"السياسة في ترك السياسة" قول مأثور من حقبة الإحتلال العثماني كثيراً ما تـَشَدﱠقَ به الأجداد لتبرئة ذمتهم مما يجري من أحداث. وفي تلك الأزمان كانت الحياة أبسط وكان كل شيء له معناه المعروف المُحَدﱠدْ بما في ذلك السياسة. ولكن ما نحن فيه الآن شيء مختلف والسياسة أصبحت تتعلق بكل شيء. ومن هنا أصبح التعبير الحر جزءً من السياسة وأصبح الفكر الحر جزء من السياسة وأصبح الإقتصاد والمال والفنون والآداب والتعليم جزء من السياسة. وأصبح الفساد والفاسدين وحمايتهم أو إدانتهم جزأً من السياسة أيضاً، وأصبح بالتالي من المستحيل تطبيق القول القديم المأثور "السياسة في ترك السياسة" لأن ذلك يعني عملياً الإنسحاب الكامل من الحياة العامة ومن كل ما من شأنه أن يزعج الحاكم أو أجهزته الأمنية. وأصبح حُسْن الإختيار بين ما هو سيء وما هو أسوأ محور عملية الإختيار نفسها. ولم يعد أحد في مأمن من عواقب ما يجري من تطورات معظمها سلبي ومفاتيح الخلاص منها بيد الآخرين. ولم يعد شعار "السياسة في ترك السياسة" خياراً بل أصبح أمراً مفروضاً من قبل الحاكم وأجهزته الأمنية.

وقد ترافق ذلك كـُلَّهُ مع وقوع الدولة العربية القطرية في قبضة أنظمة حكم استبدادية وفاسدة أيضا ً. وإبتدأ التمهيد لحقبة السقوط التي نعيشها الآن والتي تميزت بحالة متفاقمة من الإنهيار العام للدولة الوطنية ومنظومة القيم التي تحكمها. واستفحل الفساد إلى الحد الذي أصبح فيه التعدي على المال العام أمراً يدور في العَلـَنْ ويبعث على المباهاة والفَخَار بحكم أنه ضرب من ضروب الشطارة وليس جريمة تخالف القانون. وهكـذا قَلَبَتْ الأنظمة المستبـدة المقاييس وجعلت من الحق باطلاً ومن الباطل حقا. وضمن هذا الإطار والنمط من التفكير وفي ظل هذه الأوضاع البائسة يتساءل المرء كيف يستطيع الحاكم الفاسد المستبد أن يَتَوَقَّع أن يُعامل بإحترام إذا لم يحترم شعبه والبلد التي يحكمها؟

من الواضح أن التدهور العام والفساد والإقتتال والحروب الأهلية قد وضعت العالم العربي في مسار إعادة التشكيل. والأردن مرشح بالتالي لإعادة الصياغة إذا ما استمر التدهور في الوضع الإقتصادي والمعيشي ناهيك عن الوضع السياسي والحريات، وإذا ما وصل المواطن الأردني إلى القناعة بأن لا أمل في الأفق لتحسين الوضع والخروج من نفق البطالة والفقر والفساد وسياسة الجباية المرتبطة بالإنصياع لتعليمات خارجية لا تُعير أي إنتباه لآلام المواطن الأردني ومتطلباته وآماله. والأهم والأخطر من ذلك إذا ما توصلت القوى الدولية الداعمة لإستقرار الأردن إلى قناعة بأن الحُكـْم في الأردن لم يعد قادراً على إدارة أمور الدولة بشكل صحيح وعادل وفَقَدَ بالتالي ثقة الغالبية العظمى من مواطنيه وتأييدهم مما يجعل الرابطة القوية من الإجماع الوطني على نظام الحكم والتي سادت لعقود تـَضْعَفْ وتـَتـَفكك تحت مِعْوَلْ الفساد المؤسسي والظلم والشعور الغاضب المتفاقم بالإجحاف وغياب العدالة والشفافية.

تعتبر المناطق الأكثر فقراً والأقل تنمية في الأردن، وهي في جنوب الأردن بشكل أساسي، مناطق نموذجية مثل مثيلاتها في باقي الأقطار العربية كإطار حاضن لفلسفة ورؤيا التنظيمات الأصولية المتشددة مثل داعش والقاعدة والنصرة التي تُوَفِّر المتنفس لأُولئك المظلومين والمقهورين والغاضبين مما وضع الأمن الداخلي للبلد على المحك. فالتوجه نحو الدين شيء فـِطـْري وعَفـَوي لا يتطلب درجة عالية أو حتى متوسطة من العلم والإدراك والذكاء بالنسبة لمعظم الناس الأمر الذي يدفع القاعدة العريضة من الناس البسطاء للإنضمام إلى تلك الحركات الدينية وهي المنبع لما أصبح يوصف "بالإرهاب".

ومن السهل التحكم بهذه القاعدة البشرية العريضة والسيطرة عليها إما بدافع الإيمان الأعمى أو الخوف من عدم إطاعة "أولي الأمر" كما يتطلب الدين. الإنصياع والطاعة العمياء، على أية حال، هما سلاح ذو حدين. فكما يريد الحاكم ذلك النمط من الطاعة، كذلك يريد أعداءه ومعارضيه. وعندما يتم إلغاء دور العقل يصبح العنف هو سيد الموقف كونه الأقرب إلى الطبيعة الإنسانية والأسهل للإستعمـال خصوصاً إذا مـا رافقه الجهل. فإستعمال العقل الذي يؤدي إلى ضبط النفس وكبح جماح العواطف هو الأصعب ولكنه الأكثر فعالية.

الأمر لا يقف عند ذلك خصوصاً إذا ما ترافق مفهوم الإنصياع والطاعة العمياء بغياب مفهوم العدالة بشكل عام. فالعدالة في الجباية هي في نفس أهمية العدالة في الإنفاق. وفي حين أن الأردن يتجه حثيثاً نحو مزيد من العدالة السلبية في الجباية حيث يقوم الحكم بجباية الأموال من كافة المواطنين دون أي إعتبار لإمكاناتهم المالية أو قدرتهم على تحمل عبئ الجباية بأشكالها المختلفة، فإنه يتجه نحو مزيداً من الظلم في الإنفاق العام بحيث تتم محاباة جزأً من الشعب على حساب الجزء الآخر، ومناطق من الأردن على حساب مناطق أخرى. وهكذا تصبح معادلة الجباية الشاملة والإنفاق الإنتقائي أساساً للخلل العام القائم في الأردن. والحكم يحاول بذلك أن يعطي الأولوية لتمويل العجز في موارد الدولة وخزينتها نتيجة الفساد الكبير وذلك من خلال سياسة جباية جائرة شاملة وسياسة إنفاق إنتقائي تسعى إلى شراء الدعم والذمم من خلال المحاباة في الإنفاق العام سواء على البشر أو على المناطق، وكل ذلك عوضاً عن العمل الجدي لقطع دابر الفساد وإجتـثـاثه من أصوله.

إن التلاعب بقوت المواطن لأهداف سياسية تتعلق بأولويات النظام قد تساهم في خلق الأرضية الخصبة لإنتشار التطرف خصوصاً إذا كان ذلك التلاعب مرتبطاً بالفساد وبدون أي مردود على البلد والشعب.

من المنطقي الإفتراض بأن أولويات أي نظام تتمثل في البقاء والإستمرارية. وهذا يعني إمـﱠا إنتهاج سياسات تؤدي إلى محاباة المواطنين بهدف خلق مزيد من التأييد والدعم في أوساط الجماهير، أو إلى مزيد من القمع والإستبداد وبالتالي التأييد المبني على الخوف والرعب. والخيار الثاني هو ما يميز الأنظمة الإستبدادية والقمعية في حين أن الخيار الأول يواكب الأنظمة الديموقراطية. العالم العربي يقع في تصنيف الدول ذات الخيار الثاني وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. وهذا التفاوت في درجات القمع والإستبداد هو ما يميز الدول العربية عن بعضها البعض ويعكس نفسه في المدى الذي يمكن أن يصل إليه عنف النظام داخل المجتمع الذي يحكمه. فالأنظمة العسكرية الإنقلابية التي تطورت إلى أنظمة وراثية هي، مثلاً، أكثر دموية ووحشية من الأنظمة الوراثية الأُخرى ومنها الأنظمة الملكية التي أثبتت أنها أكثر رحمة وأقل دموية.

ولكن في النهاية تقاس الأمور بنتائجها، وما نحن مقبلون عليه لا يبعث على الإطمئنان خصوصاً إذا فـَقـَدَ الحاكم أي حساسية تجاه شعبه ووطنه وإعتبر أن الجميع في خدمته وخدمة نزواته. والشعب في مثل هذه الحالة يسعى إلى رفع الظلم بكل الوسائل الممكنة. ولكن الخطر يكون أكبر ما يكون عندما يفقد الحاكم إحترامه لدى الآخرين ويفقد الحكم هيبته ويحتقر الناس السلطة ورموزها ويصبحوا في حـِلٍ من الوضع القائم بإعتباره لا يمثلهم ولا يمثل آمالهم وطموحاتهم ولا يوفر لهم الأمن المادي والنفسي والمستقبلي الذي يجعلهم في العادة يرضون بنزوات الحاكم ولو على مضض.

* مفكر ومحلل سياسي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0