حاولنا في المقال الأول** ان نحلل الحالة العراقية الداخلية تحليلا دقيقا وشاملا وننظر اليها من جوانبها المتعددة، وفي هذا الجزء الثاني سنحاول ان نحلل ونستقرئ دور التحالف الدولي والوضع الجيوسياسي للمنطقة وللعراق، وفي الجزء الثالث والاخير سنحاول ان نستقرئ مستقبل الحشد الشعبي والمعطيات المهمة لأمن العراق.

من المنظور الاميركي ودول التحالف فان تحرير الموصل يعني نهاية الكيان الرسمي للدولة الاسلامية (داعش)، وان انحسار داعش سيبقى هدفا مهما للولايات المتحدة وخصوصا في عدم توسعها في لبنان او الاردن او اسرائيل او السعودية، وهي تنظر لمشكلة داعش من منطلق جيوسياسي اقليمي علما اننا كعراقيين ننظر للمشكلة من منطلق وطني ومحلي بحت، ولعل بعد تحرير الموصل، ستتجه الانظار الاميركية باتجاه سوريا وتعقيداتها وستعمل على احتواء عُقد الساحة السورية المرتقبة.

وبخصوص توقيت عملية تحرير الموصل فان واشنطن في الاعم الأغلب تبحث عن الظروف المناسبة وليس عن موعد معين، واذا كانت الانتخابات الاميركية (خصوصا للحزب الديموقراطي) تسير بمسار طبيعي فلن يكون هناك استعجال بل ستنتظر الظرف المناسب لتحرير الموصل والاستفادة من اثرها على الحالة الجيوسياسية للمنطقة. الرئيس الاميركي اوباما حدد قبل عامين ثلاث سنوات لتدمير وجود داعش وما يجري الان هو ضمن تلك المحددات والسياقات المخططة والمقدرة لها.

بالنسبة للجانب الاميركي تتعلق المعادلة السياسية العراقية بمدى قرب او بعد الغرب في علاقاته مع اصدقائه وحلفائه في المنطقة، فعدم توافق رؤانا لا يساعد الطرفين في تقوية علاقتها مستقبلاً، وهنا يأتي السؤال عن ماهية طبيعة العلاقة المرتقبة بين بغداد وواشنطن بعد تحرير الموصل على مستوى التعاون الامني والسياسي والعسكري؟

من الجانب الاميركي فانه لا ينتظر جواب على هذا السؤال بل انه سيعمل بهدوء (وبجدول زمني طويل حسب تقييمهم وليس حسب قناعات العراقيين) على دفع العراق باتجاه الاستقرار الامني والسياسي وخصوصا وهم يعرفون مدى الشرخ الذي خلقه احتلال داعش وقبلها الارهاب داخل العراق ومدى اهمية استقرار العراق النسبي على استقرار المنطقة.

وبخصوص التوتر الاخير بين العراق وتركيا والتدخل الصارخ التركي في العراق فان احتواء تركيا وليس محاربتها او محاصرتها سيكون نهج الاميركان في التعامل مع البعد التركي في العراق، فالولايات المتحدة تدرك جيداً ان التقلبات السياسية في انقرة سيكون لها تأثير مباشر على سير احداث تحرير وما بعد تحرير الموصل، اذ ستعمل تركيا على تثبيت تواجدها العسكري وان تكون كعنصر دائم في الحوارات العراقية والسورية حول الموصل وغيرها، بسبب ان تركيا تعتبر خطر تنظيم حزب العمال الكردستاني يؤثر على أمنها القومي وان خطر تنظيم داعش ممكن الاحتواء للاستفادة منه في التأثير على البعد الجيوسياسي في المنطقة.

ومن الضروري ان نذكر ان الحديث عن تقسيم محافظة موصل الى اقاليم او محافظات يساعد دعاة تقسيم العراق وكذلك يعطي ذريعة للكثير من الاطراف الاقليمية، وبالخصوص تركيا، بالتدخل المباشر. هناك ترابط حقيقي وجوهري بين الاستقرار في سوريا واستقرار العراق والعكس ايضاً، وكذلك فان تحرير الموصل يعني بداية جديدة لعراق ما بعد داعش، وهي بداية وضع سوري جديد ذو بعد داعشي محلي وليس عابرا للحدود، واستئصال تنظيم داعش الارهابي من سوريا قد يحتاج من سنة الى سنة ونصف بعد تحرير الموصل، علماً بأن الوصول الى توافقات في مباحثات جنيف بحق سوريا ستكون محورية في استقرار العراق بعد تحرير الموصل.

وبخصوص البعد الجيوسياسي للمحافظات ذات الاغلبية السنية العربية في المعادلة فان ضعف الحوارات بين العراق ودول الجوار العربية زاد من فجوة العلاقة بينهم وزاد من قناعة الكثير من العراقيين ان الدول العربية القريبة من العراق تريد ان يكون لها دور في تحرير الموصل لكي تتأكد من إمكانية تغيير خريطة العراق باتجاهها وان لا تثبت وتستقر قواعد العملية السياسية وعراق ما بعد ٢٠٠٣.

مخاوف زعماء المحافظات ذات الاغلبية السنية ليس بضعف تأثيرهم على اصحاب القرار في بغداد فقط بل بضعف تأثيرهم على مراكز القوى الاقليمية والبعد الدولي ايضاً، وعدم انضواء ابناء هذه المحافظات تحت مظلة واحدة او تحت امرة قائد واحد او كيان واحد سيطيل من تحديات هذه المحافظات وبالتالي يطيل التوتر السياسي العراقي.

من الضروري ايضاً ان تكون لقيادات المحافظات التي تحررت من داعش وحدة رؤى في دورهم وفهمهم للهوية العراقية الشاملة لعراق ما بعد ٢٠٠٣. ضعف التمسك بهذه الهوية الجديدة (او العقد الاجتماعي) سيأتي بنتائج عكسية على قوة دور السنة في بناء العراق الجديد وخصوصا مع نجاح داعش في زيادة الفجوة بين المكونات العراقية.

هنا يأتي دور الحكومة والقيادات العراقية والامم المتحدة وبعض الدول الاصدقاء في تركيز الحوارات حول توحيد الرؤى بين الاطراف العراقية المختلفة، علماً ان ضعف البنى التحتية ومصادر الطاقة في المناطق الغربية سيجعل سعي بعضهم لتقسيم العراق الى فدراليات وقواطع ذا نتائج عكسية عليهم، ومن الضروري ان لا ننسى ان قوتهم هي في قوة العراق كدولة موحدة متماسكة.

وبخصوص البعد الكردي فان قوة مشاركة مقاتلي البيشمركة في تحرير الموصل سيكون عنصرا مفيدا في توحيد وحدة العراق ولكن قد يعتمد منطلقهم على مدى مقدرتهم بتثبيت ما سيطروا عليه من الاراضي في المناطق المتنازعة عليها وان كانت مشاركتهم معتمدة ربما على غنى هذه المناطق بالطاقة النفطية مع ملاحظة ان قوة مشاركة الكرد في تحرير محافظة نينوى سيزيد من شعبيتهم في المحافل الدولية وخصوصا في الكونغرس الاميركي.

من جانب آخر نرى ان التحالف الوطني (الشيعي) يجب ان يمتلك رؤى سياسية واضحة وغير مبهمة لعراق ما بعد داعش لكي يستطيع ان تقود الحوارات مع الاطراف الكردية والسنية العربية وغيرها، فوضوح هذه الرؤى يمكن ان يحدد قواعد الحوار الجديدة بين القيادات العراقية المختلفة.

الخلافات الكردية-الكردية ستزداد مع ازدياد قناعة كل الاطراف الكردية بصعوبة استقلال كردستان ولذلك كل العيون الكردية ستتجه نحو واشنطن لترى مدى حرية حركتهم في هذا الشأن. من جانب آخر كلما اقتربت واشنطن من أحد الاطراف الكردية فسترى الاطراف الاخرى تتجه شرقاً او شمالاً. وهناك فرصة ذهبية للقيادة الكردية في بناء عراق جديد على أسس جديدة ذات منفعة ستراتيجية متبادلة مع الحكومة المركزية وكل المكونات، هل سيكون بعد النظر والتعايش والتطور المشترك مع الجنوب عنوان مشروعهم ام استمرار التخندقات وخسارة الكل؟

* لقمان عبد الرحيم الفيلي، باحث مشارك في ملتقى النبأ للحوار وسفير العراق السابق لدى الولاايات المتحدة الامريكية

..............................
** عراق ما بعد تحرير الموصل، القيادة والواقع
http://annabaa.org/arabic/authorsarticles/8400

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1