قوله سواء، وعنه الكلام حكاية: نقلته، والعقدة شددتها، كأحكيتها، وامرأة حكيُّ، كغي: نمامة، واحتكى أمري، استحكم، وأحكى عليهم: أبرَّ"[3].

والمحاكاة في المعجم الأجنبي تأخذ معنى التقليد، ففي المعجم الفرنسي لاروس Petit Larousse نجد أن كلمة المحاكاة simulation مرادفة لكلمة التقليد L’imitation، فالتقليد بحسب المعجم: "هو العمل أو المحاولة بصعوبة عمل تماما ما يفعله شخص ما أو حيوان، كتقليد الأصدقاء، والتقليد هو إعادة تماما شيء كتقليد إمضاء، والأخذ كنموذج مثل تقليد الأسلاف، والبحث عن أخذ أسلوب أو مادة كاتب أو رسام، والتقليد هو أيضا الحصول على تأثير نفسه"[4].

وفي المعجم الإنجليزي أكسفورد Oxford فيقصد بالمحاكاة Simulationبأنها "أسلوب لتقليد سلوك أو موقف أو نظام (اقتصادي، ميكانيكي) عن طريق استخدام نموذج مشابه وذلك إما لجمع المعلومات الملائمة عن النظام أو لتدريب أشخاص على هذا الموقف"[5].

وقد استعمل مفهوم المحاكاة لأول مرة مع الفلاسفة والمفكرين، فالمحاكاة مفهوم يوناني، ميتافيزيقي الأصل Mimesis، حيث استحوذ هذا المفهوم اهتمام كبير من قبل أفلاطون وأرسطو خاصة في ميدان الأدب والفن بكل تجلياته، ومنه قول أرسطو "الفن محاكاة للطبيعة". فأفلاطون وأرسطو كان لكل منهما تصورا خاصا حول نظرية المحاكاة، ففي كتاب الجمهورية كان أفلاطون قد انتقد الفن فاعتبره مجرد محاكاة لمحاكاة، فمثلا قد يصنع الصانع سريرا، مقلدا لفكرة مجردة أبدية، أما الرسام فلا يهتم إلا بما هو ظاهر خارجي، ولا يحاكي إلا ما صنعه الصانع. فالمقصود بالمحاكاة عند أفلاطون هنا هو النسخ. وبالنسبة لأرسطو في كتابه فن الشعر، فتتلخص نظريته حول المحاكاة "في أن مبدأ كل الفنون يقوم على محاكاة الطبيعة لا بوصفها شكلا أو مثالا وإنما لما فيها من مظاهر عامة دائمة تصلح لكل زمان ومكان، وذلك ما يميز الفنان أو الشاعر في رأيه عن المؤرخ الذي لا يهتم إلا بدقائق الأمور وحوادثها التفصيلية"[6]. هذا ونشير في هذا الصدد على أن مفهوم المحاكاة الأرسطي قد لعب دورا مهما في تطور مدارس الأدب بأوربا منذ عصر النهضة إلى آواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. لكن ما يهمنا في هذه الورقة هو كيف نفهم مفهوم المحاكاة سوسيولوجيا؟

في البداية نود القول على أن مفهوم المحاكاة قد انتقل إلى الدراسات السوسيولوجية مع جابريل تارد Jean-Gabriel Tarde (1843-1904) في كتابه قوانين التقليد Les Lois de l"imitation الذي صدر سنة 1890 بعد أن كان حكرا على مجال فنون الأدب، ثم إن استخدام مفهوم التقليد عند تارد لا يلغي إطلاقا مفهوم المحاكاة.

ويعتبر تارد من أوائل وأهم السوسيولوجيين الذين اهتموا بنظرية المحاكاة في تفسير السلوك الاجتماعي، حيث يرى أن كل نمط من أنماط السلوك الاجتماعي لا بد وأن يرتبط بسلوك مشابه له يسعى الفرد إلى محاكاته، فالمحاكاة حسب تارد لها علاقة بكل أنواع السلوك الاجتماعي سواء أكانت سلوكات مرتبطة بعادات اجتماعية نافعة ومقبولة أو عادات اجتماعية سلبية شاذة مثل الجريمة، فالمحاكاة تتناول الأفكار والعقائد والقيم والمهارات واللغة، خاصة هذه الأخيرة. وقد أشار تارد في كتابه الذي ذكرناه مسبقا (قوانين التقليد) ب"أن الوسيلة الرئيسية للمحاكاة هي اللغة، فهي الأداة الأولى لنقل كثير من الأعراف الماضية، ولنقل أثر الخبرات على اختلاف مستويات تنظيمها عبر الأجيال وعبر عقول الأفراد رغم أنها ليست الوسيلة الوحيدة"[7].

والمحاكاة نوعان، فقد يتجه الفرد ضمن الجماعة إلى محاكاة الأشياء القديمة وهذا هو الشأن بالنسبة للمجتمعات الساكنة (القبلية)، أو أن الفرد قد يحاكي بعض الأشياء التي تجعله مجرد تابع، وهو ما فسره إيميل دوركايم في كتابه تقسيم العمل الاجتماعي حينما قسم وميز بين نوعين من المجتمعين وهما: المجتمع الآلي (الجماعة) والمجتمع العضوي (المجتمع)، حيث نجد الأفراد في المجتمع الآلي في وضعية متشابهة غير قادرة على تغيير أوضاعهم، بينما في المجتمع العضوي أي المجتمع الحديث، فإن الأفراد يمارسون وظائف متباينة تجعل منهم مجرد تابعين لبعضهم البعض، وبالتالي ينشأ تقسيم العمل أشكال جديدة ومختلفة من التضامن تتأسس حول التبعيات المتبادلة بين أفراد المجتمع.

من هنا فإن المحاكاة في نظر تارد لا تكون إلا في الجماعة، حيث تخضع لمجموعة من القوانين من أهمها:

ـ أنه يتم من الأعلى إلى الأسفل بمعنى أن الفقير يقلد الغني والصغير يقلد الكبير، والعامل يقلد المدير...إلخ.

ـ أن المحاكاة ترتبط بطبيعة العلاقة التي تجمع بين الأفراد، فالمحاكاة تتم بشكل أكبر حينما تكون العلاقات الاجتماعية بين الأفراد قوية ومتينة.

ـ أن أنماط السلوك تكون متداخلة وتتغير بفعل الزمن.

يبدو إذا من خلال ما سبق أن المحاكاة عبارة عن سلوك فردي بالدرجة الأولى، تقوم على التقليد والمتابعة أو المشابهة. إذ ينتقل هذا السلوك من فرد إلى فرد، ثم من الفرد إلى الجماعة، ثم من الجماعة إلى المجتمع، فهي فردية قبل أن تكون اجتماعية. فالفرد كما نعلم هو جزء من المجتمع وبالتالي نرى أن هناك علاقة جدلية (تأثير وتأثر) بين الفرد والمجتمع؛ أي أن ما يجري على المجتمع يجري على الفرد، وما يجري على الفرد يجري على المجتمع.

................................................
الهوامش:
[1] . ابن منظور، لسان العرب، دار الصادر، بيروت، المجلد 14، الطبعة الثالثة، 1994، ص 191.
[2] . مجمع اللغة العربية، المعجم الوجيز، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة 1997، ص 165.
[3] . الفيروز آبادي، القاموس المحيط، الجزء الرابع، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 1995، ص 346.
[4] . ‘’Petit Larousse’’, Pierre Larousse, Libraire Larousse, Paris_France, 1978, Page.462.
[5] . Oxford Dictionary of Current English. Ed. Della Thompson. Oxford: Oxford University Press, 1996. Pg 851
[6] . مجدي وهبة - كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، الطبعة الثانية، 1984، ص 339.
[7] . جمعة سيد يوسف، سيكولوجية اللغة والمرض العقلي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة شهرية العدد 145، يناير 1990، ص 14.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0