ما تزال الشاشة الصغيرة بتقديمها لمئات القنوات الفضائية، تشكل تهديداً حقيقياً على سلامة السيرة والسلوك، عندما تعمد بعض القنوات التجارية الى تصدير أشخاص للمشاهد، بشكل مؤثر يثير العواطف ويحرك المشاعر الانسانية، فيتحول هذا الشخص الممثل في أعمال الدراما المتعددة الجنسيات، الى قدوة للمشاهد من حيث لا يريد. وهذا يتم من خلال مشروع ثقافي متكامل يتقدمه كتّاب القصّة ثم السيناريو، فما يتم انتاجه من مسلسلات تركية ومكسيكية تحديداً، يحمل افكاراً خاصة تختفي خلف قصص النزاعات العائلية او العلاقات بين افراد الأسرة الواحدة، او بين رجل وامرأة وهكذا، بحيث تجري الاحداث في سياق انساني ملحوظ، وتتركز هذه الاحداث -على الأغلب- على حالات التمرّد على الاعراف والتقاليد، او المطالبة بالاستقلالية في اتخاذ القرار، لدى الشاب او الشابة او المرأة.

الشباب، مرآة حساسة

بما أن الشباب، من بنين وبنات، يطمحون لارتقاء مدارج التطور، وتكوين شخصيتهما في الأسرة والمجتمع، فانهم يبحثون عن القدوة التي من خلالها يرسمون شخصيتهم، وعندما تشهد بعض مجتمعاتنا – إن لم نقل جميعها- أزمات تربوية، فان شريحة واسعة من الشباب تجد احداث الدراما التي يتابعونها، تنعكس بسهولة وسرعة فائقة في نفوسهم، واحياناً يعدونها تعبيراً عن مشاعرهم وهمومهم، حتى يصل الأمر أن يجعلوها نوعاً من انواع النصيحة للخروج مما هم يعيشونه على ارض الواقع.

لذا – والحال هكذا- يغيب عن الشاب اليافع، الذي ربما يكون بعيداً عن الثقافة الاجتماعية الصحيحة، لن يكون معنياً بالخلفيات الثقافية التي تقف وراء احداث هذا المسلسل او ذاك. فهي تنشر بشكل واضح التحلل الاخلاقي، او تبرر التمرّد على الأبوين، وتسفّه بعض التقاليد والاعراف الاجتماعية على أنها تمثل قيوداً امام حرية الانسان وحقّه في تقرير مصيره بنفسه! كما يتم الإيحاء في حالات كثيرة الى امكانية جمع التناقضات، بما يرفع الإشكال عن إقامة العلاقة الحميمة مع رجل او امرأة متزوجين، واستحسان إطلاق الانسان لغرائزه وتمتعه بما يريد ويحصل عليه، بماله او جماله او مكانته العلمية وغير ذلك.

وبما أن من مميزات مرحلة الشباب، البحث عن كل جديد ومثير، فان مشاهدة ومتابعة قصص الدراما في هذه القناة او تلك، يشكل نافذة جميلة وواسعة يبحث فيها عما يغذي فضوله، او احياناً يحل مشكلته، لذا من الصعب ثني كثير من الشباب عن متابعة هكذا مسلسلات، حتى من هم سنّ متقدم، ينصح أخاه الصغير بعقم تجربته، فان الاخير لا يلمس هذا العقم والعبثية، لانه في الوقت الحاضر ما يراه هو، جديداً بالنسبة اليه ومثير ومشوق.

التدليس في القدوة

وهذا ما تقوم معظم قنوات الدراما، ومن يقفون خلف انتاج هذا النوع من المسلسلات، يمثل نوعاً من التدليس في القدوات للمشاهد. فيتم عرض الشخصية المحورية في القصة، او اكثر من شخصية، على أنها المثال الحسن لمعالجة الازمات والتعامل الصحيح مع الحياة، بغض النظر عن الامور الجانبية، وهذا يكرّس ثقافة "الموضوعية" ويبعد المشاهد عما يسميه البعض بـ "الاحكام المسبقة"، فليس بالضرورة ان تنتهي هذه العلاقة العاطفية بنتائج كارثية – مثلاً- او تكون لهذه الوسيلة او تلك، آثارا سيئة في حاضر ومستقبل الانسان، فيما يتخذها الشخصية (البطل) وسيلة لتحقيق اهدافه، التي ربما تكون في المسلسل ذات طابع انساني وعاطفي، تكسب تضامن المشاهد وتأييده المطلق له.

هذا النمط من الخطاب المرئي، من شأنه ان يترك آثاراً خطيرة على الشريحة الحساسة جداً في المجتمع، ألا وهي الشباب، ويجعله في خندق المواجهة مع كل من يحول دون تحقيقه تلك الشخصية المنشودة التي تابع احداثها. ولعل من أبرز الامثلة على ذلك، ازدياد حالات الطلاق بسبب بعض الاعمال الدراما التي تتضمن قصص عن المشاكل الزوجية او تقدم نمطاً من العلاقات الاجتماعية التي تتقاطع مع الثقافة الاسلامية التي ينتمي اليها المجتمع. فعندما يجد بعض المشاهدين – وليس كلهم- انه تحول الى موجود عائم في سطح الأسرة والمجتمع، فانه لن يجد طريقاً سوى الانفصال، وهو ما يستتبع نتائج معروفة للجميع، ابرزها هدم لكيان أسرة او تعرض عائلة لتفكك في شملها.

هذا التحدّي الخطير يشمل ايضاً شريحة الاطفال، من خلال بعض البرامج الخاصة بهم، حيث تعرض بعض القنوات افلاماً تظهر مواقف خارقة وبطولية لأطفال صغار، تثير الاعجاب، مما يصعب تنبيه المشاهد الصغير على أن ما يراه ويتابعه لا يعدو كونه صورة وهمية لا علاقة لها بالواقع بالمرة. فمجرد استفزاز الانسان بمشاعر الخوف والجُبن، تجعله يعدو خلف الشخصية الشجاعة والمغامرة التي تظفر بكل شيء بواسطة كل شيء.

وهنا تكون النتائج أكثر خطورة، لكن على المدى البعيد. إذ يكون الطفل المواظب على بعض المسلسلات والاعمال المعبئة ثقافياً، خارج حدود المنظومة الثقافية للأسرة، فينشأ كما يريده كاتب السيناريو او كاتب القصة، وليس كما يريد الأبوان. وعندما يتقدم به العمر يكون جاهزاً لتطبيق الانماط السلوكية البعيدة عن الالتزامات الاخلاقية، بل وحتى الانسانية، حيث تتغلب القسوة والعنف والأنانية والانطواء على الذات، على كل الصفات النبيلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
2