الاستقرار النسبي الذي ساد العلاقات الامريكية الايرانية بعد صفقة الاتفاق النووي الايراني بدأت تتاكل مع انتخاب الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب اكثر الاشخاص انتقادا للاتفاق، وقد اظهر الوافد الجديد للبيت الابيض قمة العداء لايران من خلال اختياره شخصيات في مناصب حساسة تتسم بالعداء الشديد لايران مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الامن القومي مايك فلين.

اثار اختبار ايران لصاروخ بالستي الاسبوع الماضي غضب ادارة البيت الابيض، وجاء الرد سريعا بفرض عقوبات امريكية على 13 شخصا و12 كيانا، ولم تتوقف العملية عند هذا الحد لترد ايران ايضا بسرعة من خلال اجراء مناورات عسكرية في تحد واضح للولايات المتحدة ودليل على رغبة طهران بعدم اظهار اي نوع من الضعف امام ترامب. وقد وصف بعض قادة الحرس الثوري العقوبات والتصريحات الامريكية بالجوفاء، واكدوا على جاهزية بلادهم للرد على اي "اعتداء".

تسارعت الاحداث بطريقة دراماتيكية ولغة التصعيد بين البلدين هي السمة البارزة الان، و "السلام البارد" الذي استضل تحت خيمة الاتفاق النووي تحول بسرعة الى حرب باردة، تنذر تبعاتها الى سخونة اكثر ربما تشعل المنطقة بحرب كبرى اذا ما استمر الطرفان بهذه اللهجة من التصعيد والتصعيد المقابل. اذا ما اخذنا في الحسبان حادثة تفجير الفرقاطة السعودية من قبل الحوثيين وارسال مدمرة امريكية الى مضيق باب المندب وكاننا في سباق نحو الحرب.

لكن بعض العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية سوف تكون الجدار الذي سوف يمنع تطور الامور الى اكثر من هذا الحد لتبقى في حدود "الحرب الباردة" والزحف البطيء نحو خرق بعض بنود الاتفاق النووي دون الغائه تماما كون الطرفين مستفيدان منه بكل الاحوال.

بالنسبة لايران فانها قد استفادت كثيرا من حقبة الرئيس السابق باراك اوباما وقد حصلت على مكتسبات لم يكن لها لتحصل عليها منذ الثورة الايرانية وحتى الان، فالنفوذ الايراني اليوم يمتد في العراق وسوريا واليمن ولبنان ولها تاثير بشكل او باخر على الاوضاع في البحرين والسعودية والكويت، فضلا عن توسيع قاعدة تحالفاتها الى القارة الافريقية من خلال التقارب مع مصر والجزائر.

وفي الازمة السورية بات الجانب الايراني له وزن فاعل ولا يمكن اصدار القرار التي تخالف مصالحه وكان ذلك واضحا في الهدنة التي جرت اثناء تحرير مدينة حلب حيث رفضت طهران تلك الهدنة قبل اجراء بعض التعديلات عليها بما يتوافق مع مصالحها كما ان محادثات استانا كان خير مثال على بروز الدور الايراني بل واكتسابه "الشرعية" على المستوى الدولي، كل هذا يجري في الوقت الذي يتراجع فيه الدور الخليجي والسعودي تحديدا الذي تم تهميشه في محادثات استانا وربما سوف يهمش اكثر مع تراجع الجماعات المسلحة في سوريا.

ايران اليوم تريد الحفاظ على هذه المكتسبات ومن ثم فهي لا ترغب بالتصعيد مع الجانب الامريكي، حتى وان كانت اللغة السائدة تتسم بالوعيد وهي لا تتعدى الاستهلاك الداخلي والحرب النفسية ضد شعوب وحكومات دول الجوار الايراني تحديدا من اجل دفع الولايات المتحدة للتراجع عن امكانية توجيه ضربة عسكرية ضد ايران.

اما في الجانب الامريكي فخياراته في الحرب اصعب بكثير من الجانب الايراني، وتوجيه اي ضربة عسكرية امريكية تتطلب دعما من حلفائها الغربيين في حلف الناتو الذين يعارضون وبشدة مثل هذا التوجه، فالدول الاوربية لا تريد الزج بها في حرب تؤدي الى مزيد من الخسائر الاقتصادية للاتحاد الاوربي الآخذ بالتراجع بعد ازمة الخروج البريطاني، والسوق الايرانية التي فتحت ابوابها بعد صفقة الاتفاق النووي اشعلت الرغبة الاوربية في تطوير علاقاتها مع طهران وهي اليوم اكثر الحاحا في الحفاظ على استقرار هذه السوق المتعطشة لرؤوس الاموال والاستثمارات.

وما يصعب من المهمة الامريكية في المواجهة هي الاعتراض الروسي_الصيني سواء بالفيتو في مجلس الامن او من خلال الخطوات السياسي الاخرى، فايران شريك اساسي لهذا التحالف غير المعلن ولا يمكن التفريط به كما حصل سابقا في مناطق اخرى مثل ليبيا او البرازيل، وسوف يتمسك الروس والصينيين بحليفيهم الاقليمي ولا يمكنهم الوقوف مكتوفي الايدي امام هذا الوضع، وقد ظهر الامتعاض الروسي مع اول عقوبات فرضتها ادارة ترامب حيث رفضتها الخارجية الروسية بطريقة دبلوماسية معتبره اياها "غير بناءة".

دول الخليج ورغم رغبتها في الانتقام من توسع النفوذ الايراني في المنطقة؛ الا انها تعرف جيدا ان اي حرب قادمة سوف تكون هي الضحية الاولى في هذه الحرب وهي تعرف انها لا تستطع تحمل المزيد من التكاليف المالية بعد تجربتها المريرة في حربها ضد اليمن، لا سيما وان اي حرب امريكية لا بد ان تكون باسلحة وتخطيط امريكي واموال خليجية بحسب ما تمليه سياسة ترامب "المال مقابل الامن".

وايران سوف تحاول تهدئة الامور الى اكبر حد ممكن من اجل الحفاظ على مكتسباتها على الارض، ولكنها سوف تتجه صوب الاتحاد الاوربي مستغلة توتر العلاقات بين دول الاتحاد والولايات المتحدة، خاصة وان فرنسا قد رفضت اعادة التفاوض على بنود الاتفاق النووي على لسان وزير خارجيتها، وقبل ذلك كانت فردريكا موغريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوربي اكثر رغبة في الحفاظ على بنود الاتفاق.

الحرب الايرانية الامريكية الباردة سوف تبقى باردة ولن تزداد سخونة اكثر مما هي عليه الان، ويرجع ذلك الى تشابك المصالح الاقليمية والدولية حيث استغلت ايران هذا الامر بشكل ذكي، فضلا عن ذلك فان التقاطعات التي احدثها دونالد ترامب مع حلفائه الاوربيين تقلل فرص الادارة الامريكية في تحقيق اجماع دولي لفرض المزيد من العقوبات، اما شن ضربة عسكرية ربما يكون من المستحيلات مع وجود الصين وروسيا والمخاوف الخليجية من تبعات اي حرب قادمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3