التغريب كما مررْنا به في ملخَّصات سابقة، هو تيار يسعى لنشر الثقافة الغربية وجعلها ذات سمة عالمية تنصهر فيها الثقافات الأخرى، وخصوصا الثقافة الإسلامية، لذلك من الأهمية بمكان أن نعرف ما هي منابع التغريب، وما ماهيّته؟، أولا لابد من الإشارة إلى أن المنابع هي النقاط التي ينطلق منها المشروع التغريبي، وهي نقاط حية، وفي العادة هي سلاح يصلح استعماله في الجانبين: النافع والضار، وهذه هي الفتنة؟!! فبجانبها النافع يُلبّس ويعمّى هن الضار.

ويمكن خصر هذه الأوجه أو المنابع فيما يلي:

1- السياسة: في صورة ضغوط سياسية تمارسها القوى المهيمنة بواسطة أدواتها كمجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة ولجانها المتعددة على الدول الضعيفة – الإسلامية خصوصا- لتنفيذ التغريب تحت شعارات: الإصلاح، الديمقراطية، التعددية، الليبرالية، حقوق الإنسان (المرأة بالأخص، الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية)،وفي بعض الحالات تلجأ إلى الحروب المباشرة لفرض التغريب بالقوة كما حدث في احتلال أفغانستان والعراق تحت ذريعة حرب الإرهاب، فالغرب حاول فرض السمة الغربية وشكلها في التشكيك بجدية الحكم الإسلامي ووجوده، وفي جدوى الخلافة حينها بطريقة غير علمية ولا مدروسة، وتقديم النموذج الغربي كأساس في التقنين والتشريع والحاكمية دون اعتبار للفقه أو المبادئ أو المحكمات الإسلامية.

2- الاقتصاد: في هيئة تحولات اقتصادية كبرى، تهيّئ لخطط تغريب، هذه التحولات تتركز في صور: التجارة الحرة التي تجيز كافة أنواع البيوع، حتى المحرمة عينها ووسيلتها، من غير نظر إلى دين أو خُلق سوى زيادة الأرباح، توسيع دائرة عمل المرأة، دخولها سوق العمل المختلَط... تحديدا وقصدا تخطيطا، إذ هي نقطة رئيسية كبرى في العمل التغريبي، وعامل جذب في الجانب الاقتصادي، وهذا العامل من أخطر المنابع، إذ أن الاقتصاد يتخلل كافة مفاصل الحياة، وهذا العامل من أخطر المنابع،إذ أن الاقتصاد يتخلل كافة مفاصل الحياة، وصبغه بالشكل التغريبي يعني امتداد تأثيره وشموله كل الأفراد والأسر، فالتجارة –وهو نشاط عام لا يستغني عنه الأفراد والمجموعات- لا تتأتى إلا بالنظم الغربية من بنوك وتأمينات وبورصات وأسهم وأسواق... وكل ما فيها من المحرمات، الشُبه والمشتبهات.

3- المجتمع: من خلال هدم الأخلاق، اللغة، والتاريخ فأذيع الإلحاد ونُشرت الإباحية، تحت اسم حرية الفكر، بالدعوة إلى التحرر من قيود البيئة والوراثة وكل ما فيها من عقائد ونظم وقوانين، مع التشكيك في كل الآراء والأفكار والعقائد الموروثة والمتداولة، وركز هذا العمل على زلزلة النظام الاجتماعي وتحطيم الأسرة وانتشار المخدرات، ظهور الكوكايين، دور البغاء وتجارة الرقيق الأبيض، بالإضافة إلى تسميم الأمة العربية بحاجز ضخم أطلِق عليه اسم المحاكم المختلطة، المحاكم القنصلية، الامتيازات الأجنبية نحمي المهربين، اللصوص، السفاكين ومصاصي دماء الشعوب.

4- أيضا بتغيير مفاهيم المجتمع حيال العلاقة بين الرجل والمرأة بالانتقال من التكامل، التمايز والتفاضل إلى المساواة، لينتج عن ذلك دفع المرأة خارج البيت، وتوطينها في الأعمال الرجالية وهذه الخطوة ستؤدي حتما إلى تناقص الزيجات، تآكل الأسر والتجارب السابقة (في الغرب والشرق) شاهدة، مع انتشار المحرمات الأخلاقية وفق الصور الحاصلة في الغرب، ولهذا وقْعهُ الخطير حيث أنّ تعداد النساء يوازي تعداد الرجال فإخراج نصف المجتمع إلى الميادين يفرض عملية التغريب بقوة، وفي مدة وجيزة، إذ أن من أساسيات التغريب: التحلل الخُلقي وبالأكيد ذلك حاصل مع اجتماع المرأة والرجل في مكان واحد.

من جهته سلمان العودة يؤكد أن الدعوة إلى إلحاق المجتمع ونظمه وتقاليده الخاصة بالمجتمع الغربي سيؤدي إلى السعي إلى تبني النموذج الغربي قي التعامل مع المرأة، وفي اللباس، والعمل والبيت بعيدا عن الأصلح لها، والأنفع بما يلائم مجتمعها ودينها، والمهم أن العادات ليس حكما في هذا الشأن الحساس، فالعادات والتقاليد والأعراف لا تعني بالضرورة المفترض علميا، بل تعني أن ذلك واقع موجود فقط، لكن المشكلة أن تغريب المرأة أوجد مسارا خصبا وسط مجتمع يرى في حرمانها وهضمها واجبا اجتماعيا ينبغي الدفاع عنه وتبريره.

4- الثقافة: وهي ثقافة بديلة تُنظّر وترسّخ التغريب، تقوم على فكرة الحرية الفكرية وإبطال كل الموانع بدعاوى الإبداع والفن، تستعمل فيها: الصحف، المجلات، الروايات، الكتب والقصص، وصورة التغريب هنا هي اختراق كافة النقاط المحرمة في الدين والأخلاق والقيم، بالتحدث حول: الذات الإلهية، المقام النبوي، الدين، التراث بكلام غير مقدس ولا معظّم، وفيه كثير من الجرأة والتنقّص، وطرق الكلام والأفكار الإباحية بشكل علني مكشوف غير مستتر، وفي مقابل هذا الحظّ من الثقافة الإسلامية هنالك رفع من شأن الثقافة الغربية ورموزها، هذا الوجه الثقافي الذي شارك في وضعه مجموعة من الكتاب والمثقفين والأدباء الذين يسعون إلى نقل الحضارة الغربية للمسلمين العرب: نقلها وأخذها كلها، بخيرها وشرّها، حلوها ومرها، ويصرح بعضهم بأنه مؤمن بالغرب كافر بالشرق، فكأن هذه المفاهيم أرادت إحلال ثقافة محل أخرى ونزع قيم لحساب قيم أخرى، وجعل الغرب هو المصدر الأوحد لكل جوانب الحياة.

5- الدين: تعددت حملات كتاب الغرب الذين قادوا وعركة التغريب الثقافي على الدين وعلى الإسلام بالذات، بادّعاء أنه سبب التخلف للعرب والشعوب التي اعتنقته ومن بين هذه الحملات حملة داركوز بكتابه "مصر والمصريون" الذي صدر عام 1893، حيث حاول فيه المؤلف أن يصور الإسلام في صورة الدين الخرافي العتيق، ويصوّر المسلمين في صور الضعاف العجزة، ونعى على المصريين ضعف الخُلق القومي، وعزا تأخر الحركة الفكرية إلى الإسلام، وقال أنه – أي الإسلام- هو السبب الأساسي في هذا التأخر وأنه منعهم من البحث في العلوم الدينية، وأنكر أن للعرب الأولين مدينة خاصة، واتهمهم بإحراق مكتبة بالإسكندرية بالإضافة إلى أنه اتهم الإسلام بتبديد حقوق المرأة وظلمها.

وساد الاعتقاد لدى مفكري الغرب أن الإسلام والعلم لا يتفقان مما استوجب القول استنتاجا أن الإسلام والمدنية لا يتفقان، ويعبّر أرنست رينان عن ذلك قائلا:" لكل من كان مطلعا بعض الاطلاع على أحوال زماننا يشاهد بوضوح انحطاط البلدان الإسلامية الحالي، وتقهقر الدول الخاضعة لحكم الإسلام، وانعدام معالم الفكر لدى الشعوب التي اقتبست عن هذا الدين وحدة ثقافتها وتربيتها، فجميع من يأتون من الشرق وأفريقيا يدهشهم ضيق التفكير المحدود بصورة حتمية لدى المؤمن الحقيقي، وذلك الطوق الحديدي الذي يطوّق رأسه فيجعله مغلقا بإحكام في وجه العالم وعاجزا عن تلقي أي شيء أو الانفتاح على أي فكرة جديدة.

ولكن الغريب في الأمر أن نفس الكتّاب الغربيين الذين يهاجمون الدين الإسلامي تراهم يعبرون عن تخوفهم من هذا الخطر الحقيقي الكامن في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخضاع، في حيويته، وأنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي بل والحضارة الأوروبية، ويعبر القس سيمون عن هذا الإحساس عند الأوروبيين بقوله:" إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التخلص من السيطرة الأوروبية".

أما غلادستون فيرى أنه:" مادام هذا القرآن موجودا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان، لذا لابد من الدعوة إلى أن يُطبَع العالم الإسلامي بطابع الغرب الحضاري كما يقول لورنس براون".

وهذه الآن جملة من الاتهامات التي حاول هؤلاء المفكرون الغربيون إلصاقها بالدين الإسلامي والمسلمين:

• إن الإسلام يرفع حق الربوبية ويجعل الإنسان في حضيض الضعف ودرك الوهن، ونتيجة لذلك تحريض الإنسان على إغفال شؤون نفسه وبث القنوط في قلبه وتثبيط همّته، فهو متأثر بالمذهب السامي، ولذلك فهو ينزل بالإنسان إلى أسفل الدرك ويررفع الإله عنه في علاء لا نهاية له، كما أنه عقبة في سبيل العلم والحضارة.

• إن الإسلام ناجح كعقيدة ودين، ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، فهو متعصب متطرف يبيح لأتباعه أن يتخذوا المخالفين لهم في العقيدة أسرى حرب ورقيق.

• منافٍ للتجديد ولم يكن صالحا إلا للزمن والمحيط الذي وُجد فيهما، وأن المسلمين لا يمكن أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن، إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأمره ظهريا لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب، ويثبت فيهم روح البغض للأغيار والشقاق وحب الانتقام، فهو العقبة الكؤود في سبيل رقي الأمة الإسلامية.

• إن الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق له بما فيه من اعتقاد في الغيبيات والإيمان التام بالقضاء والقدر.

• كما أن قوانينه وُضعت لتناسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، والآن أصبحت لا تسمح بالمرونة الكافية لمواجهة المجتمع الإنساني، فهو يحرم المرأة من كل حقوقها ويعتبرها أحطّ من الرجل، بالإضافة على أنه يبيح الرق.

• اعتبار القرآن فيضا من العقل البطن مع الإشادة بعبقرية الرسول (ص)، ألمعيته، صفاء ذهنه ووصف ذلك بالإشراق الروحي تمهيدا لإزالة صفة النبوة عنه.

وهكذا فقد عوّل الاستعمار في غزوه الفكرري وحملته التغريبية، على حشد أكبر قواه لزلزلة قواعد الدين، القضاء عليه، عزله عن المجتمع، تحطيم قواعده، إبعاده عن ميدان السياسة والاجتماع والفكر، سلبه سلطانه، وفرض قوانين أجنبية وتشريعات غربية بدلا عنه. أي بمعنى آخر محاولة هدم الإسلام عقائديا، فكريا، وحضاريا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هذا المقال ملخص لاهم الأفكار العصرية من كتاب الاعلام الفضائي والتغريب الثقافي للكاتبة لمياء طالة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0