نظرا للإيمان القوي الذي غرسهُ التعليم في الناس فان غالبيتهم يرون ان العلم والتكنلوجيا، والديمقراطية، والرأسمالية -الأركان الثلاثة للحداثة- يمكن ان تؤدي الى الغايات الجيدة لكنهم فشلوا في ادراك ان هذه الانتصارات الثلاث للبشرية أثّرت سلبا على حياة الانسان الفرد.

ومع نشر كتاب "معنى الوجود الانساني" لعالم الحشرات ومؤسس السوسيوبايولوجي ادوارد ولسون، ادركنا ان شخص واحد على الاقل في كوكبنا لازال يؤمن بإمكانية الازدهار لمستقبل البشرية. وبما ان ولسون غير مكترث بمصائب القرن ولا يهتز له جفن على أحداث هيروشيما ولا الهيليكوست ولا مخيمات الكولاك الستالينية، ونظرا لثقته التامة بثمار السوق المنقاد تكنلوجيا فهو يدّعي اننا كبشر يمكننا "تحويل الارض الى فردوس لأنفسنا ولكوكبنا الذي منحنا الولادة.

اما اليكس دي توكفيل اشار الى ان الامريكيين مؤمنون "بفكرة التقدم والكمال اللامتناهي للجنس الانساني"، لكن الاكثر احتمالا هو ان الدكتور ولسون كان يعبّر عن التفاؤل الذي رافق الاساس الفلسفي للعلم الحديث.

في الماضي، اعتقد المفكرون بان عصرا جديدا قد حل بعد انتهاء الظلام والجهل، متنورا بالعقل والعلم، وستتأسس سعادة البشرية على الارض. فرنسيس باكون، المهندس الرئيسي للعلم التجريبي تنبأ في كتابه المنطق الجديد (New Organon) عام 1620 بان "المهمة الحقيقية ومصير الجنس الانساني" يعتمد على "شيئين اثنين هما المعرفة الانسانية وقوة الانسان". المعرفة الحقيقية ستعطي قوة لقيادة الطبيعة "لفائدة الحياة". بالنسبة لباكون، هدف العلم هو جعل البشرية السيد والمالك للطبيعة مثلما كان آدم في جنة عدن، لذا فان الرجال والنساء ذوي السمعة الطيبة يمكنهم اعادة الانسان العاقل Homo sapiens الى جنة الارض. وفي ضوء كارثة هيروشيما وتغيرات المناخ، فان اوهام العيش بتلك السعادة قد ذهبت الى الابد.

غير اننا حينما نرى ان اي برنامج لإقامة الجنة على الارض ينتهي بكارثة ذلك لا يعني ان التفاؤل الحماسي لمفكري التنوير يجب استبداله بتشاؤم نيتشة للمستقبل. بدلا من ذلك، يمكننا العودة الى الحكمة التي اعلنها سوفكليس قبل 2500 سنة "لا وجود لعدد كبير من الناس يدخلون الحياة العرضة للفناء بدون ان يكون هناك بلاء لهم" وهي الحكمة التي تعترف بشكل غير مباشر بعدم امكانية خلق نظام اجتماعي كامل.

ان التحولات العظيمة الماضية في حياة الانسان احطّت من حياته، او كما يذكر Russell Kirk مؤلف كتاب "العقل المحافظ"، اثناء دراسته للتاريخ " عندما يتقدم المجتمع في بعض المظاهر، فهو عادة ينحدر في مظاهر اخرى". وحتى وقت متأخر، كان الانثربولوجيون والمؤرخون يمجّدون زراعة النباتات كعنصر اساسي في القصة الطويلة للتقدم الانساني، غير انه، وكما في جميع الاختراعات التكنلوجية الاساسية، كان لإدخال الزراعة ولايزال تأثيرا مدمرا لحياة الانسان.

الثورة الزراعية

ان الثورة الزراعية التي حدثت قبل عشرة الاف سنة استبدلت تدريجيا الصيادين وجامعي الثمار بالمزارعين ورعاة الماشية. قبل زراعة النباتات وتربية الحيوانات، كان النظام الغذائي للعصر الحجري يتألف فقط من النباتات غير المزروعة والصيد الحر، وهو نظام غني جدا بالألياف والبروتين والعناصر الغذائية الاساسية، مقابل الغذاء الحديث الغني بالسكر والكاربوهيدرات المكررة والدهون المشبعة. ان "امراض الحضارة" – السرطان وتصلب الشرايين والسكر "تسبب 75% من الوفيات في الدول الغربية لكنها نادرا ما تحدث بين الافراد الذين يعكسون في نمط حياتهم اسلوب اسلاف ما قبل الزراعة.

وخلال الـ 200 سنة الماضية "ادّى تحسين الاسكان والصرف الصحي والرعاية الطبية الى التقليل من تأثير الالتهابات والامراض، وهما السببان الرئيسيان للوفيات منذ العصر الحجري وحتى عام 1900، مما قاد الى مضاعفة المدى المتوقع لعمر الانسان قياسا بما كان عليه قبل الزراعة".

ولكن من المدهش ان مضاعفة المدى المتوقع للحياة نتج اساسا من انخفاض معدل وفيات الاطفال واليافعين. دراسة اجريت على ما تبقّى من مجتمعات الصيد وجمع الثمار في القرن العشرين كشفت ان معظم حياة البالغين كانت بين 68 و78 سنة، وليس كما يقال 40 سنة او اقل.

التأثير الرئيسي للثورة الزراعية كان ان زراعة الحنطة والرز والذرة والبطاطا انتجت وفرة من السعرات الحرارية دفعت عدد كبير من السكان الى زراعة محاصيل انتجت المزيد من اطنان الغذاء لكل فدان قياسا بالجذور البرية والثمار عديمة النواة. بدون الزراعة ما كان بإمكان الامبراطوريات والمدن ان توجد. المؤرخ Yuval Noah Harari يرى ان زراعة البقوليات عززت القوة الجمعية للبشرية لكن حياة متوسط الفرد اصبحت اكثر سوءا. فمثلا، النخب في مصر القديمة بنت الاهرامات بينما الفلاحون يحفرون القنوات، يحملون الماء في اواني، ويحصدون القمح وعاشوا على نظام غذائي ادنى نوعية من طعام اسلافهم في العصر الحجري.

ومقابل كل هذا العمل الشاق يقول هاراري "ان معظم الفلاحين حصلوا على غذاء اسوأ مما كان يحصل عليه جامعوا الثمار لأن جامعي الثمار اعتمدوا على ما يقارب 12 نوع من الحيوانات والنباتات والفطر وهذه زودتهم بجميع العناصر الغذائية الاساسية بما في ذلك الفيتامينات التي يحتاجونها، بينما الفلاحون اعتمدوا فقط على غلة واحدة كالحنطة او الرز او البطاطا. وفوق كل هذا، اصبح الناس يعيشون في ظل نظام هيراركي اجتماعي جديد وبداية الاستغلال الواسع، حيث بروز النخب الصغيرة التي تستغل كل شخص آخر".

الديمقراطية

ان الترتيب الهرمي الاجتماعي لاوربا القرون الوسطى تأسس على حيازة الملكية. الفلاحون شكلوا 85% من السكان. لاشك لو اننا ولدنا في اوربا القرون الوسطى لكنا فلاحين مرتبطين قانونا بالارض التي نعمل بها وبالتالي مملوكين لصاحب الارض.

في امريكا، اتاحت الفردية الديمقراطية الحرية في ممارسة كل ما يرغب فيه الانسان على حساب العزلة عن الزملاء. الناس يشعرون دائما بالنفور والوحدة وهو شيء غير مألوف في عالم اوربا القديمة. العديد من الأغاني الشعبية تعبّر عن الألم والشعور بالفراغ نتيجة العزلة الاجتماعية. تتسائل البيتلز (فرقة موسيقية) انت تشعر بمزيد من الوحدة مع المزيد من الناس الذين هم حولك فمن اين يأتي كل هؤلاء الناس الوحيدين؟ في عام 2008 ومع انهيار الاسواق المالية، ذهب الفوتوغرافي الهولندي Reinier Gerritsen الى احدى انفاق مدينة نيويورك ليراقب مزاج الناس المسافرين للعمل. هو وجد اشياءا تبعث على الحزن واليأس. تقريبا لا احد كان مبتسما، كأن الجميع يعبّرون عن تنبؤ توكفيل حول مستقبل المواطن الامريكي: " كما هو الحال بالنسبة لزملائه المواطنين، هو وجدهم قريبين جدا منه لكنه لا يلاحظهم، هو يلمسهم لكنه لا يشعر بشيء، انه فقط موجود في ذاته ولأجل ذاته".

معظم الذين يبلغون عن حالات الانتحار هم المعزولون الذين يشعرون باليأس من التحدث الى شخص ما. صناعة الوحدة بما رافقها من بارات ونوادي رقص وخدمات انترنيت تلبي حاجات اولئك الذين يشعرون بالعزلة. سوزان غوردن مؤلفة كتاب "وحيدا في امريكا" تلاحظ "عندما ييأس الناس من الرفقة فهم سوف يقومون بأشياء لا يقومون بها عادة، ويذهبون الى اماكن لا يزورونها في المعتاد، ويستمعون الى وعود كانوا يعتبرونها سخيفة".

الانسان المعزول يشعر عادة بالضآلة وبالفشل اللذين لا يستطيع الاعتراف بهما في ظل ثقافة موجهة للنجاح. الحب في مثل هذه الظروف يبدو كطريقة للهروب من الوحدة. يقول احد المدراء الشباب "انا لا اعتقد هناك اي شخص في العالم يهتم حقا بي او بما يحدث لي. انا اشعر بالاستياء الشديد من الوحدة، انا فقط اريد من يعتني بي". لكن استخدام شخص آخر للهروب من الوحدة نادرا ما يحقق النجاح.

يشير السايكولوجي رولو ماي لماذا ينتهي الزواج المؤسس على الرغبة بالتغلب على الوحدة بعواطف سلبية: "الزوجان يتوقعان من الزواج ان يملأ بعض النقص والفراغ في انفسهم لكنهم يصبحون قلقين وغاضبين لأن ذلك لم يحصل". تقول احدى المطلقات انها كانت تشعر وحيدة لكنها لا تستطيع تشخيص تلك الوحدة، كيف يمكن ان اكون وحيدة وانا متزوجة من حب حياتي؟" الأوهام الرومانسية للتودد عادة تختفي بعد الزواج: "لم يعد بعد الزواج سبب لمحاولة الاثارة والاعجاب او الإمتاع والسحر". معظم الناس يرون الجنس كطريقة لعمل اتصال انساني ولكسر حواجز الذات المنعزلة المستقلة، ولهذا قد تجد زوجين في سرير واحد ربما يكرهان بعضهما في اية ظروف اخرى كما يذكر ذلك محامي بعمر 32 سنة من مدينة سانفرانسسكو. وبالرغم من الوحدة وفشل الزواج، يتوق الغربيون وخاصة في امريكا للحفاظ على الخصوصية والاستقلالية. فترى البيوت تُصمم لتعزل الافراد عن بعضهم. الكثير من القصص الامريكية الرائعة مثل قصص Ann Beattie or Raymond carver تتحدث عن الوحدة حيث يأتي كل فرد للعالم وحيدا ويسافر اثناء حياته وحيدا وفي النهاية يموت وحيدا.

هذه العزلة اصبحت تمثل مظهرا تراجيديا. انها تراجيديا خاصة بالادب الغربي الحديث حيث لم تكن التراجيديا لدى هوميروس او سوفيكلوس هي العزلة. الاكاديميون الصينيون يؤكدون ان العزلة في الادب الصيني هي فقط ذلك النوع الذي يبرز من انفصال العوائل والمحبين ولا توجد عزلة كحالة اساسية للانسان الصيني. اذاً الانتشار الواسع للعزلة في امريكا هو ظاهرة ثقافية غرستها الفردية.

الرأسمالية

قبل الثورة الصناعية كانت الرغبات المادية مقيدة بالطبيعة والانتاج الحرفي. لكن عنصرين للرأسمالية وهما السوق الحرة وتقسيم العمل غيّرا كل شيء. وكما اكّد آدم سمث في كتابه ثروة الامم عام 1776 بان تقسيم العمل زاد بشكل كبير من القوة الانتاجية للعامل. يطرح سمث مثالا عن تقسيم العمل يتجسد في صناعة الدبوس. العامل غير الماهر يمكنه صنع 20 دبوس يوميا بينما مع التصنيع يتم تجزئة عملية صنع الدبوس الواحد الى عمليات بسيطة فيها كل عامل ماهر يؤدي خطوة واحدة او خطوتين. "احد العمال يسحب السلك، عامل آخر يجعل السلك مستقيما، بينما عامل ثالث يقوم بتقطيعه، رابع يقوم بتنحيف السلك، خامس يتولى الكبس لصنع رأس الدبوس. وفق هذا الاسلوب تتطلب عملية صناعة الدبوس الواحد 18 عملية مختلفة. وبهذا فان عشرة عمال غير ماهرين يمكنهم صناعة 48 ألف دبوس يوميا. اذا كان كل عامل يقوم بكل العملية بذاته فهو لا يستطيع عمل اكثر من 200 دبوس. وهكذا فان تقسيم العمل زاد الانتاج بـ 240 ضعف. اعتبر سمث تقسيم العمل اكبر ابتكار في تاريخ الانتاج المادي.

بدون الابتكارات الكبرى المتدفقة من العلوم والتكنلوجيا لما تمكنت الرأسمالية من البقاء لأن الاسواق اصبحت فيها وفرة في السلع. ولكي يبقى ويستمر الاقتصاد الرأسمالي يجب عليه ان ينتج باستمرار بضائع استهلاكية جديدة، لا يختلف في ذلك عن سمك القرش الذي يجب ان يبقى سابحاً او يواجه الموت. التكنلوجيا والابتكارات الجديدة باستمرار تنتج سلعا جديدة لإشباع رغبات غير معروفة سلفا. خلال 200 سنة خلقت الرأسمالية وفرة في السلع للاغنياء والفقراء. محلات (ولمرت) تحتوي على 142000 سلعة. حاليا ادّى تقسيم العمل الى انكماش الحياة الداخلية للعامل. وصف شارلي شابلن بجدارة تأثير العمليات المتكررة في الانتاج على الفرد. في خط التجميع يُطلب من العامل أداء حركات ميكانيكية مكررة. واثناء التوقف القصير لا يستطيع العامل ايقاف ذراعيه عن الحركة الايقاعية في شد او إرخاء ذلك الجزء المطلوب للانتاج، وبذلك تكون الحياة الداخلية للعامل قد انهارت مقابل خدمة الماكنة.

من المفارقة ان آدم سمث في ثروة الامم تنبأ بنقد شارلي شابلن للرأسمالية، حيث اعتبر سمث ان العامل اثناء عمله لا يكتسب الفضائل الفكرية او الاجتماعية. عندما يؤدي العامل واحدة او اثنين من العمليات البسيطة المكررة، " هو عادة يصبح ساذجا وجاهلا كما هو ممكن بالنسبة للكائن الانساني. كسل الذهن يجعله ليس فقط غير قادر على التمتع باي محادثة عقلانية، وانما لا يستطيع ايضا خلق اي عواطف رقيقة".

ان تقسيم العمل وتأثيراته لا يقتصر على انتاج السلع المادية وانما ينطبق ايضا على العمل الاكاديمي في الجامعات. كل جامعة في العالم الغربي تتبع توصيفات آدم سمث حيث كل عالم "يصبح اكثر خبرة في الحقل الخاص به، المزيد من العمل يُنجز وكمية العلوم ازدادت بشكل كبير" الفيلسوف عمانوئيل كانط عام 1789 تصوّر الجامعة كانتاج واسع يتم عبر تقسيم العمل. اليوم كل باحث يختار بحرية مجاله التخصصي متجاهلا كل شيء خارج خبرته، ولذلك اصبحت المطبوعات الاكاديمية اكثر فاكثر حول القليل والاقل. النقود تتدفق للجامعات، والاوراق البحثية والتقارير والدراسات وبراءات الاختراع تنطلق من مصنع المعرفة. انه نظام فعال جدا فقط حين يُصاب المرء بالعمى تجاه عيوب التصنيع الرئيسية. ان تقسيم العمل حطّم الفرد سواء في انتاج السلع او المعرفة. القدرات الذهنية والجسدية للعامل يتم التضحية بها لأجل كمال فعالية منفردة.

احد الفيزيائيين من جامعة ميشيغان، يقول انه تعلّم ميكانيكا نيوتن والديناميكا الالكترونية لماكسويل وفيزياء الكوانتم متحررا من اي سياق اخلاقي. وبالنتيجة لم ير اي اهتمام بالاسئلة الجوهرية مثل هل انتاج اعلان تلفزيوني موجّه للاطفال او لصناعة الغذاء الرديء او لتطوير سلاح نووي هو عمل ملائم لأجل المعيشة؟ يقول ان تعليمه اعدّه لكي يكون بربريا جديدا يبيع ثمار العلم لمن يدفع اكثر.

ان العالم الرقمي يوفر طرقا رخيصة للناس العاديين لتوسيع عالمهم، خاصة بالنسبة للناس الفقراء وفي الاماكن البعيدة. الشخص الراغب بدراسة النيروساينس او البايولوجي او الرياضيات يستطيع دراسة ذلك عبر الانترنيت في جامعة kahn Academy. التكنلوجيا الرقمية ربطت الناس بالعالم الواسع للمعلومات لكنها فصلتهم عن عالمهم الواقعي المحيط بهم. يقول احد المدمنين على الانترنيت ان عشر ساعات على الانترنيت كان لها تأثيرا مدمرا على حياته، ويضيف ان اهتمامه لإستيعاب المعلومات الموسعة كالكتب والمقالات المطولة والقصص قد تضائل بشكل كبير، مهاراته الفردية في الاتصال ضُربت في الصميم، وانه وجد من الصعب الاحتفاظ بافكار معقدة ودائمة". الانترنيت يقود الى طوفان من المعلومات التي تسبب الاضطراب والتلوث الفكري. الحكمة الحقيقية تأتي من اختبار الذات والحوار مع الآخرين وليس من التراكم المعلوماتي الكبير.

.......................................
المصدر:
How modernity diminishes the human person, The Imaginative Conservative
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0