كشفت التغييرات الاقتصادية، ومنها انخفاض اسعار النفط ورفع العقوبات الاقتصادية عن ايران، النقاب عن آثار جيو سياسية توزعت على سياسات دول الشرق الاوسط لان الايرادات النفطية تشكل نسبة كبيرة في ايرادات موازنات اغلب تلك الدول ويشكل متغير مهم في السياسات الخارجية لها. وكذلك الحال مع رفع العقوبات الاقتصادية عن ايران وامكانية زيادة صادراتها النفطية. وبالنتيجة شكل كل المتغيرين عاملا مهما وراء سياسات دول المنطقة- لاسيما اللاعبين الاقليميين، وبالاخص متغير انخفاض اسعار النفط الذي شكل محور العلاقات بين دول المنطقة والتي تجمعها منظمة أوبك.

وهنا نتساءل عن مدى الاثار الجيوسياسية المترتبة على المتغيرين اعلاه وكيف تنعكس تلك الآثار على توجهات الاطراف الفاعلة في المنطقة.

المحور الرئيس لهذا النقاش هو دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية الاكثر تأثيرا في قرار صادرات النفط والاكثر تأثراُ بانخفاض اسعار النفط. لقد منحت أكثر من عقدين مضت من ارتفاع اسعار النفط لتلك الدول الفرصة لتدعيم اقتصاداتها الوطنية والتوسع في مشاريع البنى التحتية وتحسين الخدمات وفي مقدمتها خدمات التعليم والصحة والاتصالات وخدمات الصرف الصحي وغيرها. وبالرغم من ذلك الا انها لازالت بعيدة عن تدعيم مصادر اخرى لإيرادات موازناتها السنوية غير النفط بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة انخفاض اسعار النفط.

كذلك الامر مع العراق الاكثر تأثرا بانخفاض اسعار النفط اذ انعكس ذلك سلبا وبشكل كبير على الاقتصاد العراقي في ظل اختلاله الهيكلي وضياع الاموال العامة والفساد على الرغم من تصاعد صادراته النفطية الى اكثر من 4 مليون برميل. ولم تتبنى الحكومة سياسات اقتصادية لتنويع ايرادات الموازنة الا اجراءات طفيفة لم تُثمر عن نتيجة مرضية.

كذلك يعد عودة إيران الى سوق النفط وبقوة بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها عقب الاتفاق النووي متغير مهم اسس لآثار جيوسياسية، اذ اصبحت مع السعودية دولتان رئيستان في منظمة اوبك. فإيران تحرص على زيادة الإنتاج، رغم أسعار النفط المنخفضة، وهو موقف تعارضه المملكة العربية السعودية.

في ظل الاتفاق النووي بين الغرب وايران واقرار الكونغرس الاميركي لـ(قانون جاستا) الذي يتح لعوائل ضحايا 11 /ايلول 2001 مقاضاة الدول الداعمة للارهاب، ومنها دول الخليج العربية، التي ادركت ضرورة البحث عن حلفاء لمواجهة التحديات الاقتصادية والتحديات الاقليمية وفي تثبيت أسعار النفط أيضاً. وهناك شعور بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تعطي الأولوية لعلاقاتها مع دول الخليج بعد الاتفاق النووي الذي شغل حيزا كبيرا في الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة الاميركية مقارنة بملف العلاقات الاميركية الخليجية.

وقد ردّت السعودية ودول خليجية أخرى على هذه التحولات بتبنّي سياسات خارجية أقوى وأكثر استقلالية، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الداخلية بينها في وجه التهديدات الخارجية. وبالتالي، يبدو أن الخصام الدبلوماسي بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى بشأن موقفها من الشأن المصري، أصبحت من الماضي. وكذلك عملت الدول الخليجية على تعزيز الروابط الاقتصادية بينها. اذ تطوّرت العلاقات السعودية–الإماراتية رغم عدد من المشاكل، بما في ذلك حرب اليمن، والنزاع الحدودي بينهما، وأنشأت الدولتان مجلساً يسعى لتدعيم التعاون الثنائي بينهما.

ويُذكر ان دولة الإمارات العربية المتحدة هي إحدى أكبر الدول المستثمرة في المملكة، إذ تُقدّر قيمة استثماراتها بأكثر من 9 مليار دولار، ويتجاوز حجم تجارتها هناك 19 مليار دولار، وهو يعادل حوالي نصف تجارة دول مجلس التعاون الخليجي الداخلية للعام 2014. وستبدأ دول المجلس بفرض ضريبة على القيمة المضافة في كل المنطقة بدءاً من العام 2018. وهي الآن بصدد الموافقة على إطار قانوني مشترك لنظام الضريبة على القيمة المضافة. وكذلك ما يلاحظ على اعمال القمة الخليجية 37 (6-7/كانون الاول 2016) المنعقدة في البحرين والتي اكدت على الاتحاد لمواجهة أزمات وتعقيدات المنطقة.

ويُلاحظ في اطار السعي للعمل مع حلفاء اكثر جدية في مواجهة الدور الايراني، قال ملك البحرين "نتطلع إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بريطانيا، وإن مسيرة العمل بين الخليج وبريطانيا ستشهد نقلة نوعية". وربما تكون خطوة باتجاه احياء التحالفات القديمة. اذ قالت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية التي شاركت في اعمال القمة "ان مخاطر الأمن تزداد في الدول العربية والغربية على السواء، مؤكدة أنه لا بد من العمل معاً من أجل تقويض المخاطر الأمنية والإرهابية ". وتابعت ماي "سنساعد الخليج على التصدي لعدوان إيران". وأضافت " جئت اليوم لأن لدينا تاريخاً حافلاً من المعاهدات السابقة بين بريطانيا ودول الخليج، ونود أن نثبت للعالم بأكمله أن لدينا العديد من الفرص التي سنستغلها معاً". وشددت تيريزا ماي على أن أمن الخليج هو أمن بريطانيا أيضاً، والإرهاب الذي يستهدف دول الخليج يستهدف شوارعنا أيضاً، وعلينا معاً مكافحة داعش في سوريا.

فيما يتعلق باليمن – الملف المعقد بالنسبة لدول الخليج تحاول دول المجلس حل الازمة وتعلن دعمها للمبعوث الاممي اسماعيل ولد الشيخ احمد. وفي القمة الخليجية الـ37 في البحرين أكد أمين عام مجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني دعمه لجهود المبعوث الأممي إلى اليمن، وأن مجلس التعاون يعمل من أجل عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار اليمن في حال تحقيق السلام.

وفي ظل التحوّل في السياسات الذي قاده ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عبّرت المملكة العربية السعودية عن استعدادها لإبداء المزيد من المرونة في قضية رفع اسعار النفط. فبعد عدد من الاجتماعات التي عُقدت في روسيا وسَعت إلى إيجاد أرضية مشتركة بين المملكة وإيران وروسيا، قال وزير النفط السعودي "ان الهوّة بين دول أوبك تضيق في ما يتعلق بمستويات التجميد.. والآراء تتقارب كثيرا ". جاء ذلك تأكيداً على أن المملكة العربية السعودية وروسيا، ورغم خلافاتهما بشأن الصراع في سوريا، لديهما مصلحة بالتعاون لرفع أسعار النفط من جديد.

يدل هذا إلى تغيير في استراتيجية أوبك تقوده المملكة العربية السعودية، التي كانت في السابق مستمرة في ضخ النفط لمستويات أعلى من أجل المحافظة على الحصّة السوقية وزيادة الضغط على منتجي النفط الصخري ذي التكلفة المرتفعة. وقد جاءت الاستراتيجية الجديدة بنتائج فورية، إذ ارتفع سعر برنت الخام، لكن يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كان تخفيض الإنتاج المتواضع سيترك آثاراً مستدامة وطويلة المدى على الأسعار.

وبعيداً عن أسعار النفط، لقد حرصت الرياض أيضاً على التواصل مع موسكو من أجل المزيد من التعاون الاقتصادي، وللتأثير على موقفها من سوريا. الا انه لم يتوصّل الفريقان بعد إلى أرضية مشتركة، رغم إشارة بوتين الى انه يجد محمد بن سلمان " شريكاً موثوقاً جداً ".

ان تعقيدات المشاكل في المنطقة والتي تؤكد استمرار الصراعات في سوريا واليمن ونوعا ما في العراق وفي ظل انخفاض اسعار النفط وسعي روسيا المتواصل الى تثبيت نفسها في سوق النفط، تدفع دول مجلس التعاون الخليجي الى أن يكونوا أكثر مرونة في سياساتهم الداخلية والخارجية. وربما ستحصل كثير من التغييرات في العلاقات او التحالفات.

اما بالنسبة للعراق، فقد اتخذت الحكومة العراقية قراراً صائبا بتخفيض صادراته النفطية بمقدار 200 الف برميل وهي خطوة باتجاه تخفيض العجز في موازنة 2017 والتي ستوفر ايرادات اضافية للموازنة وتخفض الحاجة لأستثمارات نفطية جديدة. وبالامكان الاستفادة من حركة التحالفات والعلاقات الجديدة في المنطقة لتعزيز عودة العراق الى منظومته الاقليمية وبما يبعث الاطراف الفاعلة في المنطقة على الرجوع للعراق ثاني اكبر مصدر للنفط في المنطقة بعد السعودية وبما يتيح للعراق لعب دور اقليمي وحتى عالمي اكثر ريادة لاسيما سيكون حينها قد حقق هزيمة داعش الارهابي وتعززت قدرة الحكومة على ضمان سيطرتها على كل اقليم الدولة وبما يزيد من درجة الموثوقية بها. وان هدف تحقيق العراق لدوره الاقليمي بحاجة ايضا الى اتباع سياسات اقتصادية تفضي الى تنويع مصادر الايرادات العامة.

سياسيا، صانع القرار السياسي الخارجي بحاجة الى قراءة دقيقة لحركة التحالفات والاثار الجيوسياسية ذات المضمون التقاربي لانخفاض اسعار النفط واستغلالها لمصلحة مد جسور التواصل مع المحيط الاقليمي العربي وغير العربي وهذا يعتمد على الجدية في تقوية الجبهة الداخلية لاسيما على الصعيد السياسي والاقتصادي ومن ثم الانطلاق نحو الخارج.

* رئيس قسم الدراسات الدولية/مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0