دونالد ترامب اصبح رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، بفوزه على منافسته الديمقراطية هيلاري كلنتون، وانعش بذلك ثقافة التطرف والخوف من المستقبل المجهول ليس لامريكا وحدها بل للعالم اجمع. لكنه اسهم بشكل عملي في كشف حقيقة الادارات الامريكية المتعاقبة وسياساتها في الداخل والخارج.

ترامب فاجأ الجميع بوصوله للبيت الابيض، إذ اطاح بـ16 منافسا له على ترشيح الحزب الجمهوري، وها هو يطيح بالمنافسة المدللة من قبل الادارة الامريكية هيلاري كلينتون، ويصل الى البيت الابيض. وفي مسيرته القصيرة مقارنته بخصومه تعرض لكم هائل من الشكوك والاتهامات التي وصلت الى حد المساس بشرف اسرته، وكانت الكثير من تلك الاتهامات مدعوما باشرطة فيديو وتصريحات معادية لشرائح اجتماعية وعرقيات مختلفة، اخذ العرب والمهاجرين النصيب الاكبر منها.

النقاش الدائر في الاوساط العربية _ الشعبية منها والرسمية_ يتمحور حول شخصية هذا الرئيس وحزمه في معادات العرب والمسلمين، وبشكل ادق معاداته لغير الامريكيين، من مهاجرين والملونين حتى انه اقترح بناء جدار عازل على حدود المكسيك. وهناك من يطرح فرضية التغيير في السياسة الامريكية القادمة لما يحمله هذا الرئيس "الفض" من طروحات قد تتنافى مع ما عهدناه في الادارات الامريكية السابقة، فيما يتبنى الرأي المعاكس "نظرية الثبات" في السياسة الامريكية باعتبارها دولة مؤسسات ديمقراطية تحدد مسارات العمل ليأتي الرئيس وينفذ سياسات مرسومة لا قرارات ذاتية "دكتاتورية".

ونتفق مع وجهة النظر الثانية لكن المؤكد ان الرئيس "ترامب" سيحدث تغييرا في نوعية التضليل الذي تمارسه الادارة الامريكية، فمع وصوله كشفت امريكا عن وجهها الحقيقي، وكل ما فعله ترامب هو "الانتقال من سياسة دسم السم في العسل الى تقديم السم كما هو" انه عرف كيفية الامساك بمرتكزات السياسة الامريكية التي تتحكم في مقدرات العالم، ووضعها في متناول الجمهور ليعرف اي سياسة واي اتجاهات تتبنى الولايات المتحدة الامريكية. انها امبراطورية قائمة امتصاص مقدرات الاخرين وفق اسلوب افلام مصاصي الدماء في افلام هوليود.

العالم يشهد تغيرات كبيرة منذ سنوات، وصعود اليمين المتطرف هو سيد هذه التغيرات، ومن ابرز تجلياته في اوربا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي وصعود الاحزاب اليمينة في مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا وحزب البديل من اجل المانيا. وكل هذه التغيرات ادت الى موجات عالية من التطرف والتطرف المضاد، إذ ان التشدد ازاء المهاجرين والمسلمين في اوربا ولد موجة من التطرف ادت الى زيادة دعم الحركات الاسلامية المتطرفة من قبل بعض المسلمين الذين يشعرون بالظلم والاضطهاد، وقامت هذه الجماعات بهجمات كبيرة في دول اوربا وحتى الولايات المتحدة، فالعملية اصبحت دائرية وتكبر مثل كرة الثلج.

كما ان ترامب لم يضيف كثيرا للتطرف الامريكي نفسه، فالولايات المتحدة الامريكية هي سيدة الحروب وقائدها الاول منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الان، انها الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم السلاح النووي بقصفها قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغزاكي اليابانيتين، وهي التي تمتلك اكبر ترسانة نووية، وهي التي ابادت شعب الفيتنام وهي الداعم الرئيس لاسرائيل بعمليات قتل الفلسطينيين والعرب منذ تاسيسها وحتى الان، اما الحرب على الصومال وافغانستان والعراق وليبيا وسوريا فلا يزال بنك الجرائم مفتوحا ولا تزال الضربات الجوية الخاطئة وغير الخاطئة تقتل من المدنيين ما يعادل من قتلوا في هجوم البرجين عام 2001 مئات المرات. هذه هي الولايات المتحدة ومن يتحدث عن انسانيتها وحضارتها فهو بحاجة الى نظارات تمكنه من الرؤية في عينه الثانية ليعرف الحقيقة كما هي لا كما يتم تصنيعها وتعليبها.

العرب هم اشد الناس خشية من نتائج الانتخابات الامريكية كونهم لا يملكون القرار _ ونقصد القيادة العربية_ وجل ما تجيده هذه القيادة الجاثمة على قلوب شعوبها هو التملق والبذل المالي بسخاء لضمان الاستمرار في عروشها اطول مدة ممكنة. وصراحة ترامب غير ملائمة لهؤلاء لاشخاص اعتادوا دس الاموال من تحت الطاولة.

من جانب اخر، وجه المواطن العربي سهامه نحو ترامب واسلوبه في عرض حقيقة امريكا ونسي هذا المواطن حكامه وجرائمهم ووسائل استمرار حكمهم، نسي بعض الجرائم التي ترتكبها الجماعات الارهابية في سوريا والعراق وليبيا، والجرائم التي يرتكبها الحكام العرب ضد شعوبهم، ونسي العرب انهم يكفرون بعضهم البعض ويقتلون بعضهم البعض، ونسي العرب انهم لم يجرؤا ان يتفوهوا الحقيقة كما اعلنها ترامب. انهم يغطون رؤوسهم بالتراب مثل النعامة حينما يتعلق الامر بمعرفة الذات وتقيم موقفهم في ظل الوضع العالمي الجديد، لكنهم يملكون صواريخ عابرة للقارات حينما يتعلق الامر بتحديد مكامن الخلل في خصومهم. تعودوا ان يكتشفوا اخطاء الاخرين ويهدوها لهم ليستعيدوا توازنهم ونسوا انفسهم فنسيهم العالم ونبذهم الامريكيون وقتلهم الاسرائيليون وذبحهم الدواعش، فأصبحت استراتيجيتهم الانتظار والترقب بدل المبادرة والسير نحو اهداف واضحة.

ترامب كان صريحا لدرجة انه كشف الوجه الحقيقي لأمريكا، وبدل ان يقتل العرب بطريقة دبلوماسية، ويحتل بلدانها اعتمادا على بيانات خاطئة، سوف يطردهم من بلاده في وضح النهار وتحت عدسات الكاميرات، وسيحتل البلاد التي تعارضه دون بذل جهود لتزوير تقارير مخابراتية.

لسنا مع ترامب وسياسته، لكن ما يقوم به يمثل الولايات المتحدة او على الاقل الولايات المتحدة في المستقبل وبالتالي تصبح افعاله غير مستغربة، اما العرب فلا عزاء لهم وربما سيكون من حسن حظهم ان المعركة سوف تنتقل من بلادهم الى بلاد الغرب نتيجة صعود الاحزاب اليمينية المتطرفة والتي قد تتصارع فيما بينها في المستقبل. ونقول للعرب في ليلة العزاء: "ان امريكا انتخبت رئيسها فهل تستطيعون ان تنتخبوا رئيسكم".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2