ها هو الأب يلمسُ أخطاءَه بيده، تلك الأخطاء التي ارتكبها بحق ابنه دون أن يحسب لها حسابها المستقبلي، السلطة الأبوية المتنمّرة أعمت بصره وبصيرته، فراح على مدى عمر طويل، يشبع ابنه ضربا، يزجره في كل حين، يصفعه متى شاء من دون سبب يستحق، يصرخ بوجه على مواقف لا تستحق ذلك، زرع الجبن والخوف والتردد والشقاء في أعماق ابنه، فصار ضعيفا بين أقرانه، لا يستطيع رد الكلمة الخاطئة بحقه، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه باليد أو باللسان، فقد حطمتهُ سلطة الأب الرعناء.

اليوم بعد رحلة عمر طويلة يكتشف الأب أخطاءَه، يجلس بالقرب من ابنه شبه المشلول، فجأة تتغير ملامح وجه الابن، جسده يرتجف مثل سعفة في مهب الريح، دمعة ساخنة تهبط من عينه على خده، لسانه ينط خارج فمه متلعثما مستغيثا من ألم مجهول، فشل الأطباء في معرفته، وفشلوا أيضا في معالجته، انكسار الروح لا احد يستطيع معالجته، فحين تنكسر الروح لا يبقى شيء لدى الإنسان يعتز به ولا يمكنه أن يتفاخر بشيء، إنه يفقد القدرة على مجاراة أقرانه، لا يمكنه أن يستمر بحياة كريمة محترمة، إنه يشعر بالضعف والإذلال وضياع الكرامة.

الابن ينام الآن فوق فراش المرض، الصرع ينهش جسده، يجعل شبكة أعصابه تعمل بالضد من بعضها، يضربه الإغماء، وينكمش وجههُ ويداه تعصران بعضهما وأصابعه تشتبك مع بعضها، يتكوّر جسده، ولسانه يخرج من بين شفتيه معلنا بداية رحلة مع المرض اللعين الذي رافقه مبكرا، فعندما تدهمه حالة صراع نفسي داخلي يفقد الرؤية ويشعر أن الغول الذي يربض في أعماقه يتحرك بعنف، يهجم على أحشائه، ويتحكم بأعصابه، ويعطي أوامر متنافرة للأعصاب، فيبدأ الجسد يتصارع مع بعضه في حالة عراق مستمرة دامية، وأكثر ما يسيء للابن رشاش الزبد الذي يخرج من فمه ويسيل على حنكه ورقبته ليعلن أن الصرع بدأ هجمته الجديدة، فيقوم أبوه بوضع قطعة من القماش بين فكيّ فم الابن، حتى يضمن أن الأسنان لا تقطع لسان ابنه، وفي اللحظة التي يدس فيها القماش بين أسنان ابنه العليا والسفلى، تهجم على الأب موجة بكاء، ويبدأ شريط الذاكرة بالدوران ليقدم صورا ومشاهد لا تنسى لرحلة سلطة الأب الطويلة تجاه ابنه الذي فقد بسبب هذه السلطة القدرة على العيش بسلام بين أصحابه، في المدرسة أو العمل أو الحديقة، بل أن الابن لا يشعر بالسلام حتى بين أفراد عائلته، بين أمه وأبيه وأخوته، إنه في الحقيقة ضحية سلطة الأب التي دمرت حياة الابن بسبب سلوك أبوي غير محسوب.

رحلة الذكريات المؤلمة

لم يشفع للأب أنه لم يكن متعلما، وغير عارف بطبيعة الصراع الذي يمكن أن تصنعه التربية الخاطئة في نفوس الأبناء، ولم يكن يعرف أن ممارسة السلطة الأبوية الهوجاء يمكن أن تصيب الأبناء بعلل مؤلمة، وبعضها قد يكون قاتلا، فما فائدة أن يعيش شاب في هذه الحية وهو معتقل الإرادة، لا يمكنه اتخاذ أبسط قرار، خائف، مشتت، متردد، بلا إرادة، لسانه يعجز عن الدفاع عن حقه ونفسه، مثل يده التي تقف مشلولة إزاء أي اعتداء ضده حتى لو بدر من شخص أقل منه قوة أو ضخامة أو حتى في السن، هكذا بات حياة الابن رهن الضعف والانهيار النفسي المتكرر.

يتذكر الأب أن الأمر بدأ مع صعوبة الحياة التي أطبقت بالفقر على العائلة، فقد الأب مصدر رزقه، طارده الفقر والعوز، يخرج من الفجر حتى يسدل الظلام ستاره في بداية الليل، يعود الأب الى البيت منهكا بل محطما، تنتظره الأفواه الجائعة في البيت، تبدأ رحلة التعويض النفسي للأب المتعب في أطفاله، فبدلا من أن يحضن طفله ويضمه الى صدره كي يمتص منه تعب النهار، يبدأ الأب بتفريغ عذابه بضرب الطفل وممارسة سلطة أبوية فوقية مريضة عليه، بدأ الابن يفقد ثقته بأبيه وبنفسه، صار ضعيفا، يهاجمه التعقيد والضعيف في كل يوم جديد، فيما أخذ الفقر يتضخم أكثر، وعقدة التعويض تتضخم لدى الأب الذي لم يكن يفقه أن ما يقوم به ضد ابنه انما يعد هو تدمير لشخصيته، وكيف يمكن لأب متعب فقير غير متعلم أن يدرك خطأ ومخاطر السلطة الأبوية المريضة؟.

يتذكر الأب عندما عاد في آخر النهار، محبطا خاليا من الآمال والأموال معا، فصاحب المعمل البسيط لم يعطه أجره، والسبب أيضا ممارسة سلطة العمل على العمال، إنها السلطات القاسية والخائبة التي تلحق الأذى بالناس، سلطة الأب، سلطة رب العمل، سلطة الحكومة، أنواع من السلطات ما أنزل الله بها من سلطات، كلها تتضافر لتقوم بعملية تحطيم الآخرين، عندما دخل الأب بلا فلوس الى البيت، فرحت الزوجة والأطفال بعودة أبيهم الخالي الوفاض، هرعوا الى أبيهم الغائب عنهم طوال ساعات النهار، تشبثوا به، لكنه هرب منهم الى غرفته الصغيرة، فأحجموا عن اللحاق به إلا الابن الاكبر الذي كان يظن أنه سوف يقلل بعض هموم أبيه، دخل على الأب، وقبل أن يلمس يده أو يلقي التحية عليه صفعه الأب صفعة لا يزال يسمع صفيرها حتى اللحظة كلما استعاد ذلك المشهد في ذاكرته، سقط الابن على الارض وفرّ من قسوة أبيه وسلطته الهائجة، كان يبكي بألم، وأخوته يبكون معه، ضمته الأم الى صدرها، وراحت تحكي له حكاية الأب الذي يخرج من بداية الفجر الى نهاية النهار، وتعيد وتكرر، اعذروا أباكم إنه رجل خُلِقَ للتعب.

لا تظلموا أبناءكم

قد يتصور الأب بأنه متفضّل على أبنائه عندما يقوم برعايتهم المادية والروحية والتربوية والأخلاقية، لكن في حقيقة الأمر هذا واجب وضعه الدين عليه والأعراف والقيم، لذلك مثلما تعب عليك أبواك، وقدما لك كل ما يمكنهما في مجال الرعاية المادية والمعنوية، انتقل هذا الواجب إليك، نعم أنت تستحق التكريم والمكانة العالية، ولكن يبقى تعبك من أجل العائلة واجب تستحق عليه الشكر، لكنه لا يجب أن يكون متبوعا بالمنّ، فالأب له حق الاحترام والطاعة، ولكن ليس له حق ممارسة سلطة الأب الغاشمة.

الأب الذي يقوم بفرض سلطة رعناء على ابنه، فهو في الحقيقة يقوم بتدميره يوما بعد آخر، إن هذه السلطة الأبوية الغاشمة تقوم بتحويل الأب الى إنسان ممسوخ الشخصية، وسوف يبقى ضعيفا طيلة سنوات حياته، والخسارة هنا سوف تعود على الابن والابن معا، لذلك ينبغي على الآباء أن يتنبّهوا الى كيفية القيام بتربية أبنائهم، ولا ينبغي أن تكون السلطة الأبوية عمياء أو بلا حدود، وهي في الحقيقة ينبغي أن لا تكون سلطة، وإنما هي نوع من الرعاية الأبوية الكريمة لا أكثر.

يقول أهل التخصص كلما بذل الأب تربية جيدة متوازنة واثقة مع أبنائه، ينتهي ذلك بصناعة شخصيات واثقة متمكنة من ادارة الحياة بصورة جيدة، لهذا يطالب هؤلاء المتخصصون الآباء بالحد من السلطة الأبوية القاسية، ومن الأفضل أن لا تكون سلطة بقدر كونها إدارة شؤون العائلة بمسؤولية عالية، ولا يصح أن تكون الظروف الصعبة للآباء سببا في تدمير حياة أبنائهم.

في الخلاصة الأب الناجح، هو من يصنع شخصية واثقة قوية متوازنة لإبنه وليس العكس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1