يجب على كل مجتمع ان يتعامل مع امكانية اندلاع العنف، وهذا يتم بطرق مختلفة. الكتاب اعلاه يدمج مشاكل العنف ضمن اطار تاريخي كبير وعلم اجتماعي واسع، هو يبيّن كيف ان السلوك الاقتصادي والسياسي في اي بلد مترابطان بإحكام. معظم المجتمعات التي نسميها دول طبيعية تقيد العنف عبر الاستغلال السياسي للاقتصاد وذلك بربط الافراد المؤثرين في المجتمع بالفرص الاقتصادية والامتيازات الاجتماعية، ومن ثم استخدام تلك الامتيازات للتنسيق بين المنظمات القوية. وفي نفس الوقت، هذه المجتمعات المقيدة للفرص هي غير قادرة على الحفاظ على النمو الاقتصادي بسبب الروابط الوثيقة بين السياسة والاقتصاد: النظم السياسية تستغل الاقتصاد اساسا لحماية النظام بدلا من تعزيز التنمية.

في المجتمعات المفتوحة يتم تقييد العنف بدمج السيطرة على كل من الجيش والشرطة، ومن ثم السيطرة على الدولة عبر المنافسة الاقتصادية والسياسية. هذه المجتمعات

الحديثة تخلق فرصا مفتوحة للمنظمات السياسية والاقتصادية، فتسرّع المنافسة السياسية والاقتصادية.

الكتاب يعرض اطارا لفهم النوعين من النظم الاجتماعية، لماذا المجتمعات ذات النظم المفتوحة هي اكثر تطورا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وكيف تمكنت 25 دولة من إحداث التحول بين هذين النوعين؟ يتسائل المؤلفون لمنْ يُسمح في اي مجتمع بتكوين منظمة تتنافس مع المصالح السياسية والاقتصادية القوية القائمة؟ في عملهم المتميز عام 2009، العنف والانظمة الاجتماعية: اطار مفاهيمي لتفسير التاريخ الانساني المسجل، دكلوس نورث، جون جوزيف والس، باري وينغيست يعطون جوابا مدهشا. هم يقولون اما لا يُسمح تقريبيا لأي شخص بتكوين منظمة تتنافس ضد المصالح القوية القائمة، او يُسمح لكل شخص بتكوين مثل هذه المنظمة. حسب مصطلحات المؤلفين، هناك اما نظام مقيد للفرص limited access order او نظام مفتوح open access order(1)، ولكن لا شيء بين الاثنين.

محتويات الكتاب

مقدمة

1- اطار مفاهيمي

2- الدولة الطبيعية

3- الدولة الطبيعية في التطبيق: قانون الارض الانجليزي

4- الانظمة المفتوحة

5- توضيح الانتقال من الدخول المقيد الى الدخول المفتوح: الشروط المسبقة

6- الانتقال الملائم

7- برنامج بحث جديد للعلوم الاجتماعية

"لكي يمتلك المجتمع نظاما مستقرا يجب عليه التعامل مع احتمال نشوب العنف المنظم".

في النظام المقيد للفرص، والذي يصفه المؤلفون بـ "الدولة الطبيعية"، ترتبط الجماعات التي لديها امكانية للعنف المنظم بإئتلاف (ربما هش) لحكم البلاد. هذا الإئتلاف يستبعد الاخرين من الفعاليات الاقتصادية الرئيسية، محتفظا بالريع او المنافع لأعضائه. اعضاء هذا الإئتلاف، المقتنعين بهذا الريع سوف يتوقفون عن العنف. وبمقدار ما تكون الانظمة المقيدة للدخول فاسدة وفق المستويات الامريكية، فان هذا الفساد يحقق دورا هاما في تزويد اعضائه بالمحفزات ليبقوا في الإئتلاف. المؤلفون يوضحون ذلك بقولهم،

العملية المنهجية لخلق الريع من خلال الدخول المقيد في الدولة الطبيعية هي ليست مجرد طريقة لملء جيوب الإئتلاف المسيطر، انها وسائل ضرورية للسيطرة على العنف... ان تقييد المقدرة على تشكيل منظمات تعاقدية فقط لأعضاء الإئتلاف سيربط مصالح النخب القوية مباشرة ببقاء الإئتلاف، وبهذا سيضمنون تعاون النخب المستمر معه.(ص17)

الشكل الآخر من النظام هو النظام المفتوح، الذي تمثله الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الاخرى. المبادرون الاقتصاديين يُسمح لهم بتحدّي الشركات الراسخة. اما المصلحون السياسيون يمكنهم مقاومة الفساد بدون زعزعة استقرار النظام.

هذا لا يعني ان الانظمة المفتوحة تجعل من السهل للافراد غير المرتبطين بتنظيم الاطاحة بالسلطات الحاكمة. في الماضي شاهدنا افلام كارتون تلفزيونية تبين عدد من القادة المتغطرسين في سيارات للسباق وهم يلقون القناني والزيت خلف سياراتهم لإعاقة السيارات الاخرى. وفي نفس الطراز، الملفت ان جماعات المصالح القائمة سوف تسعى لاستخدام التعليمات واللوائح لكبح المنافسة، مثلما تقوم شركات التاكسي باعاقة خدمات النقل الجماعي للركاب او عندما تحاول نقابات المعلمين تقييد المدارس المستقلة. ولكن على الاقل ان يكون هؤلاء المنافسون اللامعون الجدد قادرون على ايصال سياراتهم الى السباق.

المؤلفون يحذرون من ان الانتقال من نظام الدخول المقيد الى النظام المفتوح يتطلب عدة تغييرات. لابد من تراكم طبقات من المعتقدات الثقافية، والافكار السياسية، والمؤسسات الرسمية قبل إجراء التحول نحو النظام المفتوح. بدون هذه الشروط المسبقة، اي محاولة لإجبار او تشجيع نظام الدخول المقيد على تبنّي بعض ممارسات النظام المفتوح ستقود الى نتائج عكسية من العنف وعدم الاستقرار. الفشل الاخير للديمقراطية في العراق ومصر كان يمكن التنبؤ به باستخدام هذا الاطار للمؤلفين.

ان النظم المفتوحة يُحتمل ان تكون ذات استقرار عالي. كل شخص طموح وقادر على تنظيم الآخرين هو حر في محاولة تحقيق ربح او معالجة مشكلة سياسية. هذا يعطي المواطنين شعورا بالمشاركة في النظام. كذلك، اصناف العقائد والافكار والمؤسسات التي تسبق النظام المفتوح كلها تعزز النظام حالما يتم تأسيسه. فمثلا، الامريكيون ملتزمون ثقافيا بحرية الكلام واحتقار الفساد وطاعة الدستور.

يطرح المؤلفون بعض الادّعاءات حول النظام المفتوح والتي تتعارض مع التفكير التحرري الفعال (القائم على منح الاولوية للافراد وليس للحكومات او للجماعات). اولا، هم يرون بان استقرار النظام المفتوح يتطلب حكومة فعالة وشاملة.

من السمات المكمّلة للنظام المفتوح هي نمو الحكومة. اندماج الجماهير الواسعة من المواطنين سيغري الاستجابة الواسعة لمصالحهم.. الانفاق العام على التعليم والبنية التحتية يستلزمان برامج مكلفة، كما هو الحال في مختلف البرامج التي توفر التامين الاجتماعي بما في ذلك التأمين على البطالة، تأمينات كبار السن، العجز، والتأمين الصحي. الحكومات في الانظمة المفتوحة هي لهذا السبب اكبر من الحكومات في الدول الطبيعية، وافعالها وسياساتها هي اكثر تكاملا مع الاسواق (ص112).

ثانيا، هم يرون ان النظام المفتوح يخلق رقابة داخلية على محاولات البحث عن الريع، او على ما يسميه التحرريون احيانا بـ "رأسمالية الصداقة".(2)

وفق مصطلحات (شمبتر)، يعمل المقاولون السياسيون على ضم عدة منظمات جديدة الى بعضها للمنافسة على الريع وبعملهم هذا، هم يقللون حجم الريع الموجود ويكافحون من اجل خلق ريع جديد.

ورغم ان النظام المفتوح لا يحول دون خلق الريع، لكنه يقيد بدرجة هامة طبيعة الريع الذي يخلق تأثيرات سلبية للمجتمع. خلق الريع الذي يفيد مصالح فئات ضيقة هو ليس مستحيلا، بل هو مجرد اقل احتمالا بالحدوث في المجتمع المفتوح منه الى الدولة الطبيعية. وعكس ذلك، خلق الريع الذي يفيد جماعات كبيرة وشاملة، اي، خلق ريع يعزز الانتاجية بدلا من تقييدها – يُحتمل حدوثه في المجتمع المفتوح اكثر مما هو في الدولة الطبيعية (ص24).

لاحقا يكتب المؤلفون،

ان خلق الريع لا يمكن ان يكون النتاج الرئيسي لمنافسة الحزب في المجتمع المفتوح.. الاحزاب الناجحة في هذه الانظمة هي لهذا السبب تكون كبيرة، فيها منظمات تضم طيفا واسعا من الجماعات والمصالح المختلفة.. بما ان الاحزاب تحتاج للحصول على دعم عدة اطراف، هي يجب ان تضبط مطالب كل حزب في خلق الريع.(ص126).

هم يشيرون الى ان،

الاهتمامات النشطة في اي قضية هي ذات طابع داخلي. عندما تحاول جماعة ما استخلاص الكثير، فان الجماعات الاخرى التي هي عادة ليست نشطة في القضية ستبدأ بتركيز الانتباه وستصبح نشطة، وربما تقوم بتغيير دراماتيكي للقوى السياسية في هذه القضية.. بعض اسواق الانظمة المفتوحة ربما تخلق اتحادات كارتل او تحصل على الحماية، مثل الاسواق الزراعية او اسواق معينة اخرى تُنظّم لإنتاج الريع، مثل الخطوط الجوية في اواسط القرن في الولايات المتحدة. غير ان هذه الاسواق هي استثناء وليست القاعدة العامة.(ص128)

باختصار، المؤلفون يجادلون بان المنافسة السياسية في النظام المفتوح لها احتمال اكبر في ان تقود الدولة لإنتاج خدمات وبضائع عامة بينما في النظم المقيدة يكون التركيز على الاحتفاظ بالريوع الخاصة. ان التحرريين سوف يعارضون هذه الرؤية المتفائلة نسبيا حول الدولة القوية في النظام المفتوح.

التحرريون يجادلون بانه مع توسع الدولة، يصبح النظام المفتوح اشبه بالنظام المقيد في الاختباء حول المظاهر. جماعات النخب والمصالح القوية القائمة تشدد سيطرتها على السلطة السياسية والاقتصادية. في الولايات المتحدة، نجد البنوك الكبيرة واتحادات القطاع العام، والمهن المنظّمة، خاصة في القانون والتعليم العالي والرعاية الصحية، اصبحت هي الإئتلاف الحاكم، بينما الآخرون يجدون انفسهم منزوون خارج الحياة السياسية والاقتصادية. وبينما لا نستطيع القول ان الولايات المتحدة سقطت مرة اخرى في الدولة الطبيعية، لكن من الواضح ان حجم فعاليات خلق الريع هو اكبر وان القوى السياسية المنافسة اضعف مما يقترحه المؤلفون الاربعة.

* كتاب العنف والانظمة الاجتماعية: اطار مفاهيمي لتفسير التاريخ الانساني المسجل للمؤلفين Douglass C. North. John Joseph Wallis, and Barry R. weingast. مطبوعات جامعة كامبردج (2012).

.........................................................................................
الهوامش
(1) للتمييز بين النظامين المقيد والمفتوح نشير الى ان الدول الصناعية المتقدمة الحالية جميعها لديها اقتصادات سوق ذات منافسة مفتوحة، ونظام سياسي ديمقراطي تعددي، واحتكار حكومي مضمون ضد العنف. مثل هذه الانظمة المفتوحة ليست هي العقيدة الوحيدة ولا هي التوازن الوحيد في المجتمع. الدول النامية الحالية ذات الدخل القليل او المتوسط، كما هي جميع دول العالم قبل عام 1800، يمكن فهمها كأنظمة مقيدة للدخول، تحافظ على توازنها بطريقة مختلفة كليا. في الانظمة المقيدة، لا تمتلك الدولة احتكار مضمون ضد العنف، والمجتمع ينظّم نفسه للسيطرة على العنف بين جماعات النخب. السمة المشتركة للانظمة المقيدة هي ان النخب السياسية تقوم بتجزئة السيطرة على الاقتصاد، كل واحدة من النخب تحصل على حصة من الريع. طالما ان انفجار العنف يقلل الريع فان جماعات النخب لديها المحفزات لتكون مسالمة دائما. الاستقرار الكافي للريع ومن ثم للنظام الاجتماعي يتطلب السماح بمنافسة محدودة، ومن هنا ينشأ نظام اجتماعي بمنطق مختلف كليا عن النظام المفتوح.
(2) رأسمالية الصداقة crony capitalism هو مصطلح يصف اقتصادا يتوقف فيه نجاح الشركات على علاقاتها القوية مع مسؤولي الحكومة. ذلك يتم التعبير عنه بالمحاباة في توزيع الرخص القانونية واعانات الحكومة والتسهيلات الضريبية الخاصة والأشكال الاخرى للتدخل الحكومي.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0