ماذا يعني ذلك في حال ساد التشدد على جميع الاصوات وصارت المنافسة بين المتشدد والاكثر تشددا؟ أن ذلك يدل على أن ايران بعد 45 عاما من المسارات المتعرجة والخصومات والصراعات المتتالية، لم تنفتح على مراجعات هادئة وقراءات واقعية للداخل والخارج، بما يخفف من حدة الاحتقانات ويمهد لانفراجات ضرورية...

صباح الجمعة الأول من اذار، كانت الجمهورية الاسلامية على موعد مع الانتخابات الثانية عشرة لمجلس الشورى الاسلامي، والسادسة لمجلس خبراء القيادة، اكثر من ستين مليون ناخب مسجل كان يحق لهم الانتخاب. لكن القلق كان واضحا من مشاركة متدنية هي الاقل في تاريخ الجمهورية منذ 45 عاما، القلق من ضعف المشاركة يفهم منها فقدان النظام السياسي للدعم الشعبي واتساع فجوة عدم الثقة ورفض السياسات الداخلية والخارجية، وهذا ما يشكل تحديا خطيرا ويمس اسس النظام ودعاماته، التي قامت على فكرة الدمج بين الجمهورية والمبادئ والتشريعات الاسلامية، وقد كان طيلة العشرية الاولى من عمر النظام على اهمية المشاركة الشعبية وحق الجمهور في تقرير السياسات، عبر ممثليه الذين تأتي بهم صناديق الاقتراع، وكان هذا الركن الاساس (حضور الجمهور) يمثل جوهر النظرية السياسية والفقهية التي قامت عليها الجمهورية، غير أن تيارا متشددا كان يتجه إلى التثقيف العام، بان هذا الركن المهم ليس ضروريا بقدر ما يكون للفقيه الحاكم من دور اساس في تقرير السياسات.

وتنتسب هذا الفكرة وتيارها إلى الفقيه الراحل محمد تقي مصباح اليزدي ( ت2021)، ولم يعد التحشيد والتعبئة، التي كانت تجري سابقا بكونها حقا وواجبا سياسيا لتقرير مصير السياسات، يشكل هاجسا مهما لدى هذا التيار، الذي دعم سابقا الرئيس الاسبق أحمدي نجاد، ثم سعى بكل الوسائل إلى شطب و(فلترة) ممثلي القوى والتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، ونجح أخيرا في السيطرة على مجلس الشورى وموقع رئاسة الجمهورية بصعود رئيسي، ولم يبق من متسع للقوى التي لا تنسجم مع هذا التيار سوى التحذير من خطر انغلاق النظام على هذه الفئة وحدها وحصر التوجهات وفق رؤاه، غير أن مجلس صيانة الدستور واصل سياسة هندسة الانتخابات واستبعد شخصيات ذات ثقل كبير في بنية السلطة والنظام، كالرئيس حسن روحاني وشخصيات أخرى من تياري الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني والرئيس محمد خاتمي.

استطلاعات الرأي التي سبقت يوم الانتخابات رجحت مشاركة 40 بالمئة من الناخبين، الأمر الذي حذر منه مرشد الجمهورية، السيد علي الخامنئي قائلا: إن (ضعف المشاركة الجماهيرية سيتضرر منه الجميع) في إشارة إلى دعوات بعض الإصلاحيين إلى مقاطعة الانتخابات، تحت وقع الاستبعادات، التي شملت المئات بضمنهم نواب حاليون محسوبون على التيار الأصولي نفسه.

غير أن الانتخابات لم تخل من منافسة حادة بين قوائم التيار الأصولي نفسه، وما يعرف بالمستقلين وكان عدد المرشحين يربو على الخمسة عشر ألفا ومئتين لشغل 290 مقعدا في مجلس الشورى، فيما ترشح 144 مرشحا لشغل 88 مقعدا هم عدد اعضاء مجلس خبراء القيادة، التي ستكون مهمتهم الخطيرة اختيار خليفة للمرشد الحالي.

ما يميز هذه الانتخابات أنها خلت من القوائم البرامجية واقتصرت على الشخصيات والرموز، ما دفع المراقبين في طهران إلى القول بان هذه الانتخابات تتسم بطابع اجتماعي ومناطقي اكثر منها ذات طابع سياسي في المدن الصغيرة والمتوسطة.

اما في المدن الكبرى فان التيار الاصولي انقسم إلى أجنحة وظهرت قوائم مرتبطة بسياسيين أو رجال سلطة سابقين وحاليين مايشي بأن التنافس كان ذا طابع شخصي وفئوي، فرئيس البرلمان المنتهية ولايته محمد باقر قاليباف يقود تحالفا مع الرئيس الاسبق للبرلمان غلام علي حداد عادل وجبهة الصمود (بايداري)، والكثير من شخصيات القائمة من المقربين من اعضاء السلطات الثلاث الحاكمة، باسم مجلس ائتلاف القوى الثورية (شانا).

فيما نزل الرجل القوي، رئيس استخبارات الحرس الثوري (حسين طائب) مع رئيس الحرس السابق والمستشار في مكتب المرشد الجنرال عزيز جعفري والوزير الحالي في حكومة رئيسي مهر بذرباش مع صهر رئيسي مسعود نيلي، وقد سمى هذا التحالف نفسه باسم الأمناء، التحالف الثالث كان يقوده المرشح الرئاسي السابق الجنرال سعيد محمد مسؤول مقر خاتم الأنبياء الاقتصادي مع الخطيب المتشدد رائفي بور في قائمة سميت مصاف، فيما سمح لنائب رئيس البرلمان السابق والاصولي المعتدل -المعروف بانتقاداته اللاذعة - علي مطهري، لقيادة قائمة بأسم صوت الامة، وقد سعى الاخير إلى معاكسة الخطاب الرسمي متحدثا عن المشكلات الجوهرية للنظام وليس عن القضايا الثانوية المثارة من قبيل حجاب النساء وقضايا العفاف التي قال عنها (ليس لدينا مشكلة عفاف)، انما مشكلات اقتصادية وسياسية وثقافية.

يشير انقسام الاصوليين إلى ثلاث قوائم بعدما كانوا صوتا موحدا ضد الاصلاحيين، لا سيما ضد حكومة روحاني محملين اياه مسؤولية التراجع الاقتصادي بعد فشل الصفقة النووية، يشير إلى ان توحدهم كان بسبب وجود منافس قوي سعوا إلى ازاحته من طريقهم.

اما بعد سيطرتهم على مواقع السلطة فان انشقاقاتهم وصراعاتهم لم تعد خافية وقابلة للانكار، بما يعني ان هذه الكتلة ليست صلبة وموحدة كما كان يتصور وان خلافاتهم عميقة وخطيرة، رغم اتفاقهم في الظاهر على مبادئ عامة، ماذا يعني ذلك في حال ساد التشدد على جميع الاصوات وصارت المنافسة بين المتشدد والاكثر تشددا؟ أن ذلك يدل على أن ايران بعد 45 عاما من المسارات المتعرجة والخصومات والصراعات المتتالية، لم تنفتح على مراجعات هادئة وقراءات واقعية للداخل والخارج، بما يخفف من حدة الاحتقانات ويمهد لانفراجات ضرورية.

............................................................................................

* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق