إنسانيات - مجتمع

تغير القيم: العراقي ودولته

منذ العهود الاخيرة للعباسيين ولحين تشكيل الدولة العراقية الحديثة، ظل الاجانب يتمتعون بالكلمة العليا والقرار النهائي والسلطة المطلقة على كل منطقة ما يعرف بوادي الرافدين، مما جعل سكان الوادي ينظرون للدولة على أنها غاصب يجوز اغتصابه وناهب يجوز نهبه ومحتل يجوز مهاجمته.

ويبدو أن هذه الصورة النمطية للدولة الغاصبة أو في أحسن وصف لها (لا تمثل الناس ولا تخدمهم) بقي حياً في الذاكرة والموروث الشعبي حتى صار السارق (الحايف) يوصف بالشجاعة كما يقول علماء الاجتماع، ولأنه لم تتوفر السبل لاختبار شعور المواطن تجاه الدولة قبل 2003 فقد حاولت الفرق البحثية التي أنتمي لها منذ 2004 وضمن أطار مشروع مسح القيم الدولي الذي يشمل حوالي 100 دولة في العالم فحص وتتبع قيم العراقيين تجاه دولتهم.

وأود هنا أعادة التوكيد أن كل الارقام التي ستقرأونها تستند الى استطلاعات رأي وطنية شملت كل العراق وبمختلف الشرائح العمرية والجنسية والتعليمية والوظيفية.. الخ. وان نسبة الخطأ المعياري لكل الارقام تتراوح بين 2-4% أي ان كل رقم تقرأونه يحتمل ان يكون أكثر أو اقل ب 2-4% فقط.

سُأل العراقيون عام 2010 عن مدى تأييدهم لفكرة الحصول على منافع (قطعة أرض، راتب، أمتيازات مادية أو معنوي..الخ) من الدولة دون وجه حق، فأجاب 18% فقط آنذاك بأنهم أنهم يؤيدون ذلك (أما بشدة أو الى حد ما)، في حين رفض 80% ذلك وامتنع 2% عن الإجابة، أما في عام 2020 فقد تضاعفت (تقريبا) نسبة المؤيدين لتصل الى 35% في حين تدنت نسبة الرافضين الى 65%.

هنا قد يقول قائل اننا لا نعيش في مجتمع ملائكي وان الارقام تشير الى ان الاغلبية مازالت رافضة لفكرة الانتفاع غير القانوني من الدولة. أقول هذا صحيح، لكن ما يقلقني هو الاتجاه العام وليس الارقام. بمعنى اننا كمختصين نهتم باتجاهات المنحنى وليس قيمه فقط. فعندما تستخدم نفس المنهجية في القياس وتتضاعف لديك الارقام السلبية فهذا مؤشر واضح على التغيير.

من جهة أخرى فأن هذا السؤال والأسئلة التي تليه تسمى علمياً باسئلة المرغوبية الاجتماعية، وهي تلك الاسئلة التي قد يخجل أو يخاف البعض أن يجيبوا عنها سلباً لأنها قد تجعل الآخرين ينظرون لهم سلباً أو تعرضهم أجاباتهم لمخاطر معينة.

وفي مجتمع محافظ كالمجتمع العراقي فأن مجاهرة أكثر من ثلثه بتأييدهم لفكرة الانتفاع غير المشروع من الدولة يعني أن هناك واقعياً نسبة أكبر من ذلك تؤيد هذه الفكرة وهو مؤشر يجب الوقوف عنده طويلاً من قيل كل المعنيين في الدولة وخارجها.

أما السؤال الثاني المثير الذي تم سؤاله للعراقيين لاختبار علاقتهم بدولتهم بخاصة بعد ان باتت هذه الدولة (ديموقراطية) وحكامها يتم أختيارهم عبر صناديق الاقتراع فهو: هل تعتقد ان التهرب الضريبي (عدم دفع ضرائب للدولة) مبرر أو غير مبرر؟ هذه القيمة -دفع الضرائب للدولة أو عدم التهرب الضريبي- قيمة مهمة جداً في الدول المتقدمة ليس فقط لانها تقيس مصداقية الفرد، ولا أيضاً لان تلك الضرائب هي عصب اقتصاد الدول، بل لانها تؤشر بوضوح مدى سلبية او ايجابية اتجاهات المواطنين نحو دولهم.

فتأدية الضريبة يجب ان لا يمثل التزاماً يحاسب عليه القانون حسب، بل يمثل قيمة أخلاقية ومعيار مجتمعي يحدد شعور المواطن نحو الدولة وابناء مجتمعه عموماً. ففي عام 2010 كان حوالي 17% يبررون التهرب الضريبي، أما في عام 2020 فقد ارتفعت النسبة الى 22%.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق