يتفنن السلطويون (أصحاب السلطة) منذ بدء هذا النظام السياسي التنظيمي، في كيفية ترويض الجماهير وامتصاص سخطهم ونقمتهم نتيجة للظلم أو القهر أو عدم العدل وطمس الحقوق التي توجبها ممارسة السلطة بطرائق غير صحيحة، تجمع بين الأنانية وحب السلطة من جهة، والثراء على حساب العامة أو الجماهير من جهة أخرى، فجاء التضليل الإعلامي ليكون أحد أهم الوسائل التي يتم فيها قمع الجماهير أو المحكومين ولكن ليس بالقوة أو البطش أو التعذيب.

فقد تطور الوعي السياسي في عموم العالم، وأنشِئت منظمات ومؤسسات حقوقية عالمية ومحلية منها تتمتع باستقلال كبير أو تام، مهمتها مراقبة العلاقة بين السلطة والجماهير في عموما الكيانات السياسية المنفردة (الدول)، ولا يسمح للحكومات أو الحكام بالانفراد بالمحكومين وممارسة بطشهم، لذلك كل السلطويين بحثوا عن أساليب مختلفة لتخفيف حدّة الثورات الجماهيرية وتحييد أو تمييع المطالب المشروعة لها.

ومن أبرز وسائل امتصاص نقمة المحكومين على مدى أبعاد الزمن المتدرجة، القديم، المتوسط، المنظور، الآني، هو لجوء الطبقات الحاكمة ومؤسساتها إلى التضليل، ويكاد أن لا تخلو مرحلة تاريخية من هذا النوع من الأساليب السلطوية لقمع الطرف الآخر المناهض لمصالح السلطويين، وهو أسلوب التضليل الإعلامي.

في كتابه المتلاعبون في العقول يقول هربرت . أ . شيللر، إن تضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية. فالحكام لا يلجأون إلى التضليل الإعلامي – كما يوضح فرير- إلا عندما يبدأ الشعب في الظهور ولو بصورة فجة كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية، أما قبل ذلك فلا وجود للتضليل الإعلامي بالمعنى الدقيق للكلمة، بل نجد بالأحرى قمعا شاملا. إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع.

هذا يعني أن الأنظمة القمعية الدكتاتورية قد لا تحتاج إلى تضليل الجماهير لأنها أساسا لا تخشاها ولا تحسب لها أي حساب، طالما أن تضطهد هؤلاء اضطهادا غير محدود، من دون حسيب أو رقيب من جهة دولية أو إقليمية أو محلية، إنه قانون الغاب الذي يحكم به الدكتاتور شعبه، ويضطهده كما يشاء، فلما يلجأ إلى تضليله؟، هكذا يمكن أن تصل درجة الاستخفاف بالشعب عندما يتجبّر الطاغوت ليصل إلى أقصى درجات العنف والبطش بحيث لا يتعب نفسه بتضليل الناس والضحك على الذقون.

وقد شاء هذا الأسلوب في دول ومناطق أو كيانات جغرافية سياسية عديدة في مراحل مختلفة من التاريخ، فالواقع (أن القمع أي كبت الفرد وإخضاعه كليةً لم يقتصر على أي كيان جغرافي أو سياسي منفرد، فأغلب البشر تعرضوا للقمع، على مر العصور وفي كل أرجاء العالم، من خلال وضع من الإفقار الكامل يطرح نفسه على أنه طبيعة ويكون ذلك صحيحا في حالات قليلة، على أنه لا يعدو في أغلب الحالات أن يكون النتيجة المترتبة على التقسيم الاجتماعي غير المتكافئ، فحتى وقت قريب لم يكن هناك سوى قلة نادرة من البلدان التي شاء لها حظها السعيد أن تجمع بين الموقع الجغرافي وكفاية المصادر الأولية والأسبقية التاريخية المواتية، مما وفر لها وسيلة الافلان من مخاطر الندرة والكوارث الاقتصادية المتكررة. ومع ذلك فقد ظل القمع، حتى في تلك المواقع والكيانات السياسية (الدول) المتميزة نسبيا قدر أغلب الناس حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر).

في الدول العربية والإقليمية تدير السلطة أنظمة لم تعد قادرة على مواصلة القمع وحده كوسيلة للاستئثار بالسلطة ومغانمها وامتيازاتها الكثيرة، بسبب تطور آليات المراقبة الدولية غير الرسمية، لأن الحكومات حتى في العالم الديمقراطي المتطور تمارس الصفقات التجارية والسياسية على حساب حقوق الشعوب، فالمعوَّل هنا على منظمات حقوق الإنسان غير المسيّسة والضغط الإعلامي المضاد للأنظمة الفاسدة، ونتيجة لهذه الضغوط أخذت الأنظمة السلطوية تلجأ إلى تضليل الجماهير كي تمتص نقمتها وسخطها، لكي تضمن تحييدها وتواصل الهيمنة على ثرواتها وحقوقها.

كيف يواجه المحكومون (الجماهير)، هذه الأساليب التضليلية التي تصاعدت وتيرتها على نحو لم يكن معروفا أو معمولا به في السابق من قبل الطبقات السلطوية؟، هذا الجهد المعارض للسلطات القمعية لا يمكن أن ينجح بعيدا عن مقومات مهمة وعديدة يتم اعتمادها في هذا المدار، أولا التسلّح بالوعي بأشكاله وأنواعه المهمة، كالوعي السياسي، الثقافي، الحقوقي، العلمي وسواه، الثاني وعي أساليب الإعلام السلطوي، والفرز بين ما هو واقع فعلي أو مموَّه وهمي مختلق مفبرك وإن كان محبوكا بخبرات إعلامية متمرسة.

من أساليب المواجهة أيضا التنظيم، وهو العنصر الحاسم الذي يشمل تنظيم نشاطات الجماهير المختلفة وجمعها في بوتقة واحدة، وتجميع الطاقات، وخلق قنوات تواصل جماهيرية توحد الكلمة والمطالب والحقوق والأنشطة، حتى لا تتناثر هباءً في حال عدم تنظيمها عبر قيادات نزيهة ومراقبة ومعروفة بوطنيتها، لأن أسلوب ركوب الموجات أطاح بحركات نضالية كثير وهدّم بنيانها وأسقط مشاريعها بسبب قيادات منحرفة، لا تختلف عن الطبقة السلطوية إلا بالموقع وليس بالأفكار أو المبادئ، فالحذر من صعود قيادات غير سليمة يجعل الأهداف محصنة من الخلل والانحراف.

ومن مقومات مواجهة التضليل وبطش السلطة، العمل الإعلامي الجماهيري المضاد، والاستفادة من وسائل الاعلام الحديثة مثل مواقع التواصل الاجتماعي الشوسيال ميديا، لتنظيم المواجهة، وفضح الأساليب السلطوية ووضع الإعلام الحكومي الفاسد تحت المجهر، وهذا يحتاج إلى جهود إعلامية جماهيرية منتظمة، والمقوّم المهم الآخر في هذه المواجهة بين التضليل الإعلامي السلطوي وبين الجماهير عد الركون إلى اليأس، لأن الأساليب الإعلامية السلطوية تضع قضية التيئيس في مقدمة أهدافها، حتى تتراجع الجماهير عن حقوقها، فالانتباه لهذا الشرط (عدم اليأس)، يجعل الإعلام السلطوي مكشوفاً بمآربه وأهدافه المفضوحة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5