بعد أن عرفنا ما هو التغريب وما هي الأهداف التي يلهثُ نحوها مؤسسوه ومروجوه الغربيون، نأتي الآن إلى المواقف التي بدرت من المسلمين والعرب والعالم إزاء هذا التيار الذي سعى مؤسسوه إلى ترويج ونشر النموذج الأمريكي على المستوى العالمي، وقد ركّز مفكرو وقادة وسياسيو هذا التيار على الإسلام والمسلمين، لدرجة أن مخاوفهم من الإسلام جعلتهم يتعاملون معه بمثابة الند الأول والأقوى لهم، فكيف اتخذ المسلمون والعرب مواقفهم تجاه هذا التحدي الفكري الثقافي وما هي مواقفهم الواضحة إزاء ذلك؟.

يقول محمد صادق صبور أن هناك بوادر حضارة بدأت تظهر في حياتنا، بما تحمله من أساليب مستجدة على الحياة الأسرية والتغيرات التي حدثت في طرق العمل والحياة، وبدأ ملايين البشر في تحويل حياتهم وضبطها على الإيقاع الجديد... إيقاع الغد.

وصفها بعض الباحثين بعصر الفضاء، ويصفها آخرون بأنها عصر المعلوماتية أو عصر الإلكترونيات، أو تحوّل العالم إلى قرية كونية كما تنبأ مارشال ماكلوهان، وأسماها بريزينسكي بعصر التقنية، وعالم الاجتماع نيل بال بعصر ما بعد الصناعة، وألفين توفلر بعهد ما فوق الصناعة أو حضارة الموجة الثالثة... وغيرها الكثير من التسميات والأوصاف.

إلا أن هذه الحضارة الغربية الشكل والمضمون، بكل ما تحمله في طياتها لم يكن لديها نفس الصدى والوقع في نفوس وعقول الأنتلجنسيا الوطنية العربية والإسلامية، نوجزها فيما يلي:

الموقف الأول: يقول "زكي نجيب محمود" مخاطبا نفسه: إنهن أسئلة ثلاث تلقيها على نفسك لتجيب عنها جوابا لا تلتاث فيه العبارة، ولا يغمض المعنى، وعندئذ يفتح أمامك طريق السير واضح المعالم، محدد الأهداف.

فأولها هو السؤال المشهور الذي واجه به هاملت نفسه الحيرانة: أبقاء تريدُ أم فناء؟

فإذا كان جوابك: بل بقاء.

جاءك السؤال الثاني: أهو بقاء المعزول عن عصره أم المغموس في تياره الدافق؟

وإذا كان الجواب: بل بقاء المعتلي ظهور الموج في تيار الحياة، جاءك السؤال الثالث والأخير: لكن تيار الحياة يا صاحبي فيه المتبوع والتابع، فأيهما تريد؟ ولا أظن الجواب إلا أن يكون بأنها حياة المتبوع لا التابع ما أريد.

فإذا كان كذلك – وإنه لكذلك- فليس أمامك إلا سبيل واحد، لا ثاني ولا ثالث، وهي أن تتمثل عصرك هذا بثقافته، قيمه، مسالكه، وأهدافه، بعلومه وتقنياته، بقوته وحيويته... ومن لي بصورة منها لأحتذي بها؟

وهذا هو مبدأ أنصار هذا الموقف الداعي إلى الأخذ بكل أسباب الحضارة الغربية خيرها وشرها، حلوها ومرها، سواء ما تعلق بالعلم والصناعة أو ما تعلق بالثقافة وأسلوب الحياة الاجتماعية والروحية، إنه الموقف المستسلم للحضارة الغربية والمقلد لها، المؤمن بكل قيمها ومبادئها، فلسفتها المادية، نظمها السياسية والاقتصادية، حيث يطلق على رواد هذا التيار بـ "التغريبيينLes occidentalistes" الذين يدعون إلى فتح كل القارات في العالم على الغرب الصناعي، هذا الأخير الذي يمنح أنماط وأنساق ثقافية واقتصادية قريبة من صورة الحضارة التي يريد رواد الحداثة تحقيقها... يقول محمد دحماني: " أن هؤلاء التغريبيين يُرجعون أزمات التنمية أو سوء التنمية لهؤلاء المثاليين أو الأصوليين الذين يريدون تخليد ماض استعماري ثقيل لرغبتهم في إيجاد قيم سلفية أو أصلية حقيقية أو وهمية" ويعتقد أصحاب هذا الموقف أن الثقافة الغربية هي " المصير المشترك الوحيد الذي يجب أن تسير غليه البشرية جمعاء"، ومن ثم يرى هؤلاء أن في البث الوافد اتصالا حضاريا، تلاحقا ثقافيا أكثر منه غزوا فكريا أو هيمنة ثقافية.

ولعل أهم رواد هذا التيار "طه حسين" الذي يعتبر أبرز الشخصيات الداعية إلى التغريب، ومن أكثرها إلحاحا في الأخذ به، كما أنه من المغالين في ذلك، حيث ضمّن آراءه التغريبية في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر" الذي يزعم فيه أن الثقافة المصرية هي جزء من الثقافة الغربية الأوروبية.. وعلى المصريين أن يقتفوا سيرة الأوروبيين في كل شيء سواء كان حقا أم باطلا، نافعا أم ضارا، حيث قال:" إننا نصبح جزءا منها لفظا ومعنى، حقيقة وشكلا"، فإذن يتعين علينا – كما يقول- " أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحَب منها وما يُكرَه، ما يُحسن منها وما يُعاب". وربما ليس هنالك ما هو أدلّ من عبارة "محمد عبده" الشهيرة التي تؤكد انبهاره الشديد بالغرب وحضارته، حيث قال: " لقد وجدتُ هنالك مسلمين بلا إسلام، ووجدتُ هنا إسلاما بلا مسلمين".

هذا الموقف كان له مروجوه من الجانب الغربي، حيث أن أوروبا كانت تعتبر " المقدسة" تحضير (من الحضارة) الشعوب البدائية، بمعنى غير المغرّبة بعد، فقد برروا فكرة الاستعمار بحجة أخلاقية كانت منتشرة كثيرا في ذلك الوقت وهي أنهم يريدون :تحرير" البدائيين من دياناتهم، وبالموازاة تحسين وتطوير أنماط وشروط حياتهم!!. وقد ازداد تقليد المجتمعات الصناعية الأوروبية – آنذاك- حدة بعد حصول المجتمعات المستعمرة على استقلالها الوطني، وفي هذا الصدد يقول Francois de Closets: " وعيا منها بأن البنى التقليدية لا تستطيع تحقيق الحداثة، حاولت الدول غير النامية إحداث ترقيعات أيديولوجية رأسمالية، صناعية، شيوعية، اشتراكية... وفي كل الحالات كانت محاولات التغيير السياسي مستوحاة من الغرب، وكأنما الأمم المتحررة من الاستعمار بقيت حبيسة نظام الاستيراد... حداثة زائفة، مفككة أدت إلى اللافعالية".

وهكذا نجد أنه بالنسبة لهذا الموقف فالثقافة الغربية فرضت نفسها على الثقافة العربية من خلال طرحين أساسين أوردهما محمد العوا فيما يلي:

الطرح 01: أن الثقافة الغربية هي الثقافة الراقية، العالية والنبيلة، وما سواها ثقافات دونية ينبغي أن تزول أو تنمحي.

الطرح 02: تزيين الثقافة والحضارة الغربيتين بشكل يشعرنا بأننا لن نتقدم إلا في ظلهما.

الموقف الثاني: وهو الموقف الرافض للحضارة الغربية وللتغريب، البعض يسمون أنصاره بـ " المتمركزين حول الذات" أو الاثنيين أو الأصوليين، ينطلق هذا الموقف من فكرة Rudyard Kipling: " الشرق هو الشرق، والغرب هو الغرب، والاثنين لن يلتقيا أبداً".

يقول جلال آل أحمد: " إن للتغريب طرفين: أحدهما الغرب، والآخر نحن المتغربون في الشرق... جغرافياً يمثل الغرب تخوما تشمل أوروبا بأكملها والاتحاد السوفيتي وأمريكا الشمالية، ولكنه جوهريا يتشكل من البلدان المتقدمة أو البلدان الصناعية، أو قل جميع البلدان التي بوسعها تحويل الخامات إلى منتجات معقدة بواسطة الآلة، وعرضها بعد ذلك في الأسواق العالمية... أما الطرف الثاني من المعادلة والذي سُمي اصطلاحا بالعالم الشرقي، فإنه يتشكل من بلدان آسيا وأفريقيا ومجموعة البلدان المستهلكة للصناعات الغربية... الصناعات التي سافرت خاماتها من عندنا لترجع إلينا في شكل سلع ليس بوسعنا إلا استهلاكها".

أصحاب هذا الموقف يؤكدون على ضرورة العودة إلى المصدر أو الأصل في قيم وأشكال الحياة التقليدية، ويُرجعون كل العيوب والأزمات الحالية للدول في طريق النمو إلى الأفكار والمظاهر التغريبية التي تريد نحت الفضاءات الثقافية وفق المعيار الغربي... ويضيفون أن الانفتاح المباشر على الغرب هو السبب الحقيقي وراء التأخر والانحطاط الاجتماعي للبلدان المهيمَن عليها (المستعمَرة)، من جهته يعتبر سلمان العودة التغريب عملا مغايرا لفكرة الحوار أو الاستفادة، والعالم اليوم كله يعيش في أرض واحدة وكل الشعوب تكون في موقع التأثّر والتأثير، وذلك شيء طبيعي، بل سنة الشريعة ذاتها، يقول الله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. الحجرات 13 ، فلم يقل لتتعاركوا وتتحاربوا أو يكره بعضكم بعضا، بل قال لتعارفوا فهذا التعارف هو الاتفاق على القضايا المشتركة، والتعاون وتبادل الخبرات والاستفادة من الآخر.

أما أحمد فرديد فيعلل رفضه للحضارة الغربية، حيث يقول أن: " التغريبيين أضاعوا الله واستبدلوه بإله آخر، هو النفس المادية أو النفس الأمارة بالسوء"، كما يضيف أن للبشر ثلاثة أبعاد: الأول علمي، الثاني فلسفي والثالث معنوي، ومع أن الأول والثاني احتلا مساحة واسعة في السنن الفكرية الغربية، إلا أن الثالث ظل غائبا وباهتا بشكل فاضح، لذلك نجد فرديد يحذر من مخاطر شيوع حضارة الغرب في عالمنا، ويدعو إلى التحرر من أشكال التغريب كافة وتجاوز كل مظاهره.

بديع الزمان النورسي بدوره يرفض الأسس الثقافية في الحضارة الغربية بدءا من عصر اليونان وإلى اليوم، ويحاول في رسائله كلها قطع جذور الثقافة الغربية وتأثيرها في الثقافة الإسلامية المعاصرة، لأنها انطلقت من مبادئ الفلسفات الجاحدة التي أوجدت – حسبه- حالة من الفوضى والقلق الفكري والتشكيك والإلحاد في العالم الإسلامي، مستغلة تأخر المسلمين وجهلهم بدينهم.

...........................................................................................................
*هذا المقال ملخص لاهم الأفكار العصرية من كتاب الاعلام الفضائي والتغريب الثقافي للكاتبة لمياء طالة.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
البعض صدع الرؤوس بالحداثة ووجوب اللهث خلف تقدم المجتمعات الغربية
هؤلاء كانوا قصار النظر جدا وسيطرت على عقولهم وعيونهم الزخارف المظهرية
ولننظر الى حال الغرب اليوم وهو الذي اباح كل انحلال فنجده رغم ذلك يعاني التحرشات الجنسية
وكل صاحب عقل يجب أن يسأل نفسه كيف يقوم شخص ما باغتصاب امرأة والجنس متاح له بكل حرية
ودراساتنا الطويلة في جمعية حماية الأسرة والمنظمات المدنية التي شرفت برئاستها طويلا أفضت الى ان التحرش والإغتصاب ليس مرتبطا بالحرمان في غالبيته ولكن بالسلوكيات العدوانية
النفس أمارة بالسوء كما جاء في قرآن رب البرية
والذي يسوق البشر الى هذه الزلات هو انحدار القيم الخلقية
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-06

مواضيع ذات صلة

1