التسيّب مفردة تقترب في معناها من الانفلات، أو التملّص من الالتزام وعدم الانصياع لما تفرضه القيم بأنواعها، وقيم العمل تستدعي التزاما شديدا بالانضباط، وكذا الحال بالنسبة للمجالات والمدارات الأخرى، ويعرّف العلماء الانضباط بأنه مجموعة من القواعد السلوكية للحفاظ على النظام والتبعية بين أعضاء مجموعة معينة، والانضباط هو تنسيق الاتجاهات لتطوير المهارات بشكل أسرع، أو إتباع نظام أخلاقي أو سلوكي معين.

ويعد الانضباط هو السمة الأولى التي تقوم عليها حياة الانسان العملية، فبدون هذا الانضباط لا يمكن للمرء ان يحقق أي نجاح يذكر في حياته، والانضباط هو ضبط النفس او السيطرة كما جاء في الأثر الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، وقمع الذات يمثل الخطوة الأولى والاخيرة لتحقيق النجاح في الحياة، لأن التراجع والتهاون والتسويف من سمات الانسان الاساسية، فترك النفس على هواها عمل مريح ومربح على المدى القصير.

وهناك نوع من التقارب بين الانضباط والنظام، فالأخير يقود إلى الأول وكلاهما يسند الآخر لتحصيل مخرجات باهرة، فالنظام في مغزاه العام يشير إلى تعليمات الانضباط المعطاة إلى المنضبط، ويعني أن تكلف شخصا ليسير على سلوك معين من النظام أو الأوامر عادة، لذا فإن عبارة الانضباط تحمل دلالة سلبية وذلك لأن تطبيق النظام يضمن أن التعليمات تُنفذ وغالبا ما تنظم من خلال العقوبة، بيد أن النظام وحده قد يكون قاصرا على إنضاج المخرجات المأمولة.

وقد ثبت عمليا أن الانضباط يُسهم في مضاعفة قدرات الإنسان، وتمكينه من الجودة والإتقان مع ضمان السرعة والدقة في الانجاز، ونظرا لضعف هذه القيمة أو الميزة بين العراقيين بوجه خاص، فإننا نحتاج إلى ترويج الانضباط كعنصر أساس في تمتين البنية الاجتماعية وارتكازها على حزمة قيم تنظّم عمل الفرد والجماعة، وتجعل منهم ذوي أصحاب قدرات هائلة، لا يكرهون الانضباط ولا يتهربون من التزاماتهم.

سماحة الإمام الراحل محمد الحسيني الشيرازي يقول: (إذا كان الانضباط رائد الإنسان القدير في كل شأنه، ازداد قدرة على قدرة، وهو عبارة عن وضع العمل المناسب في المكان المناسب وفي الزمان المناسب، وكذلك بالنسبة إلى وضع الأفراد في أماكنهم، فالشجرة قد تعطي ألف برتقالة إذا كانت في مكان مناسب، بينما لا تعطى حتى مائة في المكان غير المناسب/ المصدر كتاب شروط تقدم الجماعات).

هذه المثال عن الشجرة بالغ الدقة، فكيف لتربة سبخة تمنح النبات الغذاء السليم؟، نفس الشيء يحدث مع البشر، فإذا لم يكن هناك انضباط، لا يمكن أن يكون هناك إنتاج جيد في أي مجال كان، وقد يكون هذا السبب الرئيس الذي جعل من البنية الاجتماعية للعراقيين متدنية ضعيفة تشكو من تخرصات وتشوهات تنعكس على مسارات التدهور التي لا تزال تعصف بهذا المجتمع، وبالنظر لالتحام القسر وبعض الإجبار مع الانضباط فقد يكرهه الإنسان، بالأخص الطفل الذي لا يعي جدوائية الالتزام، وحتى بعض الفئات الأكبر عمرا، فالانضباط كما يتضح من معناه ومهامه يعني أن تكلف شخصا ما ليسير على سلوك معين من النظام أو الأوامر، وفي مجال تنمية الطفل، يشير الانضباط إلى أساليب محاكاة الشخصيات وتدريس سلوك القبول والتحكم الذاتي، ومراقبة السلوك المقبول، وحين ينمو الطفل بمصاحبة هكذا قيم وتدريب سلوكي، فإنه سوف يهضم ضغوط الانضباط، ويعتاده، ويرى فيه (عند الكبر)، وسيلة ضاغطة تدفع به نحو الالتزام، وبالتالي الإنتاج المضمون.

لكن ليس الجميع يهضم معنى ونتائج وتدخلات الانضباط، فهناك شباب عراقيون يتهربون علنا من مسؤولياتهم بسبب ضغوطات الانضباط، وقد يرى بعضهم أن عبارة الانضباط تحمل دلالة سلبية، وذلك لأن تطبيق النظام يضمن أن التعليمات تُنفذ وغالبا ما تنظم من خلال العقوبة، وقد يرى بعضهم انتفاء الحاجة الانضباط بسبب وجود النظام الصارم ولكن هناك ما يطلق عليه العلماء المختصون بـ الانضباط الذاتي، أي ضبط الإنسان لشخصه وعقله ونفسه والتحكم بنتائج أعماله المختلفة.

لذلك يرتبط الانضباط، أو ينبغي ذلك، بخيال مستقبلي حيوي، ومع الخيال تخطيط فكري متأجج بالغ الدقة، من أجل ضمان المخرجات بعد ترشيح المدخلات وزجّها فيما يذهب إليه الفرد أو الجماعة من تحصيل مادي أو سواه، فالانضباط ينبغي أن يقترن برؤية ثاقبة تدرس المفاجآت والنتائج بصورة إستباقية.

فكما قال الإمام السيد محمد الشيرازي: ان (الانضباط لا يأتي إلاّ بعد رؤية مستقبلية وحالية، كي تُعرَف مقادير الأشياء ومواضعها، فهو العمل ضمن فكرة مدروسة بإتقان، بعد أن يفهم القدير بسبب الدراسة المشاكل ويضع الحلول وكيفية رد الفعل لها. المصدر السابق).

ولعل الفرد العراقي يعاني من نقض بيّن، يمكن توصيفه بالعوز الذاتي للضبط، أو للانضباط، فما بين الشخصية العراقية وهذه السمة نوع من الكراهية والتهرب من أي نوع من الالتزام وإن كان وجوده شرطا حاسما من شروط التقدم، وقد عرّف العلماء الانضباط الذاتي كأحد الأنواع الفاعلة في توجيه حركة الإنسان، فهو يشير إلى التدريب الذي يعطيه الشخص لنفسه لإنجاز مهمة معينة، أو لتبني نمط معين من السلوك، حتى ولو واحد من شأنه حقا أن يكون بدلا من القيام بشيء آخر، على سبيل المثال، حرمان النفس من المتعة الباهظة من أجل إنجاز متطلبات أكثر لفعل الخير، وبالتالي، الانضباط الذاتي هو التأكيد على قوة الإرادة على قاعدة المزيد من الرغبات، وعادة ما يُفهم أن يكون مرادفا للسيطرة على النفس، فيكون الانضباط الذاتي إلى حد ما بديلا عن الدافع، عندما يستخدم الشخص سببا واحدا لتحديد أفضل مسار من الأفعال التي تتعارض ورغباته.

من المستحسَن أن لا يتمظهر الانضباط بوسائل الضغط والقسوة وإبداء تحديدات للحرية الفردية، فالإنسان بطبيعته يكره التحديد، في أي صورة يكون، والتوجيه العلمي يذهب إلى أهمية تطبيق أطر الانضباط بأجواء مريحة، لا تنحو إلى القسوة والضغط العشوائي على الذات، حتى لا يكون هنالك أي مبرر للإفلات من جدوى الانضباط، وحين يكون هنالك ضغط على الجسد، سينتقل الضغط نفسه على الريح فيحد من فاعليتها، وطالما عمل الروح والجسد تشاركي، حريّ أن لا يُقهَر الجسد تحت أي مبرر.

الإمام السيد محمد الشيرازي، يقول: (الانضباط يجب أن ينفَّذ في جو مرح، ولا يكون قاسياً، وإلاّ حطم الروح مما يؤدي إلى قلة التقدم، فإن الروح والجسم يشتركان في تقديم الإنتاج المرتقب، فإذا انسحب أحدهما من الميدان لم يقدر الآخر على تحقيق أي شيء/ المصدر السابق).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3