هل تتخيل بعض الأشخاص لا يتعدون عتبة باب الدار؟، هل يوجد من يتخذ أربعة جدران مراقبين لتصرفاته اليومية، هل لا يزال العالم يعاني من بعض الانعزاليين الذي لا يجيدون الاختلاط بأفراد المجتمع؟

لا تتفاجأ عندما تكون الإجابة بنعم، فالعالم اليوم يشهد تنامي لظاهرة الانطوائية التي تصيب الافراد وعلى اختلاف أعمارهم، لا تقتصر على شريحة دون أخرى او سنن دون آخر، فالأفراد معرضين لمثل هذه الامراض المجتمعية، لاسيما بعد تعقد الأمور وتكوين واقع مربك بسبب الاضطرابات المتعددة وآخرها وباء كورونا.

انتشار الفيروس لم يكن وحده العامل الرئيس لظهور هذه الظاهرة، ذلك لأنها متجذرة في عمق المجتمعات البشرية، ففي اليابان تحديدا يعيش مليون شخص يسمونهم "هيكيكوموري" وراء الأبواب المغلقة ولا يخرجون الى العلن الا بصورة نادرة.

ويطلقون في المجتمع الياباني هذه التسمية على الأشخاص الذين ينسحبون من الممارسات الاجتماعية بشكل كامل، يعتمدون بتخليص يومهم على قضاء ساعات طويلة امام شاشات التلفاز او الهواتف النقالة، وكأنهم تشبثوا بشيء لا يتمكون الخلاص منه.

بعد قراءة السطور السابقة من المحتمل ان يتولد لديك شعور بأن هذه الظاهرة هي من الظواهر اللصيقة بالمجتمع الياباني، في حين ظهرت وبما لا يقبل الشك في مجتمعات أخرى، ففي الفيلم الكوري الذي يحمل عنوان (على قيد الحياة)، نجد الشخصية الرئيسية تتسم بالانعزال، ما يعطي إشارة واضحة ان الظاهرة انتشرت خارج إطار اليابان.

وفي دراسة أجرتها الحكومة اليابانية اتضح ان الأشخاص المصابين بهذه الحالة (هيكيكوموري)، الذي تتراوح أعمارهم ما بين 40 الى 64 عام أكبر من الفئة العمرية التي تنحصر أعمارهم ما بين 15 و39 عام، وهذه النتيجة تؤكد انها لا تقتصر على شريحة دون أخرى.

وساهمت جائحة كورونا بتوفير بيئة خصبة لتناميها، فقد ضاعف اعداد المصابين بها، بسبب حالة الاجبار على المكوث بالمنازل وعدم الاختلاط مع الآخرين حرصا على عدم الإصابة.

البقاء في المنازل أصبح من الخيارات التي قُبلت على مضض، بالنسبة للأشخاص الذين يزاولون حياتهم بصورة اعتيادية، ويشاركون الناس بالأفراح والاحزان وغيرها من النشاطات المنطقية، بينما لا يفضل بعض الأشخاص التكلم مع الآخرين ويفضلون البقاء في أجواء هادئة خالية من الضوضاء والاصوات الصاخبة.

الانطوائية من النتائج الطبيعية التي افرزتها المرحلة السابقة، في ظل تفشي الوباء فقد ذهب الجهات المسؤولة الى إغلاق الأماكن العامة التي عادة ما يحدث فيها نوع من التفاعل الاجتماعي والانصهار بين الأشخاص، من خلال إقامة النشاطات المجتمعية المحفزة على تقوية الاواصر وتوثيق الارتباط.

في الأشهر الماضية أصبح الافراد سكان مواقع التواصل الاجتماعي الاصليون، مبتعدين بدرجة كبيرة عن واقعنا المحسوس، فهم بذلك لم تعد لديهم الحاجة بالتفاعل مع المحيط الخارجي، مفضلين مصاحبة الأجهزة اللوحية التي صارت القرين الروحي لهم.

قلل الوضع الوبائي الضغط على الأشخاص الذين يتسمون بصفة الانعزالية، وصار امرا طبيعيا البقاء لساعات أطول في الدار الى جوار الأجهزة الذكية التي اُستخدمت الانيس الوحيد لمثل هؤلاء الأشخاص الذين يتمتعون بمزاج خاص قد لا ينسجم مع اهتمامات الكثير.

ففي الوقت الذي تقاتل فيه الملاكات الصحية من اجل منع الفيروس من الانتشار، تخرج ظاهرة الانطوائية عن السيطرة، لتضاف الى قائمة التحديات التي تواجه الشعوب كافة، واقتربت من خط الصدام الأول مع العزلة المتنامية التي يعاني منها اشخاص كُثر.

مجتمعاتنا اليوم تضع تصنيف للشخصيات بحسب درجة تفاعلها مع المحيط الذي تعيش فيه، اذ تفرق بين شخصية اجتماعية وأخرى انعزالية، بينما لا يقبل علم النفس هذه التسميات، فيقول إن هنالك شخصية انطوائية وشخصية متفتحة أو انبساطية، وكلاهما سمتان غير متناقضتان، بل يعتبر الشخصية الانطوائية شخصية عادية يشكل أصحابها 30 في المائة من مجموع الناس، ولا تحتاج إلى علاج نفسي.

وبشيء لا يقبل النقاش ان المجتمع لا يزال يقلل من قيمة الأشخاص الانعزاليين ويوصمونهم بالقاب عدة، قد تصل ببعض الأحيان الى الانتقاص من قدرهم ومكانتهم المجتمعية، وتعلق سوزان كين مؤلفة كتاب الهدوء: (قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام)، على الرغم من أن دراسات علم النفس أكدت أن هؤلاء أشخاص عاديون وأن صفة الانطوائية لا تجعل منهم أشخاصا خجولين، كما أن علم النفس أظهر أيضا أن معظم الناس يظهرون درجات مختلفة من الانبساط والانطواء، بحيث يكونون مزيجا من الصفتين، ويمكن أن نطلق عليها الشخصية شبه الانطوائية.

ويذكر عالم النفس السويسري كارل يونغ، "ان كل شخص لديه جانب انطوائي وجانب آخر انبساطي، إلا أنه دائما ما يغلب جانب ما على الجانب الآخر"، واعتبر أن الشخص الانطوائي هو شخص يركز على نشاطه الداخلي بينما يركز الانبساطي على الأشياء الخارجية والمثيرة وعلى العالم من حوله، وهذا ما جعل من الشخصية الانطوائية شخصية غير قابلة نسبيا للاندماج داخل المجتمع الذي لا يقبل إلا الجريئين أصحاب القدرة على الكلام والتأثير والإقناع.

بزمن كورونا وبغيره هنالك حاجة ضرورية للاهتمام بالأشخاص الذين لا يتمكنون من كسر القيود النفسية التي فرضتها عليهم الظروف وجعلتهم يسجنون ذواتهم خلف قضبان الاستسلام، ويمنعونها من رؤية الفضاء الرحب بألوانه وجماله اللامتناهي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3