الحياة لا تُبنى بالاستعجال، ولا بالقفز غير المدروس، ولا بمطاردة الطفرات المالية الوهمية، بل تُبنى بالتدرج، والصبر، والاستقامة، وتراكم الخطوات الصغيرة الصحيحة. هذا الاستعجال مدمر؛ لأنه ينفصل عن النمو الطبيعي، ويصطدم بالواقع، ويجعل الإنسان يعيش فوق طاقته، فيقع في الاستنزاف، أو في القروض، أو في اللهاث المستمر وراء التغطية المالية...

(إدارة المعيشة ليست مسؤولية فرد واحد فقط، بل هي ثقافة بيت كامل)

من أكثر القضايا حضورًا في واقع الإنسان المعاصر الحديث عن صعوبة الحياة، حتى صار هذا المعنى من المسلمات المتداولة في الوعي اليومي للناس. فالإنسان اليوم يعبّر باستمرار عن شعوره بأن الحياة أصبحت مرهقة، وأن الوجود فيها بات متعبًا، وأن متطلبات العيش لم تعد كما كانت، بل تحولت إلى دائرة ضاغطة من السعي المتواصل، والركض المستمر، واللهاث الذي لا يكاد ينتهي. 

ولهذا نرى الإنسان يعمل ليلًا ونهارًا، ويبحث عن أكثر من عمل، ويسعى إلى مضاعفة مصادر دخله، كل ذلك من اجل أن تستمر الحياة وتُدار شؤونها اليومية من دون انهيار أو عجز.

وهنا يبرز السؤال الاهم: أين يكمن الخلل؟ هل الخلل في الحياة نفسها بما طرأ عليها من تعقيدات وضغوط وتحولات وتوقعات ومتطلبات لا نهائية؟ أم أن الخلل في الإنسان، في طريقة تفكيره، وفي أسلوب إدارته للمعيشة، وفي منهجه في ترتيب أولوياته، وتقدير حاجاته، وتنظيم دخله وإنفاقه؟ وهل إدارة المعيشة تعني مجرد اقتصاد البيت وتدبير المصروفات، أم أنها أعمق من ذلك بكثير، بحيث تمثل أسلوب تفكير، ونمط حياة، ومنظومة قيم، ومنهجًا في النظر إلى الذات، وإلى المال، وإلى الحاجات، وإلى معنى الحياة الطيبة ذاتها؟

الوعد بالحياة الطيبة

إن النص القرآني يؤسس لهذا المفهوم تأسيسًا عميقًا بقوله سبحانه وتعالى:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل/97.

فهذه الآية المباركة تكشف عن حقيقة كبرى، وهي أن الحياة الطيبة ليست مجرد أمنية بشرية عابرة، بل هي وعد إلهي. والإنسان، بطبعه، يبحث عن هذه الحياة الطيبة، عن الحياة الهانئة، الرغيدة، التي يجد فيها راحةً نفسية، وأمانًا داخليًا، واستقرارًا وجوديًا، وتوازنًا في شؤون معيشته. والآية حين تعد الإنسان بالحياة الطيبة، فإنها لا تقدّم هذا الوعد بوصفه أمنية غائمة، بل بوصفه نتيجة مترتبة على العمل الصالح والإيمان. وهذا يعني أن الحياة الطيبة ليست أمرًا منفصلًا عن سلوك الإنسان العملي، ولا عن رؤيته الفكرية، ولا عن منهجه في إدارة نفسه ومعيشته.

ومن هنا يمكن القول إن إدارة المعيشة ليست شأنًا هامشيًا أو تفصيلًا ثانويًا في حياة الإنسان، وإنما هي جزء من بناء الحياة الطيبة نفسها. فالحديث عن التقدير والتدبير في المعيشة ليس حديثًا عن مهارات مالية باردة، ولا عن إجراءات تنظيمية محضة، وإنما هو حديث عن قاعدة من قواعد العمران الإنساني، وعن أصل من أصول النجاح في الحياة.

ولهذا لم يكن عجيبًا أن نجد القرآن الكريم، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، والتراث الإسلامي برمته، قد أولى هذا الموضوع اهتمامًا بالغًا؛ لأن المنظور الإسلامي لا يقبل أن يعيش الإنسان المسلم حياة الفوضى والاضطراب والإنهاك الدائم، بل يؤكد أن الأصل هو أن يعيش حياة سعيدة، وحياة طيبة، وحياة منسجمة مع نظام الأسباب والمسببات، ومع مقتضيات الحكمة والاعتدال والتوازن. غير أن هذه الحياة الطيبة لا تتحقق عشوائيًا، بل لها أسبابها ومقدماتها، كما أن للحياة المتعبة أسبابها ومقدماتها كذلك.

كمال المؤمن في إدارة المعيشة

ومن هنا جاءت الروايات لتؤكد على حسن تقدير المعيشة، بل لتجعله من علامات كمال المؤمن. فليس الإيمان مجرد حالة وجدانية منعزلة عن الواقع، وليس التدين مجرد ممارسة شعائرية منفصلة عن تفاصيل الحياة اليومية، بل من كمال المؤمن، ومن تمام نضجه الإنساني والديني، أن يعرف كيف يدير معيشته، وكيف يقدّر إنفاقه، وكيف يوازن بين حاجاته، وكيف يتحرك في الحياة من دون إسراف ولا تقتير، ومن دون فوضى ولا اختلال.

وعليه، فإن إدارة المعيشة هي في حقيقتها إدارة للحياة نفسها. فهي تشمل إدارة المنزل، وإدارة العمل، وإدارة الوقت، وإدارة الميزانية، وإدارة الأولويات، بل وتشمل -على مستوى أوسع- حتى إدارة المؤسسات والدول. فجوهر القضية واحد: كيف يُبنى التوازن؟ وكيف تُدار الموارد؟ وكيف يُضبط الإنفاق؟ وكيف تُفهم الحاجات؟ وكيف يتحقق الاعتدال بين الإفراط والتفريط؟

إدارة المعيشة نمط حياة 

تقدير المعيشة: هو الوعي والتنظيم لعملية الإنفاق وإدارتها بشكل يسمح بتلبية متطلبات الحياة المعيشية، بدءًا من الحاجات الأساسية ثم الوصول إلى الحاجات الثانوية، وذلك ضمن حدود دخل الأسرة أو الفرد (ميزانية الأسرة) وبطريقة تضمن التوازن ولا تسبب عجزاً أو الوقوع في الديون، وذلك يعتمد على حسن التخطيط والإدارة الواعية الملتزمة والانضباط.

والمشكلة الكبرى التي يقع فيها الإنسان في هذا الباب هي التطرف في الموازنة. فقد يميل إلى الإسراف المفرط، فينفق بلا حساب، ويدفعه الانبهار بالمظاهر والرغبات إلى تبديد موارده في غير مواضعها. وقد يميل إلى الطرف المقابل، فيعيش حالة من التقتير والتقشف المرضي الذي يرهقه ويربك أسرته ويولد داخله شعورًا دائمًا بالضغط والحرمان. وكلا الطرفين ينتج حياة غير طيبة؛ لأن الحياة الطيبة لا تقوم على الإفراط، ولا تقوم على التفريط، بل تقوم على القوام، أي على الاعتدال الذي تنتظم به الحياة وتستقيم.

ولهذا فإن هذا الموضوع لا يحتمل التخبط، لأنه يتصل مباشرة بالاستقرار النفسي والجسدي والصحي للإنسان. فالحياة غير المنضبطة في الإنفاق، سواء بسبب الإسراف أو بسبب الاختناق المعيشي الناتج عن سوء التدبير، تتحول إلى مصدر إنهاك نفسي، وتعب جسدي، وقلق دائم، واختلال في العلاقات الأسرية والاجتماعية.

إن التركيز هنا يجب أن ينصب على كيفية بناء موازنة سليمة بين الحاجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبين ما زاد عليها من رغبات وكماليات. فالمطلوب من الإنسان أن يعرف كيف ينفق، وكيف يدير معيشته إدارة صحيحة. وليس المقصود بإدارة المعيشة هنا مجرد إدارة المنزل بالشكل الإداري البسيط، بل المقصود بها أن تصبح هذه الإدارة أسلوب حياة، أو نمط حياة، أو رؤية متكاملة تقوم على عقائد وقيم وأفكار وسلوكيات وأخلاقيات تشكل جميعها البنية التحتية التي ينطلق منها الإنسان في تنظيم حياته المعيشية.

فإذا كانت هذه البنية التحتية الفكرية والقيمية سليمة، استطاع الإنسان أن ينظم موازنته بطريقة مرتبة، وأن ينفق بطريقة صحيحة، وأن يصل إلى نهاية الشهر ومعه فائض ولو يسير، أي شيء من الادخار، أو شيء من الأمان المالي، أو على الأقل من دون أن يقع في العجز أو الاستدانة أو التقصير في حاجات بيته الأساسية. أما إذا غابت هذه البنية، فإن الإنسان قد يكون صاحب دخل كبير جدًا، ومع ذلك يبقى في أزمة مالية مستمرة؛ لأنه يفتقر إلى الوعي، وإلى القاعدة الفكرية، وإلى التنظيم، وإلى التخطيط، وإلى حسن تقدير الإنفاق.

وفي المقابل، قد نجد إنسانًا دخله قليل، لكنه يعيش ببركة، ويجد في حياته شيئًا من الاتساع والطمأنينة. وهنا يبرز المعنى العميق للرواية التي تشير إلى أن بركة العمر في حسن العمل، وإلى أن العمل الصالح ليس مجرد حركة شكلية، بل هو عمل متقن، مخطط له، قائم على حساب الأسباب والمسببات، وعلى الوعي، وعلى إحكام الوسائل المؤدية إلى النتائج.

وعن الامام علي (عليه السلام): (بركة العمر في حسن العمل)(1).

المقادير والتقادير والتدابير

وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية في هذا الباب، وهو مفهوم التقدير والتدبير. وقد أوضحت الروايات الشريفة هذا المعنى عبر ثلاثية دقيقة، هي: المقادير، والتقادير، والتدابير.

فعن الامام علي (عليه السلام): (يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ)(2).

فالمقادير هي المواد والإمكانات والكميات الموجودة في الواقع. وإذا قرّبنا الصورة بمثال بناء البيت، فإن المقادير هي الأرض، والطابوق، والأسمنت، وسائر المواد التي يتكون منها البناء. أما التقادير فهي الخطة، والخريطة، والتصميم، والتصور السابق الذي يحدد كيف سيُبنى هذا البيت، وما مساحته، وما شكل توزيعه، وما مقداره المالي، وهل يتناسب مع قدرة الإنسان وإمكاناته أم لا. وأما التدابير فهي الإدارة العملية للتنفيذ، كأن يكون هناك مهندس جيد أو مقاول أمين، أو متابعة واعية، أو إشراف منضبط، يترجم الخطة إلى واقع صحيح وسليم.

وبعبارة أوجز: المقادير هي الكميات والإمكانات، والتقادير هي التخطيط، والتدابير هي الإدارة.

وهذه الثلاثية إذا اجتمعت على نحو صحيح أنتجت تدبيرًا حسنًا للمعيشة، وإذا اختلت اختل معها بناء الحياة. وهذا ما يجعل إدارة المعيشة أمرًا مركزيًا، لا هامشيًا. 

إدارة المعيشة واستقامة التوازن

ولذلك ورد في الحديث عن الراوي: (سمعت رجلا يقول لابي عبد الله (الصادق) (عليه السلام): بلغني أن الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لابل هو الكسب كله، ومن الدين التدبير في المعيشة)(3).

وهذه العبارة في غاية العمق؛ لأنها تكشف أن التدبير في المعيشة ليس مجرد مهارة نافعة، بل هو من الدين. أي أنه جزء من البنية الدينية التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وتعينه على الثبات، وتمنحه إمكان العيش الكريم والمتوازن. فحين ينجح الإنسان في تدبير معيشته، فهو لا ينجح فقط في الشأن المالي، بل ينجح في ترسيخ الإيمان، وفي تحقيق الصلاح، وفي تثبيت الاستقامة العملية في حياته.

لذا يُعدّ حسن التقدير في المعيشة أسلوب حياة يقوم على الاقتصاد والوسطية في الصرف، وهو عكس نمط البذخ والإسراف. وهو التخطيط وإدارة التوازن في أسلوب المعيشة ويكون بشكل أخص في الإدارة المالية وبناء الموازنة المالية بالاعتدال في الانفاق بين الاسراف والتقتير.

وهذا المعنى تؤكده الآية الكريمة:

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)الفرقان/67.

فهؤلاء الذين وصفهم القرآن بأنهم عباد الرحمن، وأنهم أهل الإيمان والصلاح، لم يُمدَحوا لأنهم ينفقون فقط، بل مُدحوا لأنهم ينفقون على أساس من الاعتدال. فلا هم أهل إسراف، ولا هم أهل تقتير، بل حياتهم قائمة على القوام. والقوام هنا ليس مجرد حد وسط شكلي، بل هو الأساس الذي يقوم عليه الشيء، والعماد الذي يستند إليه، والبنية التحتية التي تحفظ التوازن.

ومن هنا نفهم أن سلامة البنية التحتية الفكرية والقيمية في الإنسان تنعكس مباشرة على وضعه المعيشي. فالإنسان الذي يمتلك تصورات سليمة عن المال والحاجة والإنفاق والاعتدال، يكون في بر الأمان. أما من يفقد هذه البنية، فإنه قد يصل إلى منتصف الشهر وقد استنزف دخله، أو يقع في ضيق مستمر، أو يعيش حالة من التخبط لا يعرف معها كيف ينظم حياته.

وعن الامام علي (عليه السلام): (ترك التقدير في المعيشة يورث الفقر)(4).

فطرة القناعة والعيش بالكفاف

لكن في مقابل هذا كله، يبرز تساؤل واقعي جدًا: هناك أناس يعيشون على الفطرة، ويقول أحدهم: أنا أستلم مبلغًا قليلًا، ومع ذلك أعيش ببركة الله، بينما غيري يستلم أضعاف هذا المبلغ، لكنه لا يجد فيه بركة. فهل هذا مجرد أمر غيبي؟ أم أن هناك تفسيرًا عمليًا وفكريًا؟

الجواب أن هذه الفطرة التي يُشار إليها هنا هي فطرة القناعة. فالقناعة تجعل الإنسان يعيش على الكفاف، أي على قدر حاجته، فلا يفتح على نفسه أبواب الإنفاق غير الضروري، ولا يُدخل نفسه في صراعات معيشية أكبر من قدرته. لكن مع ذلك، فإن القناعة الفطرية وحدها لا تكفي دائمًا إذا لم يصحبها وعي وثقافة في كيفية العيش السليم. فالإنسان لا يُراد له أن يبقى عند حد البقاء البسيط فقط، بل المطلوب أن يتطور، وأن يحسن إدارة نفسه، وأن يسعى إلى تحسين واقعه ضمن حدود الحكمة والتوازن.

ومن هنا فإن تدبير المعيشة لا يعني تثبيت الإنسان في فقره، ولا يعني الرضا بالحرمان، ولا يعني البقاء على حال متدنٍ من الحياة، وإنما يعني أن يُدار الواقع الموجود بطريقة تمكّن الإنسان من تأمين حاجاته الأساسية، والارتقاء التدريجي بحياته، والوصول إلى حالة من التوازن والاستقرار والنمو.

في معنى مفهوم الاقتصاد

ولذلك يمكن أن نقول إن قاعدة تدبير المعيشة هي قاعدة مضمونة النتائج. ولهذا ورد عن الامام الصادق (عليه السلام): (ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر)(5).

والاقتصاد هنا لا يعني التقشف، ولا الحرمان، ولا التضييق المرضي على النفس والأهل، وإنما يعني الاعتدال. ومعنى القصد في أصله هو الاعتدال، والاقتصاد هو أن لا يسرف الإنسان ولا يقتر، بل يثبت في حالة توازن تحفظ له دينه ونفسه وأسرته وراحته. وهذا ما تعبر عن الآية القرآنية: 

(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) الإسراء/29.

وهنا يبرز دور القيم التي تحكم أسلوب الحياة. ومن أهم هذه القيم: الاعتدال، والقناعة، والزهد، والكفاف. وهذه المفاهيم وإن بدت متقاربة، إلا أن بينها فروقًا دقيقة. فالزهد سلوك وممارسة، والكفاف ضبط للحاجة، والاعتدال ميزان عام، أما القناعة فهي مرتبة عليا تستقر في النفس بوصفها رؤية وفكرة وعقيدة، تجعل الإنسان يتعامل مع الدنيا بهدوء واتزان، من دون شراهة ولا اضطراب ولا مقارنات مستنزفة.

وقد ورد في تفسير الحياة الطيبة الواردة في الآية أنها القناعة. لكن ينبغي هنا أن يُفهم هذا التفسير على وجهه الصحيح. 

وَقَالَ الامام علي (عليه السلام): (كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً وَسُئِلَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً فَقَالَ هِيَ الْقَنَاعَةُ)(6).

فالقناعة لا تعني أن يرضى الإنسان بأن يبقى فقيرًا أو مهمشًا أو عاجزًا، ولا تعني أن يرضى بالحرمان ونقص الضروريات، بل تعني أن يمتلك رؤية صحيحة في الحياة، وأن يعرف ما يحتاج إليه فعلًا، وأن لا يتحول إلى عبد للرغبات المفتوحة، أو لسباق المظاهر، أو للقلق الناتج عن المقارنة الدائمة بالآخرين.

فالقناعة الحقيقية تعني أن يصرف الإنسان على نفسه وأهله ما يحتاجونه حقًا، من غير بخل ولا إسراف، ومن غير فوضى مالية. أما إذا تحولت الحياة إلى ديون متراكمة، ومشكلات مالية مزمنة، وعجز متواصل عن الخروج من الأزمات، فهذه ليست حياة قناعة، بل حياة سوء تدبير.

اختلال التوازن بين الإمكانات والتخطيط

ومن هنا نصل إلى سؤال آخر: لماذا صار تدبير المعيشة اليوم أصعب، رغم أن كل شيء حولنا قد تطور واصبحت الأمور اكثر سهولة؟

إن الجواب العميق عن هذا السؤال يكمن في اختلال التوازن بين المقادير والتقادير والتدابير. فحين تغلب المقادير على التقادير، أو تختل العلاقة بين الإمكانات والتخطيط، تظهر الآفة في التدبير. وهنا نفهم قول الإمام علي عليه السلام في هذا السياق: (يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ).

فالخلل في التقدير ينتج خللًا في التدبير. أي أن المشكلة ليست دائمًا في قلة الإمكانات، بل قد تكون في سوء التخطيط، أو في غياب الترتيب، أو في فقدان الحكمة العملية.

وهذا كله يرتبط بنظام الأسباب والمسببات. فالقرآن الكريم حين يقول:

﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا﴾

فإن هذه المعيشة الضنك ليست مجرد حالة روحية مجردة، بل لها تجليات عملية ونفسية ومعيشية. فالإنسان إذا خرج عن نظام الحكمة، وعن نظام الأسباب والمسببات، وعن التدبير الصحيح، وعن الإدارة المتوازنة، دخل في الضيق، والضنك، والاختناق النفسي، حتى لو كان يمتلك في الظاهر بعض الإمكانات. فما هي الأسباب في هذا التعقيد رغم سهولة الحياة؟

 غياب تحديد الأولويات

عدم التمييز الواضح بين الحاجات الأساسية (كالمأكل والمسكن) والحاجات الثانوية أو الكمالية، مما يؤدي إلى صرف المال على غير الضروري وترك الأساسيات.

فالإنسان الذي يدير حياته بشكل جيد تكون حياته أسهل، وأهدأ، وأطيب. لكن العقدة الكبرى التي تواجه كثيرًا من الناس اليوم هي غياب تحديد الأولويات. وهذه نقطة محورية جدًا. فالبعض يعمل ثلاث وظائف في اليوم، ويستهلك معظم عمره وراحته وعلاقاته وطاقته، لا لأنه عاجز فقط عن توفير الضروريات، بل لأن أولوياته مختلة، ولأن كثيرًا مما يسعى إليه ليس من الحاجات الأساسية، بل من الحاجات الثانوية أو الكمالية.

فالأولوية هنا لا تعني مجرد ترتيب البنود على ورقة، بل تعني فهم الحاجات فهمًا صحيحًا، والتمييز بين ما هو ضروري وما هو تكميلي، وبين ما هو نافع فعلًا وما هو مجرد ضغط اجتماعي أو وهم طبقي أو استجابة عاطفية غير مدروسة. فحين يفتقر الإنسان إلى هذا الفهم، يُدخل نفسه في التزامات أكبر من طاقته، ويضطر إلى وظائف إضافية، وإلى استنزاف بدني ونفسي، من أجل تغطية عجز لم يكن ليقع فيه أصلًا لو أن أولوياته كانت مرتبة بوعي.

ومن أمثلة ذلك: الإصرار على شراء سيارة باهظة جدًا من غير حاجة حقيقية، أو الإصرار على نمط معيشي مرتفع لا يتناسب مع الدخل، أو إدخال الأولاد في مدارس خاصة ذات تكاليف مرهقة، مع عدم وجود قدرة مالية فعلية على تحمل ذلك. فهنا لا تعود القضية قضية تعليم فقط، أو قضية رفاهية فقط، بل تتحول إلى قضية اختلال في الميزانية، وخلل في التوازن، وضغط نفسي متراكم.

فعندما يسجل الأب أبناءه في مدرسة أهلية بأقساط سنوية عالية، ويدفع إلى جانب ذلك تكاليف النقل، واللباس، والمستلزمات، وسائر النفقات المرتبطة بهذا الخيار، وهو لا يمتلك القدرة الواقعية على تحمل هذه التكاليف، فإن النتيجة لا تكون مجرد عبء مالي، بل تكون أزمة شاملة: قلق، وديون، وتوتر، وانشغال دائم بالمستقبل، وربما عجز عن الاستمرار، فيضطر لاحقًا إلى سحب بعض أبنائه، أو الاستدانة، أو الانكسار النفسي والاجتماعي.

ومن هنا ينبغي التمييز بين وجود المشكلة في البيئة وبين وجود الخلل في التدبير. نعم، لا شك أن البيئة العامة قد تكون ضاغطة، وأن تراجع بعض الخدمات الأساسية ــ كالتعليم الحكومي مثلًا ــ يدفع الناس دفعًا نحو خيارات أكثر كلفة. لكن مع الإقرار بهذا الواقع، يبقى على الإنسان أن يوازن بين ما يريده وبين ما يستطيع تحمله، وأن لا يحمّل نفسه وأسرته من الأعباء ما يدمّر استقراره النفسي والعائلي.

فالخسارة هنا ليست مالية فقط، بل نفسية وتربوية واجتماعية أيضًا. لأن الأب الذي يعمل باستمرار لتغطية هذا العجز يفقد قدرته على التواصل مع أسرته، وتفقد الأسرة توازنها الداخلي، ويتحول التعب المالي إلى توتر في العلاقة بين الزوجين، وقد ينعكس ذلك على الأبناء أنفسهم. وهنا نصل إلى مفارقة مؤلمة: بعض الناس يقولون إنهم يفعلون هذا كله من أجل سعادة أطفالهم، ولكنهم في الواقع قد يفقدون أهم ما يحتاجه الأطفال، وهو الدفء العائلي، والتواصل، والاستقرار النفسي داخل البيت.

الكمال بالنمو البطيء وانضباط الرغبات

ومن هنا تظهر الحاجة إلى مفهوم بالغ العمق، وهو أن النمو الإنساني الصحيح ليس طفرة، بل تدرج. وقد عبّرت الرواية عن هذا المعنى حين جعلت ذلك من عناصر كمال الإنسان، فعن الامام علي (عليه السلام): (ثلاث بهن يكمل المسلم: التفقه في الدين، والتقدير في المعيشة، والصبر على النوائب)(7).

 فهذه الثلاثية تكشف أن الحياة لا تُبنى بالاستعجال، ولا بالقفز غير المدروس، ولا بمطاردة الطفرات المالية الوهمية، بل تُبنى بالتدرج، والصبر، والاستقامة، وتراكم الخطوات الصغيرة الصحيحة.

فكثير من الناس اليوم يعيشون تحت ضغط ما يمكن تسميته ثقافة الطفرة المالية. يريد الإنسان في بدايات حياته أن يمتلك فورًا سيارة فارهة، وبيتًا واسعًا، ومستوى عيش راق من العيش، وصورة اجتماعية براقة، وكل ذلك دفعة واحدة، وفي زمن قصير. لكن هذا الاستعجال مدمر؛ لأنه ينفصل عن النمو الطبيعي، ويصطدم بالواقع، ويجعل الإنسان يعيش فوق طاقته، فيقع في الاستنزاف، أو في القروض، أو في اللهاث المستمر وراء التغطية المالية.

والحقيقة أن الثمار لا تُقطف قبل نضجها. والنمو الحقيقي هو النمو البطيء، المستقر، المنتج. فإذا كان دخل الإنسان مليونًا مثلًا، فعليه أن يبني حياته ضمن هذا السقف، لا أن ينفق كمن يملك أضعافه. وعليه أن يرتب ميزانيته بوعي: كم يصرف على الطعام، وكم على السكن، وكم على تعليم الأبناء، وكم على الصحة، وكم يدخر للمستقبل، وكيف يضبط استهلاكه اليومي.

وفي هذا السياق تظهر أهمية الانضباط العملي. فالإنسان يحتاج إلى موازنة منضبطة، واضحة، يلتزم بها، ولا يجعل سلوكه الاستهلاكي رهينة للحظات العاطفية، أو للإغراءات التسويقية، أو لضغط وسائل التواصل الاجتماعي، أو للعادات غير الواعية. فمن الأمور البسيطة ذات الأثر الكبير مثلًا أن لا يذهب إلى السوق أو السوبرماركت وهو جائع؛ لأن هذا يضاعف الشراء غير الضروري. وكذلك لا ينبغي أن يكون استهلاكه محكومًا بما يراه في الإعلانات أو في الصور البراقة التي تقدمها شبكات التواصل الاجتماعي، لأن كثيرًا من الاختلال المعيشي الحديث مصدره الإغراء لا الحاجة.

فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في الحاجات الأساسية، بل في اختلال القناعات الذاتية، وفي الرغبة في اقتناء ما هو أجمل وأعلى وأفخم، أو في تكرار الذهاب إلى المطاعم والمقاهي ونمط الاستهلاك الخارجي المكلف، مع أن البدائل المنزلية أو الأبسط تؤدي الغرض بكلفة أقل بكثير. وهنا يتبين أن جزءًا كبيرًا من العجز المالي في الأسر إنما ينشأ من ثقافة استهلاك غير منضبطة لا من الحاجة الحقيقية.

بساطة العيش وجحيم المقارنة

وهذا يقودنا إلى القول إن الحياة الطيبة ليست هي الحياة المادية المترفة، وإنما هي الحياة البسيطة المتوازنة. فالإنسان الذي يعيش في الديون، ويعمل ساعات طويلة جدًا، ويعود إلى بيته محطمًا نفسيًا ومرهقًا جسديًا، ليس صاحب حياة طيبة، حتى لو كانت بعض مظاهر الرفاه تحيط به. بينما قد يكون من هو أقل دخلًا أطيب عيشًا، لأنه أقل قلقًا، وأهدأ نفسًا، وأكثر قناعة، وأقرب إلى التوازن.

ومن أخطر ما يفسد هذا التوازن الخوف من المستقبل، والمقارنة بالآخرين. فالإنسان حين يقيس نفسه دائمًا بغيره، ويجعل معيار الرضا هو ما عند الناس لا ما يحتاجه هو، يدخل في دوامة لا تنتهي. ولهذا ينبغي أن يُبنى الوعي المعيشي على أساس أن التقدم لا يتحقق بالمقارنة، بل بالعمل الصالح المتقن، والخطة، والتدرج، وحسن التدبير.

بل إن هذا المبدأ ينبغي أن يظل حاضرًا حتى عند من يملك المال. فالإنسان الغني أيضًا يحتاج إلى الكفاف، لا بمعنى الحرمان، بل بمعنى أن يأكل بقدر حاجته، وينفق بقدر حاجته، ولا يحوّل قدرته المالية إلى فوضى استهلاكية تضر بدنه ونفسه وأسرته. فالإفراط في الطعام، وفي المطاعم، وفي الحلويات، وفي الشراء غير الضروري، وفي البيوت المبالغ في حجمها، وفي الأثاث الزائد، كل ذلك ليس علامة صحة، بل قد يكون علامة اختلال، بل وإفساد للحياة.

كلف الإنفاق غير المنضبط

وهنا يلتقي البعد المالي بالبعد الصحي. فالإسراف في الطعام مثلًا لا يرهق الميزانية فقط، بل يرهق الجسد كذلك، وينتج أمراضًا متعددة، من السكري إلى السمنة، إلى الكوليسترول، إلى الضغط، إلى أمراض القلب. وعندها يدفع الإنسان كلفة مضاعفة: كلفة الإنفاق غير المنضبط، وكلفة العلاج الناتج عنه. ومن هنا يصبح الكفاف مبدأً ماليًا وصحيًا وأخلاقيًا في آن واحد.

ثم إن هذا المعنى يتسع ليشمل تفاصيل أخرى من الحياة، كالسكن مثلًا. فالإنسان قد تكفيه دار متوسطة مناسبة لحاجته، لكنه يندفع نحو بيت أكبر بكثير من حاجته الفعلية، لا لضرورة، بل بدافع الصورة أو المظهر. وعندها لا تكون المشكلة في الشراء وحده، بل في ما يتبعه من أثاث، وصيانة، وتنظيف، وتكاليف تشغيلية مستمرة، فيتحول ما كان يُظن رفاهًا إلى عبء دائم.

وعند هذا المستوى نصل إلى سؤال عملي بالغ الأهمية: كيف يمكن للأسرة أن تدير دخلها الشهري من دون أن تصل إلى حافة العجز أو الهاوية؟

هل هناك رغبات مشروعة؟

إن الجواب يبدأ من الانضباط والالتزام بالحاجات الأولية، ومن وضع ميزانية واضحة. وقد تُطرح في هذا السياق بعض القواعد المالية المعروفة، مثل قاعدة 50 - 30 - 20، أي تخصيص نسبة للنفقات الأساسية، ونسبة للرغبات، ونسبة للادخار. لكن الإشكال هنا ليس في المبدأ العددي فقط، بل في طبيعة فهمنا لكلمة الرغبات. لأن الرغبات إذا تُركت بلا ضابط صارت بابًا مفتوحًا لا ينتهي. فالإنسان قد يبرر كل نزوة بأنها رغبة مشروعة، وكل شهوة بأنها ترفيه، وكل استهلاك زائد بأنه تحسين لنمط الحياة.

ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء الرغبات، بل تهذيبها، وإعادة تعريفها، بحيث تتحول إلى رغبات هادفة، لا إلى شهوانيات استهلاكية مفتوحة. فالترويح عن النفس مثلًا قد يكون مطلوبًا، لكن ليس بالضرورة أن يكون في أعلى صور الاستهلاك. يمكن أن يكون في سياق معنوي، أو عائلي، أو تربوي، أو بسيط، من دون أن يتحول إلى مصدر استنزاف.

ثم إن من أهم أسس إدارة الدخل أن يكون هناك ادخار للمستقبل، ولو بنسبة محدودة. لأن الادخار ليس ترفًا، بل هو جزء من الأمان المعيشي، ومن الاستعداد للحاجات المستقبلية، ومن بناء القدرة على التطوير التدريجي للحياة، سواء في السكن، أو التعليم، أو الصحة، أو الاستثمار.

تعديل الأفكار اولا

غير أن كل هذا لن يتحقق ما لم يسبقه تعديل في الأفكار. فالإنسان يحتاج إلى إعادة برمجة رؤيته للحياة: هل القيمة في الراحة النفسية والتوازن، أم في اللهاث خلف الكماليات؟ هل الأهم أن يعيش ضمن إمكاناته بكرامة، أم أن يتكلف ما لا يطيق من أجل صورة اجتماعية مؤقتة؟ هذا التحول الفكري ضروري جدًا، لأنه هو الذي يسبق السلوك، ويضبط الرغبة، ويؤسس لحسن القرار.

ومن هنا تأتي أهمية المرونة واحتواء الضغوط. فالأسرة تعيش في وسط ضاغط: ضغوط من المجتمع، من الأقارب، من الجيران، من الزوجة أحيانًا، من الأبناء أحيانًا، من الثقافة السائدة، من المظاهر، من المقارنات. فإذا لم يمتلك الإنسان مرونة داخلية، وقدرة على احتواء هذه الضغوط، فإنه يخضع لها، ثم يدفع الثمن، وربما نقل توتره وضغطه إلى الآخرين، فظلمهم أو قسا عليهم أو دخل في سلوكيات خاطئة.

ولهذا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْراً رَزَقَهُمُ الرِّفْقَ فِي الْمَعِيشَةِ)(8).

وعن الامام الصادق (عليه السلام): (أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ أُعْطُوا حَظَّهُمْ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ وَالرِّفْقُ فِي تَقْدِيرِ الْمَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنَ السَّعَةِ فِي الْمَالِ وَالرِّفْقُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ وَالتَّبْذِيرُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْ‏ءٌ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ)(9).

فالرفق في المعيشة يعني السماحة، والمرونة، واللين، وعدم الاستجابة القهرية للضغوط، والقدرة على العيش خارج التوقعات المبالغ فيها. وهو خلق يحفظ الإنسان من التهالك، ويحفظ الأسرة من التفكك، ويمنح البيت فرصة العيش الهادئ والرفاهية الحقيقية.

ولهذا أيضًا قال الإمام علي (عليه السلام): (كُنْ سَمْحاً وَلَا تَكُنْ مُبَذِّراً وَكُنْ مُقَدِّراً وَلَا تَكُنْ مُقَتِّراً)(10).

فهذه هي المعادلة المتوازنة: سماحة بلا تبذير، وتقدير بلا تقتير.

الكفاف نمط حياة معتدل

ومن أهم النتائج التي يثمرها العيش في إطار الكفاف أنه يولد القناعة. والقناعة، كما جاء في الامام علي (عليه السلام): (الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ)(11)؛ لأنها تحفظ المال من الهدر، وتحفظ النفس من اللهاث، وتحفظ البيت من الاستنزاف. والبيت السعيد، في حقيقته، ليس البيت الأكبر مساحة، ولا الأغلى أثاثًا، بل هو البيت الأخف مؤونة، والأهدأ نفسًا، والأقل قلقًا.

وقد عبّر الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا المعنى بقوله: (قَالَ الْمُؤْمِنُ حَسَنُ الْمَعُونَةِ خَفِيفُ الْمَئُونَةِ جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ)(12).

فخفة المؤونة ليست فقرًا، بل هي مهارة في العيش، وحكمة في ترتيب المتطلبات، وقدرة على أن لا تتحول الحياة إلى تكديس مستمر للأعباء.

أفخاخ التفكير الطبقي

وهنا ينبغي الانتباه أيضًا إلى أفخاخ التفكير الطبقي المزيف مثل (الجم-الماركات). فكثير من الناس يحمّلون أنفسهم ما لا يطيقون لمجرد أن نمطًا معينًا صار علامة وجاهة في أعين الناس: اشتراك في مكان غير ضروري، أو مصروف على صورة اجتماعية لا حاجة لها، أو تقليد غير واعٍ لما يفعله الآخرون. ومعظم هذا ليس من الحاجات، بل من مصائد المقارنة والتمثّل الاجتماعي.

كذلك تبرز هنا مسألة تربية الأطفال على الكفاف. فليس من التربية الصالحة أن يُعطى الطفل كل ما يطلبه، ولا أن ينشأ على أن كل رغبة يجب أن تُستجاب فورًا. لأن هذا يُنتج جيلًا هشًا، ضعيف التحمل، عالي التوقعات، سريع الانكسار أمام الحرمان، قليل الصبر على التأجيل والتدرج. والطفل الذي ينشأ على أن لكل شيء ثمنًا، وأن للحياة حدودًا، وأن ليس كل ما يريده يحصل عليه، يكون أقرب إلى النضج، وأقوى في مواجهة الحياة.

وكذلك لا بد من بناء ثقافة أسرية مشتركة بين الزوج والزوجة. لأن إدارة المعيشة ليست مسؤولية فرد واحد فقط، بل هي ثقافة بيت كامل. فإذا كانت الزوجة تقيس حياتها دومًا بحياة الأخريات، أو تضغط على الزوج لرفع مستوى المعيشة بما يفوق القدرة، فإنها قد تهدم استقرار البيت من حيث لا تشعر. والمطلوب هنا هو التعاون على القناعة، وعلى حسن التدبير، وعلى تنظيم الدخل، وعلى خفض التوقعات غير الواقعية.

هدر الطعام واحترام النعمة

وأخيرًا، تبرز إدارة الطعام بوصفها جزءًا أساسيًا من إدارة المعيشة. فالطعام باب واسع للهدر المالي وللضرر الصحي في الوقت نفسه. وإذا لم توجد ثقافة واعية في هذا الباب، فإن الأسرة تدفع الثمن مرتين: مرة في التكاليف اليومية، ومرة في كلفة المرض والعلاج.

ولهذا كان من هدي أهل البيت (عليهم السلام) تعليم الناس احترام النعمة، وعدم إضاعة الطعام، والطبخ بقدر الحاجة. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (كان أبي إذا رأى شيئاً من الطعام في منزله قد رُمي به، نقّص مِن قُوت أهله مِثلَه، وكان يقول في قول الله عزّ وجلّ: "وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَآذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ")(13).

لا على سبيل البخل، حاشاه، بل على سبيل التربية والتأديب، وتعليم الاعتدال، واحترام النعمة، وعدم تحويل الوفرة إلى إسراف.

وهذه الآية تكشف أن الحياة الصعبة لا تنشأ فقط من قلة الموارد، بل قد تنشأ من كفران النعمة، ومن سوء استعمالها، ومن الإسراف والتبذير، ومن الثقافة الاستهلاكية التي تستهلك الإنسان قبل أن تستهلك المال.

وعليه، فإن إدارة الطعام إدارة صحيحة، وصحية، ومنضبطة، لا تؤدي فقط إلى توفير مالي، بل تؤدي كذلك إلى بناء نمط صحي داخل البيت، وإلى تقليل كثير من النفقات العلاجية، لأن جانبًا واسعًا من الأمراض المعاصرة إنما ينشأ من سوء التغذية، ومن الإفراط، ومن غياب الاعتدال.

وفي المحصلة النهائية، يتبين أن إدارة المعيشة ليست مجرد تنظيم للدخل والمصروف، بل هي مشروع بناء للحياة الطيبة. فهي تبدأ من الفكرة، وتترجم في السلوك، وتنعكس على المال، وتظهر آثارها في الصحة، وفي النفس، وفي الأسرة، وفي التربية، وفي الاستقرار العام. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بأهمية التقدير والتدبير، وبقيمة الاعتدال والقناعة والكفاف، كان أقرب إلى الطمأنينة، وأبعد عن الضنك، وأقدر على أن يحيا حياةً طيبةً بحق.

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

...................................................

(1) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣١٢.

(2) نهج البلاغة، الشريف الرضي، الحكمة رقم: 459.

(3) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٦٧٠.

(4) بحار الأنوار، ج ٦٨، العلامة المجلسي، ص ٣٤٧.

(5) الكافي، ج ٤، الشيخ الكليني، ص ٥٣.

(6) نهج البلاغة، الشريف الرضي، الحكمة رقم: 229.

(7) الخصال، الشيخ الصدوق، ص ١٢٤.

(8) الكافي، ج ٥، الشيخ الكليني، ص ٨٨.

(9) الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ١١٩.

(10) نهج البلاغة، الشريف الرضي، الحكمة رقم: 33.

(11) نهج البلاغة، الشريف الرضي، الحكمة رقم: 57.

(12) بحار الأنوار، ج ٦٤، العلامة المجلسي، ص ٣٦٢.

(13) موسوعة الكلمة، ج ١١، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ١٧٠.

اضف تعليق