قد تفيد التجارب الفردية أحياناً‮ ‬مجتمع بأسره،‮ ‬وربما تفيد الباحثين والمهتمين بالشأن الاجتماعي‮ ‬وغيره لدراسة العلاقات الاجتماعية؛ لذا سأسرد تجربتي‮.، في‮ ‬مساء أحد‮ ‬الأيام،‮ ‬وبينما كنت منهمكة بكتابة بحثٍ،‮ ‬سمعتُ‮ ‬طرقاً‮ ‬قوياً‮ ‬على الباب،‮ ‬ففتحته،‮ ‬وإذا بفتاة شابة في‮ ‬مقتبل العمر،‮ ‬أنيقة ترتدي‮ ‬البنطال،‮ ‬برفقتها طفلة وشاب،‮ ‬سألوا عن زوجي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬غير موجوداً‮ ‬في‮ ‬هذا الوقت،‮ ‬ودفعني‮ ‬الفضول لمعرفة سبب بحثهم عنه‮! ‬وبعد أخذ ورد،‮ ‬قالا‮: ‬نحن فريق توعية نقوم بجولات ميدانية لفحص المياه للأهالي‮ ‬لمعرفة مدى صلاحيتها للاستهلاك‮.. ‬وأردف الشاب قائلاً‮: ‬هل أنت صاحبة القرار في‮ ‬البيت؟ فأجبت بثقة‮: ‬نعم‮!‬

فطلبا الدخول لفحص المياه،‮ ‬فاستدركت أنني‮ ‬استخدم مياه القناني‮ ‬المعبأة وتلك الصغيرة بحجم الكأس‮.. ‬فقالا‮: ‬أيضاً‮ ‬نريد فحصها للتأكد من صلاحيتها‮.. ‬فوافقت! دخلت الفتاة معها الطفلة وبقى الشاب في‮ ‬الباب،‮ ‬وبين المسافة بين الباب الخارجي‮ ‬والداخلي‮ ‬راودتني‮ ‬مشاهد خزنتها ذاكرتي‮ ‬من أفلام الجريمة،‮ ‬دخول الغريب للبيت،‮ ‬وخداعه لصاحب البيت،‮ ‬بل خطر لي‮ ‬حجم اللوم الذي‮ ‬سيلقى علي‮ ‬من الأهل لأنني‮ ‬سمحت بدخول‮ ‬غريب،‮ ‬ولرفع سقف معنوياتي‮ ‬حدثت نفسي‮ ‬سرّاً‮: ‬إذا كان هدفهم السرقة،‮ ‬فإنا موظفة في‮ ‬وزارة الثقافة‮!

‬وإذا انتهى اللقاء بالقتل،‮ ‬فالموت به فائدة عظمى،‮ ‬منها الخلاص من اللوم والعتب‮! ‬بعد أن جلست الفتاة طلبت ثلاثة أقداح زجاجية،‮ ‬الأوَّل عبأ من ماء الحنفية‮ (‬الاسالة‮)‬،‮ ‬والثاني‮ ‬من العبوة البلاستكية والقدح الثالث من كأس موجود في‮ ‬صناديق مياه معبأة،‮ ‬أي‮ ‬نوع مختلف عن الثاني‮! ‬واخرجت من حقيبتها جهاز بحجم كفة اليد بها أعمدة أربعة‮: ‬حديدية ونحاسية وربما نوع آخر لا أعرفه‮. ‬وبعد ربطه بالكهرباء وغمس أعمدته بالماء،‮ ‬فار الماء وبدأ لونه‮ ‬يتغير‮.. ‬فطلبت مني‮ ‬الاقتراب لأراه‮.. ‬فجال في‮ ‬خاطري‮ ‬أنني‮ ‬حين اقترابي‮ ‬منها سأضرب على رأسي‮ ‬بهذا الجهاز أو ترش علي‮ ‬مخدراً‮! ‬

فقلت لها واضح من هنا أن شكله تغير‮.. ‬كأس آسن،‮ ‬وكأس اصفر‮.. ‬وكأس رمادي‮!‬ فشرحت لي‮ ‬مخاطر التلوث،‮ ‬وأن المياه التي‮ ‬استخدمها بأنواعها جميعها لا تصلح للاستهلاك البشري‮ ‬وأنها سبب الأمراض وعدم نجاعة الأدوية المستخدمة في‮ ‬حالة المرض‮! ‬فقاطعتها مستفهمة عن مكان عملها‮. ‬فعلمت أنها من شركة أهلية في‮ ‬الحارثية‮.. ‬فازداد فضولي،‮ ‬وسألت أكثر فعلمت أنها من مناطق سكن بعيدة،‮ ‬وانهم كفريق‮ ‬يقومون بجولات في‮ ‬مناطق بغداد لتوعية العوائل من هذه المخاطر،‮ ‬وهي‮ ‬اليوم في‮ ‬منطقتنا لهذا الغرض؛ فرددت في‮ ‬نفسي‮: "‬ما شاء الله‮.. ‬نحن بخير‮"! ‬فرجعت لشرحها قائلة‮: ‬هذا الكأس الذي‮ ‬يحوي‮ ‬طبقة تشبه المياه الآسنة والمستنقعات هي‮ ‬مياه الحنفية،‮ ‬والكأس الذي‮ ‬لونه‮ ‬غامق هو مياه العبوة البلاستيكية؛ لأنه محفوظ في‮ ‬المخازن بدرجة حرارة فوق المقررة ممَّا تسبب في‮ ‬تفاعله مع المياه؛ فلوثه،‮ ‬أما مياه الأقداح الصغيرة فهي‮ ‬معقمة بالأوزن؛ وهي‮ ‬لا تصلح لتعقيم المياه‮.

‬وبدأت الطفلة بالبكاء تريد ماءً،‮ ‬وخجلت أن أقدم المياه لها؛ لأنَّ‮ ‬مياهنا ملوثة،‮ ‬فقالت لها الأم‮: "‬سأعطيك عندما نخرج،‮ ‬موجود في‮ ‬السيارة‮".. ‬تملكتني‮ ‬فكرة الشرب من مياههم أو على الأقل أن أراها!فعادت للشرح،‮ ‬فأوقفتها بهذه الأسئلة‮: ‬وماذا بعد؟ المياه‮ ‬غير صالحة للشرب،‮ ‬ما الذي‮ ‬أفعله‮.. ‬ماذا أشرب؟ أليس من الأفضل الذهاب للحكومة وأخبارهم بذلك؟‮! ‬فقالت‮: ‬يتوجب عليكم ولصحتكم شراء قناني‮ ‬زجاجية التي‮ ‬تكلف الواحدة‮ ‬4‮ ‬آلاف دينار‮!

‬يعني‮ ‬العائلة الصغيرة من شخصين تستهلك‮ ‬8000‮ ‬دينار،‮ ‬فقلت في‮ ‬سرّي‮ ‬ممكن الاقتصاد بشرب الماء،‮ ‬حتى لا‮ ‬يتجاوز المبلغ‮ ‬5000‮ ‬دينار‮ ‬يومياً‮! ‬لكن لحظة ماذا عن العائلة المكونة من ثمانية أشخاص؟‮! ‬فواصلت حديثها سنعرض عليكم توفير هذه المياه بسعر‮ ‬3000‮ ‬دينار بالكمية التي‮ ‬تحتاجوها!حقيقة شعرت بسعادة كبيرة‮.. ‬فصرخت كيف؟‮! ‬فأخرجت من حقيبتها ملف‮ ‬يضم صوراً‮ ‬لجهاز تعقيم المياه‮! ‬ففهمت منها انه بسعر مليون و250‮ ‬الف تقريباً،‮ ‬يباع بالتقسيط للعوائل،‮ ‬والشاب في‮ ‬الخارج من أجل نصبه في‮ ‬البيت حالاً‮.‬

وشعرتً‮ ‬بالحرج وهي‮ ‬تطالبني‮ ‬بسرعة تحديد موقف من شرائه،‮ ‬فطالبت بمهلة للغد،‮ ‬فتعللت هي‮ ‬أن هذه العروض وقتية ولن تدوم للغد،‮ ‬ثمَّ‮ ‬هي‮ ‬لن تكون في‮ ‬هذه البقعة‮ ‬غداَ،‮ ‬كما أن مهندس التنصيب معها الآن وهو بالباب،‮ ‬وفي‮ ‬يوم آخر معناه أنني‮ ‬سأدفع مبلغاً‮ ‬اضافياً‮ ‬للتنصيب‮ ‬يبلغ‮ ‬180‮ ‬دولاراً‮.. ‬فتعذرت بزوجي‮ ‬وعلي‮ ‬أخباره‮.. ‬فقالت متذمرة أنتِ‮ ‬قلتُ‮ ‬أنكِ‮ ‬صاحبة القرار،‮ ‬فاستدركت،‮ ‬نعم أنا صاحبة القرار،‮ ‬لكنه مستشار‮! ‬وأقول الحق أنا اثق بمستشاري،‮ ‬ألا تلاحظين عدد المستشارين عن رئيس الوزراء!خرجت الفتاة بعد وقت ليس بالقصير بخفي‮ ‬حنين،‮ ‬وانا أشفق عليها أن تعمل مندوبة لبيع فلاتر المياه،‮ ‬وتتجول في‮ ‬البيوت والمناطق البعيدة بحثاً‮ ‬عن لقمة العيش‮! ‬وسريعاً‮ ‬انعزلت مع الموبايل اتجول في‮ ‬الفيديوهات بحثاً‮ ‬عن أجهزة لقياس المياه الصالحة للشرب،‮ ‬فعثرت على الجهاز الذي‮ ‬كان بيد الفتاة،‮ ‬واتضح أنه جهاز لتحليل المياه إلى عناصرها وليس لقياس تلوثها‮!‬

وعند تحليل المياه وفصل الأملاح منها سيتغير لونه،‮ ‬وتتكون طبقة مفصولة عن السائل!نعم‮.. ‬كان هذا الجهاز خدعة لإيهام العوائل واستدراجهم لشراء فلاتر من شركاتهم بأسعار مضاعفة‮!‬

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12