يمكن تعريف العقد الاجتماعي بانه (اتفاق بين أفراد وقوة حاكمة حيث يتم التنازل إرادياً عن بعض الحريات الشخصية مقابل منفعة تتمثل في مجتمع حسن التنظيم أو حكومة رشيدة)، او هو نظرية اجتماعية تصف الحالة التي يكون فيها للجماعات البشرية سلطة عليا او قيادة او حاكم او اي شكل من اشكال ممارسة السياسة او السلطة.

تشكل السلطة جوهر الدولة عندما تمدها بالقوة التي تمكنها من أداء وظائفها في توفير الامن الداخلي والسلام الخارجي والوفرة الاقتصادية ووسائل التعليم والثقافة، واذا كانت كلمة سلطة غائبة في القاموس السياسي القديم فاننا نجد لمرادفاتها استعمالا مكثفا كالامامة والخلافة والولاية والقيادة والامارة والحكومة والسلطان..

والعقد الاجتماعي في الترادف اللغوي هو"الميثاق" أو "العهد" أو "الاتفاقية".

يشير مصطلح العقد الاجتماعي في الوقت الذي ظهر فيه عبر كتابات (جون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو) إلى مجتمع المواطنين الأحرار الذين يختارون بإرادتهم الحرة شكل وشروط الحكم الذي يعيشون في ظله، وهو عقد افتراضي وليس عقداً حقيقياً بالمعني الحرفي للكلمة. وكانت مقدمات هذا العقد وشروطه عند توماس هوبز تفضي إلي قبول النظام الملكي المطلق الذي لا رجعة فيه بينما كانت مقومات هذا العقد وشروطه عند جون لوك وبعده عند جان روسو، تفضي إلي نظام ملكي مقيد يمكن سحب الشرعية منه إذا أخل بحقوق المواطنين.

ولأن العقد فعل إجرائي فإنّ له مبدأ يحركه ويوجهه وهو مبدأ التمييز بين عقد الاشتراك وعقد الحكم؛ فأما الأول فهو ما به يتّحد الحشد من البشر الكثيرين في كيان اجتماعي واحده يسمَّى هيئة اجتماعية أو جسما اجتماعيا. وأما الثاني فهو ما به تقبل الهيئة الاجتماعية المبتكَرة الانصياعَ لقوة سياسية ذات سيادة. وبفضل هذا التمييز نرى العقد وقد منح عقد الاشتراك أسبقيةً وأولويةً على عقد الحكم: فللأول على الثاني أسبقية من حيث التأسيس، وأولوية من حيث القيمة. (نظرية العقد الاجتماعي من هوبز إلى روسو/عبد العزيز لبيب،

تطرح فكرة العقد الاجتماعي مسألة الحكم على مستويين: أصل الاجتماع وأصل الدولة، وهما مستويان من التعاقد مختلفان:

يتعلق الأمر في المستوى الأول بتنازل الأفراد، للمجموعة التي تتشكل منهم، عن الحقوق الطبيعية التي كانوا يتمتعون بها في "الحالة الطبيعية"، في مقابل حقوق مدنية تضمنها لهم المجموعة/الدولة. أما على المستوى الثاني فالأمر يتعلق أساسا بتفسير شكل الحكومة: فالأفراد يتنازلون هنا لا للمجموعة، بل لشخص واحد يقوم بمهام الرئاسة والحكم بما في ذلك الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعة.

يمكن تحديد الاختلاف بين كل من جان جاك روسو وجون لوك وتوماس هوبز في النظر الى هذا العقد وطبيعته وشكله من خلال عدة نقاط او فروق هي:

1.يصور هوبز الرجل البدائي علي أنه أناني وأن الحالة الفطرية الأولى كانت حالة حرب دائمة، أما روسو فيصوره رجلاً صالحاً والحالة الفطرية الأولى تمثل السعادة المثالية ، ويأخذ لوك طريقاً وسطاً بين الرأيين.

2.يرى هوبز أن السيادة قد تكون ملكاً لفرد واحد أو لمجموعة قليلة من الأفراد أو الغالبية منهم، وأن الشعب إذا تنازل عنها لأحدى هذه الهيئات لا يمكن استرجاعها منه، أما روسو فيري أن السيادة ملك للشعب دائماً وتبعاً لذلك يجب أن تصدر عن الإرادة العامة أي عن إرادة الشعب مجتمعة.

4.لم يميز هوبز بين الدولة والحكومة، ويرى أن الحكومة الفعلية هي القانونية أما روسو ولوك فقد ميز كل منهما بين الدولة والحكومة وهناك فرق بين الحكومات الفعلية والحكومات القانونية.

5.كان من رأى هوبز أن تغيير الحكومة معناه انحلال المجتمع والعودة إلي الفوضى الأولى، أما لوك فيرى أن للشعب حق اختيار الحكومة وحق تغييرها إذا رأى أنها غير مرضية، أما روسو فيرى أن الحكومة وكيل عن الشعب لتنفيذ رغبات الإرادة العامة.

6.أتفق روسو ولوك في وضع السيادة في الشعب وفي الحد من سلطة الحكومة، ولكن لوك يرى أن الشعب يحتفظ بالسيادة لاستعمالها وقت الضرورة القصوى.

الفكر العربي الإسلامي كما يرى محمد عابد الجابري (العقل السياسي العربي) لم يعرف إلا النمط الذي يفسر منشأ الحكومة وشكلها وهو ما يسمى عندنا بـ "عقد البيعة". فالعقد السياسي الذي دار الكلام حوله في التراث العربي الإسلامي هو "عقد الإمامة" أو "البيعة"، أما "العقد الاجتماعي" كنظرية تفسر أصل الاجتماع والدولة معا فشيء ظل غائبا عن مجال المفكَّر فيه لدى الذين خاضوا في مسألة "الإمامة" و "الخلافة".

نعم هناك في العهد النبوي أنواع من "العقد" أبرمها الرسول (ص)، بعضها ينظم الاجتماع وبعضها ينظم الحكم، وبعضها يجمع بين الاثنين: من ذلك نظام "المؤاخاة" الذي سنه (ص) عند مقدمه إلى المدينة مهاجرا إليها هو وصحبه من مكة والذي آخى فيه بين المهاجرين بعضهم مع بعض وبينهم وبين الأنصار مؤاخاة "على الحق والمساواة"، وهذا "عقد اجتماع". أما العقد المعروف بـ "الصحيفة" فهو يجمع بين الاثنين: فقد كتب النبي (ص)، عند وصوله إلى المدينة مهاجرا، كتابا "بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة". كما "وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم". لقد نص هذا الكتاب أو العقد على أن كل فئة من فئات المسلمين والمؤمنين من المهاجرين والأنصار من أهل يثرب تواصل العمل بالعرف الذي كانت تعمل به قبل الإسلام في مجال أخذ الديات وإعطائها، مع التزام المعاملة الحسنة للأسرى والعمل بالعدل في افتدائهم. كما ينص على التضامن والتكافل بين المؤمنين بعضهم مع بعض الخ. هذا من جهة ومن جهة أخرى ينص هذا العقد على أن "اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين (=يتحملون نصيبهم من نفقات الحرب التي يشاركون فيها مع المؤمنين) وأنهم : "أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم". كما ينص هذا العقد على تحريم القتل في يثرب والدفاع المشترك عنها، وأن المرجع في الفصل في الخلاف هو محمد (ص) سواء كان الخلاف بين المؤمنين والمسلمين بعضهم مع بعض أو بينهم وبين اليهود. وتختم "الصحيفة" بالتأكيد على أن العلاقات في يثرب يجب أن تبنى على البر وحسن المعاملة والحرص على الأمن.

مساهمة منه في الجهد المبذول لتأسيس نظرية سياسية للحكم في مجتمعاتنا المبتلية بالنظم الدكتاتورية والمستبدة، ولتجسير الهوة بين الحاكم والمحكوم، يكتب السيد مرتضى الشيرازي كتابه المعنون (ملامح العلاقة بين الدولة والشعب) وهو سلسلة محاضرات كان قد القاها في الحوزة العلمية الزينبية في سنوات سابقة.

يستند الكتاب في تحليله لهذه العلاقة على البصائر القرانية، من خلال اية الأمانة الواردة في الاية 58 من سودرة النساء، في قوله تعالى:

(ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظمكم).

حيث يعدّ مفهوم الأمانة هو المرجعية الشرعية لتبيان الأطر الحقوقية لشرعية الحكم وسيادة الدولة والصلاحيات المخولة لها.

ان الأمانة كمفهوم يطرد قسيمه، فان سقطت امانة الحاكم تسقط شرعية حكمه، فشرعية السيادة هي لله تعالى، لكنها موكلة للشعب والأمة، سواء بشكل الشورى او اهل الحل والعقد.

هناك عدد من الأطر القانونية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، يعرض لها السيد مرتضى الشيرازي من خلال ستة احتمالات:

الاحتمال الأول: ان يكون الحاكم وكيلا في تسيير الأمور وفي تدبير شؤون البلاد.

الاحتمال الثاني: ان تكون علاقة مأذونية، بمعنى ان الناس قد اذنوا للحاكم بان يتصرف في مقدراتهم ومصائرهم بالتي هي احسن وبالحسنى.

الاحتمال الثالث: ان يكون الحاكم اجيرا للناس، او موظفا عندهم.

الاحتمال الرابع: ان يكون عقدا مستأنفا، وهو قد يطلق عليه العقد الاجتماعي.

الاحتمال الخامس: ان تكون الناس قد وهبت حقوقها للحاكم.

الاحتمال السادس: ان يكون الحاكم هو مولى الامة، وهو ولي عليها ومالك لشؤونها، مثله مثل السيد في ولايته على العبد، فالأمة بمنزلة العبيد والحاكم هو المولى، وهو الولي.

ويرى السيد مرتضى الشيرازي، ان مقتضى الحكمة ان تكون الوكالة مشروطة وليست مطلقة، وفق شروط منها ان يعزل الحاكم اذا خالف، وانه يجب ان يمتثل اراء الناس المنتخبين له، ويجسد امالهم وطموحاتهم واحلامهم، وان يكون خاضعا للمراقبة..

وهوفي الكثير من موارد الكتاب، يرفض كل الاشكال للحكم التي ينفذ منها الحكام المستبدون للقبض على السلطة، وجعلها مطية لرغباتهم على حساب حقوق المحكومين. وهو يرى ان الكثير من الشعوب تتعامل مع الحاكم، وفقا لصورة اعتادوا عليها ونمطا ألفوه في حياتهم وهذه الصورة هي: تعامل العبد مع المولى، وهذا هو الذي يصنع الحكام الطغاة، ويوفر لهم أرضية الاستبداد، ومصادرة حقوق شعوبهم.

يظهر مما سبق أن فكرة العقد الاجتماعي وإن كانت قد ظهرت وتطورت في الإطار المعرفي الغربي، بل وجاءت في سياق التباعد بين الفلسفة السياسية وبين الديانة المسيحية في القرن السابع عشر وما بعده، إلا أنها قدمت -كمفهوم وكفلسفة عمل- أداة مناسبة لتصحيح العلاقة بين المجتمع والدولة وإعادة بناء النظام السياسي على أساس يجعل الحكومة خادماً للمجتمع لا سيداً له أو قاهراً فوقه. ويمكن تجريد المفهوم من الشروط التاريخية التي ظهر فيها والتعامل معه كنظرية قائمة بذاتها. كما يمكن ن هناك فرصة لتفكيك النظرية وإعادة تركيبها ضمن الشروط الثقافية الخاصة بمجتمع المسلمين. وأنه يمكن مقارنتها بالعديد من المقولات الراسخة في التراث الفقهي والفلسفي الإسلامي. مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي / د. توفيق السيف

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0