تتواصل انتصارات وتقدم القوات الامنية العراقية بصنوفها المختلفة في عمليات تحرير محافظة نينوى والتي شارفت على انتهاء شهرها الاول والقوات العراقية على ابواب مركز المدينة وبدعم جوي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الدولية. تلك العملية التي ارادت تركيا لعب دور فيها قبل بدئها واكدت على ذلك في مناسبات عدة على لسان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فيها والمشاركة في طرد تنظيم داعش الارهابي منها وان قواتها في معسكر بعشيقة على استعداد لاقتحام المدينة لأسباب معلنة منها المحافظة على التوزيع الديموغرافي للمدينة والدفاع عن "المكون السني" وخشيتها من انتهاك حقوقهم، والمحافظة على امنها الداخلي، الا انها جوبهت برفض الحكومة العراقية على لسان رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي وبالنتيجة لم تتحقق امنيتها.

يلاحظ من مسار أزمة التواجد العسكري التركي في محافظة نينوى ان الحكومة العراقية ادارت الازمة بشكل جيد بعيدا عن التصعيد العسكري. وكان هدف الحكومة تلافي الاسباب التي طرحتها تركيا لتدخلها. فتم التحرك على المستوى الدبلوماسي لحل الازمة الا انه لم تسحب تركيا قواتها. وما كان على الحكومة الا ان تبدأ العملية العسكرية ولم تأبه لذلك التواجد محذرةً تركيا من مغبة التحرك بما يعيق تلك العملية. وبذات الوقت عملت الحكومة العراقية على افقاد تركيا لمبررات تواجدها امام الرأي العام العالمي وجعلت تركيا في حرج كبير.

على الجانب الآخر وفيما يخص عملية تحرير مدينة الرقة شمال سوريا المعقل الرئيس لداعش الارهابي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن إطلاق حملة "غضب الفرات" بمشاركة 30 ألف مقاتل لاستعادة المدينة مساء يوم السبت في 5 تشرين الثاني/2016، اذ تم تشكيل غرفة عمليات (غضب الفرات) من اجل قيادة عملية التحرير والتنسيق بين جميع الفصائل المشاركة وجبهات القتال.

وحول الفصائل المشاركة في العملية، اكدت الناطقة باسم غرفة عمليات (غضب الفرات)، جيهان شيخ أحمد "ستتحرر الرقة بسواعد ابنائها وفصائلها (عرباً وكورداً وتركماناً) الأبطال المنضوين تحت راية قوات سوريا الديمقراطية وبالمشاركة الفعالة لوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة YPJ/YPG، وبالتنسيق مع قوات التحالف الدولي". ومعروف ان غالبية قوات سوريا الديمقراطية هم من الكُرد، وهذا ما اثار حفيظة تركيا لذا فأنها تصر على المشاركة في العملية ايضا. اذ اعلن الرئيس التركي ان مدينة منبج -التي حررتها الوحدات الكردية في وقت سابق– ومدينة الرقة هما هدف القوات التركية في سوريا.

ونتيجة لادراك الولايات المتحدة للتخوف التركي جاء التدخل الاميركي في وقته ويهدف ربما الى تكرار سيناريو الموصل فيما يخص الدور التركي، اذ وصل إلى أنقرة رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد بالتزامن مع إعلان " قوات سوريا الديمقراطية " الهجوم على مدينة الرقة وناقش دانفورد مع نظيره التركي خلوصي أكار، إضافة إلى عملية الرقة، مسألة مدينة منبج. ويعترف المسؤولون الأميركان بأن عملية تحرير الرقة أكثر تعقيدا من تحرير الموصل، من الناحية السياسية. فقد صرح مسؤول رفيع المستوى في البنتاغون لوكالة "رويترز" بأن "هدفنا الرئيس هو إجبار الأتراك على ضبط النفس والتخلي عن كل ما يسبب تصعيد النزاع". ومن أجل ذلك تحاول واشنطن الاتفاق مع أنقرة بشأن تركيبة القوات المهاجمة لتضم إضافة إلى الأكراد مجموعة من العرب والتركمان.

تواجه تركيا الرفض ذاته الذي واجهته في العراق اذ أن "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تتألف في غالبيتها من "وحدات حماية الشعب الكردي"، ترفض أيضا تدخل تركيا بأي شكل من الأشكال في هذه العملية.

من ملاحظة المواقف التركية من عمليات تحرير الموصل وعمليات تحرير الرقة يتبين ان تركيا لا تتخوف من العراق وسوريا كأنظمة بالدرجة الاولى ولكن تخوفها الرئيس هو ظهور دولة عرقية كردية في شمال العراق او شمال سوريا مع مستجدات تغير موازين القوى على الارض لاسيما وان الكرد أصبح لهم الدور الفاعل في قتال داعش الارهابي في كلا البلدين.

ان قوات البيشمركة في شمال العراق وقوات سوريا الديمقراطية شمال سوريا تمثلان جيشا مستقلاً. وبعض التقارير تؤكد ان عدد قوات البشمركة يزيد على ربع مليون مقاتل مدرب اما قوات سوريا الديمقراطية وهي التنظيم العسكري لحزب الاتحاد الكردستاني الفرع السوري لحزب العمال، فقد حصلت على التمويل والتدريب من مستشارين اميركان.

وفي مدينة الباب السورية شمال الرقة هناك قوات تتألف من عرب وتركمان مدعومة من الجانب التركي شارك غالبيتهم في عملية "درع الفرات" السابقة. لذا يبقى الاستفهام قائما حول الدور التركي في العملية رغم التطمينات الاميركية بان يكون دور لتركيا في تحرير الرقة. وبوجود قوات المعارضة العربية التي دربتها تركيا والولايات المتحدة في تركيا والخليج ربما يكون هناك دور غير مباشر او محدود لتركيا في العملية، وربما يقتصر على استقبال النازحين والفارين من القتال.

ويظهر ان تركيا قلقة ومنزعجة من تكرار سيناريو الموصل في الرقة وان لايكون لها دور في عملية تحريرها او يكون لها دور محدود.

برأينا ان التصريحات الاخيرة لمسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس اقليم كردستان من انه ناقش قضية استقلال الاقليم خلال زيارته الاخيرة الى بغداد وان قوات البيشمركة لن تنسحب من المناطق التي حررتها مع انطلاق عملية تحرير الموصل، وموقف الحكومة الاتحادية الذي يوحي بالموافقة الضمنية على هذا الامر، يُزيد من التخوف التركي. الجانب التركي يراقب الامور بعين من القلق ويعتقد ان طموح حكومة اقليم كردستان العراق بالاستقلال يقود الى تغُير موازين القوى على الساحة السورية ايضا ويقوي من شوكة الاكراد هناك.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1