كما أن الانسان خُلق اجتماعياً، ويأنس الى نظيره في الخلق، فانه يرغب بالنجاح في تحقيق أفضل انواع العلاقات الاجتماعية، فهو يعيش الخوف والرجاء؛ الخوف من الفشل، والرجاء في النجاح، وقد تأكد للعلماء والباحثين أن أحد أهم معايير السعادة والنجاح لدى شعب من الشعوب، هو نجاحهم في إقامة أفضل العلاقات البينية القائمة على القيم والاعراف.

ومن هذه القاعدة نشأت فكرة الذكاء الاجتماعي التي تبلورت مع مرور الزمن، وتطور الثقافات لدى شعوب العالم، وبرزت الحاجة الماسّة الى العلاقات الناجحة وسط تطور سريع في وسائل الانتاج وأنماط العيش، وبشكل عام؛ طغيان الحالة المادية على مجريات الحياة، مما غيّب العامل المعنوي الداعم للعلاقات الاجتماعية الناجحة.

ثم جاءت الطفرة النوعية في تقنية الاتصال الحديث لتقدم فرصة ذهبية لمزيد من النجاح والتقدم في هذه العلاقات، بل وتزيد من شريحة "الأذكياء الاجتماعيين" في فتح ابواب ومساحات أكبر، فاذا كان الفرد بالأمس يعبر عن مشاعره لصديقه عبر رسالة ورقية، او تحصل اللقاءات في البيوت والحدائق والمكتبات واماكن عامة اخرى، فان بوسعه اليوم التحدث والتأثير على الملايين عبر العالم، واذا كان ثمة مؤسسة اعلامية واحدة –حكومية او مستقلة- تصوغ الفكرة والخطاب الاعلامي الى المخاطب، فان الفرد الواحد –ضمن ملايين الافراد- صار بإمكانه صياغة افكار ونشرها لأصدقائه ومعارفه، ثم لتكون هذه الفكرة مثل الحجرة الساقطة في الماء تحدث التموجات والتأثيرات على افكار الآخرين.

وأن يكون لدينا أذكياء اجتماعيين يستدعي عوامل عدّة نذكر بعضها:

1- الايجابية وما تتفرع الى مفردات ومفاهيم محببة الى النفوس مثل؛ الأمل، والشُكر، والرضى، والتفاؤل، والحديث بما لدى الانسان في الحال الحاضر من قدرات وامكانيات وفرص.

2- احترام الرأي الآخر المختلف، والمناقشة الهادئة، والتروّي في اصدار الاحكام على أي شيء مهما كانت حجم الضجّة و"الطشة" قوية وكاسحة.

3- احترام القيم والمبادئ والاعراف التي تشكل أطر كبيرة للعلاقات الاجتماعية الصحيحة بناءً على تجربة حضارية ملموسة، كما هو الحال بالنسبة للحضارة الاسلامية التي قامت على الأخلاق والآداب والسُنن الإلهية، فبزغت بقوة لفترة من الزمن، وأفلت وما تزال.

في فترة ازدهار الحضارة بالقيم الاخلاقية والدينية لم يكن أحد بحاجة الى جهد ذهني وحدّة في الذكاء للنجاح في علاقاته مع الجيران والاصدقاء، فضلاً عن أفراد أسرته، فتلك القيم والاداب كانت بوصلة التعامل والسلوك، أما اليوم –في العصر الحديث-ومع تراجع الالتزامات والتحلل، زادت الحاجة الى الذكاء للبحث عن الطريق الصحيح للوصول الى أفضل النتائج وسط غموض وضباب في المعايير عمن هو الصحيح؟ ومن الخطأ؟ ولذا أكثر العلماء والخبراء في تعريف الذكاء الاجتماعي عادّين إياه بمجموعة من القدرات الذاتية لابد من توفرها مثل؛ "القدرة على فهم وإدراك تصرفات الآخرين"، و"القدرة على قراءة الحالات النفسية والدوافع"، "القدرة على تحقيق اهداف ملائمة في سياقات اجتماعية محدد"، و"القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية".

نحن و"الغوغاء الأذكياء"

تأزم الاوضاع المعيشية، وتعقد المشاكل الاقتصادية والسياسية عقّد العلاقات الاجتماعية اكثر، وجعل التواصل اكثر صعوبة، فتحولت الأولوية للخروج من مأزق الفساد والبطالة والغلاء، والبحث عن "التعيين" بدلاً من البحث عن الصديق المخلص والوفي، والبحث عن سبل تغيير الواقع الفاسد والمزري، بدلاً من ايجاد شبكة من العلاقات الحسنة بين افراد المجتمع، ويبدو الامر مفهوماً ولا يجانب المنطق، كما هو حال الشعوب الجائعة التي تفضل البحث عن الطعام بدلاً من الثورة على الديكتاتورية والمطالبة بالحرية.

وبفضل تقنية الاتصال السريع والمجان، ووجود منصات "التواصل الاجتماعي" يجد الفرد الفرص متاحة أمامه ليس للتعبير عن مشاعره الانسانية لاجتذاب الآخر في مجتمعه، وإنما للتعبير عن المساوئ والاسقاطات التي يعيشها، حتى بات الحديث عن التفاؤل والأمل في هذه المنصات ضرباً من المثالية والخيال، او انه "تغريد خارج السرب"، وعليه لابد من الثورة على الواقع الفاسد "الكترونياً"، ولعل ما جرى من حراك جماهيري فيما يطلق عليه "الربيع العربي" في البلاد العربية يكون اول اختبار عملي لتجربة تواصل الهموم –إن جاز التعبير- بين افراد المجتمع المأزوم، ولتكون المنصّات هذه جسراً الى الشوارع وليحصل ما حصل من انفجار الغضب وكل المشاعر السلبية الكامنة في النفوس، بغض النظر عن النتائج والعواقب.

وقد ذهب باحثون الى وجود تطابق بين مجريات الاحتجاجات الجماهيرية في البلاد العربية، ومنها العراق؛ ونظرية "الغوغاء الاذكياء" للكاتب والناقد الاميركي هوارد رينجولد، وهو عنوان كتاب له: "الغوغاء الاذكياء، الثورة الاجتماعية التالية" والصادر عام 2002، وبالرغم من ايجابية المنطلق لهذه النظرية وأنه يرمي لتوظيف تقنية الاتصال المتطورة لتحقيق مفهوم التعاون الاجتماعي، وأنها تمثل "الاشخاص القادرين على العمل بشكل جماعي حتى لو كانوا لا يعرفون بعضهم البعض.

فهم يمكنهم التعاون بطرق لم يسبق لها مثيل بأستخدام الأجهزة التي تمتلك من القدرات الاتصالية وتقنيات الحوسبة"، بيد أن حجم الاستفادة غير الطبيعية لهذه النظرية في تغييرات عظمى في المنطقة العربية، واستمرارها في العمل حتى اليوم، يدفعنا للاعتقاد بوجود "أمر دُبر بليل"، لاسيما وأن فترة البحث التي تخللتها النظرية وتأليف الكتاب كانت مواكبة للبحث في دهاليز المؤسسات المخابراتية والعسكرية الاميركية عن طريقة الرد على أحداث الحادي عشر من ايلول عام 2001، وقبلها ظهور العمليات العسكرية لتنظيم القاعدة ضد المصالح الاميركية في مناطق من الشرق الاوسط، مما يجعل "تأثيرات تكنولوجيا الغوغاء الذكية مفيدة ومدمرة على حد سواء، ويستخدمها بعض من يتبنونها لدعم الديمقراطية والآخرين لتنسيق الهجمات الإرهابية"، (ورقة بحثية للكاتب والصحافي العراقي رافد عجيل في ندوة علمية بعنوان "وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المجتمع، أقيمت في مبنىى محافظة بغداد عام 2019".

وهذه ليست المرة الاولى التي تحاكي النظريات الاجتماعية الاميركية واقع المجتمعات العربية المأزومة سياسياً واقتصادياً بسبب الديكتوريات الحاكمة طيلة القرن العشرين وبدعم واضح من الغرب وتحديداً الولايات المتحدة، فقبلها ظهرت "الفوضى الخلاقة" الى العلن مع اجتياح القوات الاميركية للعراق وصياغة نظام سياسي (ديمقراطي) جديد، "فعندما يصل المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى المتمثلة في العنف الهائل وإراقة الدماء، وإشاعة أكبر قدر ممكن من الخوف لدى الجماهير، فإنَّه يُصبح من الممكن بناؤه من جديد بهوية جديدة تخدم مصالح الجميع"، وممن بلور هذه النظرية؛ صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية "صراع الحضارات" عندما عبّر عنها بانها "الفجوة التي يشعر المواطن فيها بين ما هو كائن وما ينبغي ان يكون، فتنعكس بضيقها او اتساعها على الاستقرار بشكل او بآخر"، وبما أن هذه النظرية لامست أرض الواقع العراقي قبل انفتاح ابواب "التواصل الاجتماعي" فيمكن عدّها أرضية لتنفيذ النظرية القادمة، فقد تحدث الكاتب متنبئاً عن "الثورة الاجتماعية التالية"، ولتكون لدينا "فوضى ذكية" قادرة على صنع واقع جديد، ليس كما يريده حملة الشهادات الجامعية، او الشريحة الفقيرة، او اصحاب الكفاءات العلمية، بل وعموم المجتمع، بل كما يريده اصحاب المصالح الكبرى في العالم.

وإن مال الحديث نحو "نظرية المؤامرة" فان منطق العقل يدعونا لاستثمار تقنية التواصل الاجتماعي لإنشاء "نظام الاذكياء" في العراق، وفي سائر البلدان العربية على يد الشباب في عموم منصات التواصل الاجتماعي لبلورة افكار جديدة تعالج مختلف ملفات الفساد، ليس السياسي وحسب، بل وحتى الاجتماعي والاقتصادي والقضائي والامني.

حريّ بالاذكياء ان لا يسمحوا للاغبياء بان يكونوا أبطال الساحة –من حيث لا يدرون ربما- من خلال استمرائهم حالة التشاؤم واليأس المطبق، والتنكّر لكل الفرص والقدرات الموجودة في بلد مثل العراق، وايضاً التنكّر لامكانية الشباب على التغيير الواعي والحقيقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3