كل لبيب لا يخفى عليه ان لأية مرحلة معطياتها التي تفرض عليها انظمة وقيم وعادات ومحددات للعيش يتحدد من خلالها نوع السلوك الانساني او تتحدد من خلالها ملامح الحياة، وكلنا يعلم ان بساط الحياة في تغير مستمر فهو يتحرك من جيل الى جيل حاملا معه عقليات مختلفة وافكار وتوجهات مختلفة ووعي مختلف سواء اكانت هذه التغيرات بناءة ومفيدة للمجتمع ام هدامة وضارة وتحمل اثار سلبية على المجتمع في كافة مرافق الحياة.

التغير الذي يطرأ نتيجة للمعطيات الجديدة يعم كل الفئات المجتمعية وكل الانماط الحياتية من حضر وبدو وريف، فلا يتخاصم عاقلان او يختلف اثنان على ان قيم وعادات واخلاقيات، ومن بين تلك القيم "قيمة البطولة" فنوعية البطل في جيل الثمانينيات لا تشبه نوعية البطل في جيل التسعينات ولا حتى جيل الألفيَّة الجديدة من القرن الواحد والعشرين ومعالم التغيير على مستوى العالم باسره بدت واضحة وجلية ولكن هل يحق لنا ان طرح سؤال وهو في أي صوب يتجه هذا التغيير ؟

ربما تصعب علينا للوهلة الاولى الاجابة على هذا السؤال بشكل مباشر من دون التفكير في دوافعه وماهي المنطلقات والخلفيات التي انطلق منها سيما ان عالمنا يشهد كل يوم طفرات نوعية على صعيد العلوم والتكنلوجيا والتي ادت بدورها الى احداث تغير كبير في المجتمع من حيث السلوك وطرق التفكير وغيرها.

من هذا التغيير الذي حصل والطفرات التي تمثل انعكاسا طبيعيا للتغير ينتج اثرين اثنين : الاول ايجابي فليس لعاقل ان يحاول الغاء مزايا وحسنات هذه التطورات فقد يسرت التكنلوجيا سبل العيش على هذه المعمورة فأصبحت طرق التواصل والاتصال افضل من ذي قبل كما سهلت الطفرات العلمية التي حصلت من امكانية معرفة العالم والتعرف على ثقافات وسلوكيات وطرق عيش الشعوب ببساطة ودونما صعوبات، وبات البطل الجديد ليس الشخص الذي يحمل سلاحا ابيض في جيبه، ويتبختر في المقاهي، انما ذلك الشخص الذي يجيد التلاعب بالالكترونيات، ويغلب هذا وذاك، يكون مميزا بين اقرانه ولا يجاريه احد.

وامدت التطورات الحياة البشرية بأجهزة وتقنيات سهلت التعقيدات التي كانت السمة الغالبة على الكثير الامور التي يحتاجها اي انسان لمواكبة ركب الحياة فعلى سبيل المثال لو كنت من جيل الثمانينات او قبله من الاجيال لم يكن بمقدوري ان اقتني جهاز حاسوب في بيتي يمكنني ان اكتب هذا المقال الذي امامكم في ساعة متأخرة من الليل كما ان فاعل الان، وليس بمقدوري ان اتباع اخبار العالم من هاتف بحجم اليد يرافقني في حلي وترحالي.

كما لم يكن بمقدوري الاتصال بالأستاذ المشرف على كتابة رسالتي في اي وقت اشاء وبكلفة بسيطة اذا ما قورنت بكلفة الذهاب اليه في بيته او مكان عمل الذ يبعد الاف الكيلومترات سيما وان الدراسة اصبحت ليست محددة بحدود بلدك بل اصبح الانسان يبحث عن العلم والمعرفة في كل انحاء هذا العالم المترامي الأطراف، هذا البحث عن المعرفة، واستخدام التكنلوجيا لتحقيق اهداف البحث العلمي، يعد احد مرتكزات التميز بين الشباب، فمن يستطيع ابتكار أساليب جديدة للتواصل مع العالم الخارجي له سطوة ربما تشبه سطوة البطل في الأجيال السابقة.

كل هذه التسهيلات التي منحتنا اياها التكنلوجيا الحديثة لم تخلو من اثر سلبي انعكس على المجتمع وهو الاثر الثاني للتكنلوجيا في حياة الناس، فلسنا مبالغين اذا ما قلنا ان من سلبيتاها التراجع الفكري والثقافي وانهيار القيم والاخلاقيات لمجتمعنا العربي الذي نشهد موت ثقافته سريريا او ربما اصابتها بشلل، ماتت فيها القيم القديمة القائمة على القوة والصلابة، كما لم تزرع فيه القيم الجديدة القائمة على تحقيق الطموحات الفردية والتميز على الاقران.

لم نتمسك بمورثنا القيمي والثقافي بصوره المادية و المعنوية ففي الصورة المادية ضعف لدينا الروابط القائمة بين الجماعات، فلم نرى روابط الاخوة والصداقة والمحبة بالصورة البهية التي عهدت عليه فقلت فرص لقاءات الاصدقاء التي كانت تجمعه لمناقشة قضية معينة او راي او ظاهرة اجتماعية نتيجة للانشغال بأمور التقنيات والتكنلوجيا وغيرها من التغيرات، التي تعني في مجملها تفكيكا للمجتمع.

وعلى الصعيد المعنوي اختلفت الافكار لجيل اليوم عن الاجيال التي سلفت الى حد كبير، فالكثير من الاسس والقواعد الفكرية التي تربت عليها اجيال ما قبل القرن الحادي والعشرين لا تشبه تماماَ ما عليه هذا الجيل فعلى سبيل المثال كان المجتمع يحصن كبير السن ويوقره ولايسمح بالتعدي على شخصيته او كرامته اما الان ترى الكبير يهان من الصغير تحت مبرر (الحرية التي تعني البطولة) معتقدين ان الحرية هي ان تتكلم بما تشاء وتلبس ما تشاء وتعيش كما تشاء دون ان تكترث لمصلحة من حولك والحال ان التصرفات هذه هي اقرب الى (قانون الغاب) منه الى قانون البشرية الذي عرفناه منذ عهود قديمة وعشنا في ضلله حياة كريمة ومحترمة .

في الختام نقول ان لكل زمن قيمه ومنطلقاته ومعتقداته وسلوكياته التي تميزه عما غيره من الأجيال، فالجيل القديم يراك انسانا مثاليا، أي انت بطل اذا التزمت بالعادات ولم تزل عنها قيد شعرة، اما الجيل الجديد، فان بطولته قائمة على هدم الماضي، وبناء أسس جديدة على رمال متحركة لا تبني لبنة أولى حتى تعصف رياح التغيير للانتقال الى مرحلة جديدة، في الجيل الحالي هناك حركة دائمة للقيم، ومن يتحرك اكثر يعد بطلا في نظر اقرانه بغض النظر ان كانت حركته سليمة تدور في فلك القيم الإنسانية، او بعيدة عنها.

....................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0